اشعر بأنني قريب جدا من جذوري, قريب بكل ما تعنيه هذه الكلمة, فانا انتمي الى عائلة قروية, وعندما شعر احد افراد هذه العائلة وهو عمي بدنو اجله, ذهب الى مزرعته وجلس بين اشجار الفواكه , ومضى ينتحب اثناء وداعه لها, وجائزة نوبل التي حصلت عليها تمثل, في الواقع, تقديرا لرجال مثل عمي ولكتاب مثلي ينحدرون من هذه الاصول المتواضعة) . هذا هو ما قاله خوسيه ساراماجو مؤخرا وقد يدهش الكثيرون لدى قراءة هذه الكلمات الموحية, بالتواضع الشديد وهي تصدر من اجل المفروض انه وصل الى قمة رفيعة في عالم الادب العالمي, ولكن اكثر منهم ربما لم يقدر لهم ان يعرفوا من هو ساراماجو. والواقع ان الذين يعرفون الروائي البرتغالي العجوز الفائز بجائزة نوبل للاداب في اكتوبر من عام 1998 يعرفون ايضا ان وراء عدم المعرفة به وبعالمه الروائي اسبابا كثيرة لعل اهمها الموقف المتحفظ الذي ابدته بعض الاوساط الرسمية في بلاده وخارجها ازاء فوزه بالجائزة الشهيرة ومع ذلك فقد تسلم ساراماجو الجائزة ولم ينكر دوافعه الحقيقية لاستلامها (لم اكن منافقا) غير انني لم اعد اعاني من الجوع بعد استلامها! ورغم الاستقبال غير اللائق الذي لقيه في بلاده الا انه مازال لديه الكثير ليقوله عن نفسه بتواضع, فهو يمارس (رحلة الكتابة) الطويلة بروح المغامر الذي لايكف عن البحث عن الحقيقة ويمكن ان يقال بان روايته الاخيرة (كل الاسماء) هي افضل اعماله حيث يبدو فيها متمرسا الى ابعد مدى, والقصة في حد ذاتها ليست بعيدة عن الواقع كما يقول هو (كل الادب واقع حقيقي اصلا) اما بطل روايته فهو رجل يبحث عن (شخصية) لايعرف عنها سوى الاسم. البطل في هذه الرواية موظف بسيط يعمل في مصلحة تسجيل المواليد والوفيات ويتلخص واجبه الوظيفي في الاشراف على الملفات, الا ان مسؤوليته تجاه (كل الاسماء) الموجودة فيها يخلق لديه شعورا بالعظمة شبيه بالاوهام التي تعتري مؤلفي الروايات وتشعره بان لحظة الانتصار بالنسبة له هي اللحظة التي يتمكن فيها من لم شمل الموتي والاحياء معا, ولتنفيذ هذه الفكرة اخذ يتسلل الى المكتب ليلا ويعبث بالسجلات الرسمية, كانت لديه معلومات اضافية جمعها عن المشاهير والمطلقين والمواليد الجدد وغيرهم لكنه عثرو بالصدفة على ملف امرأة مجهولة لايعرف عنها الكثير سوى اسمها وعنوانها ومكان وتاريخ ولادتها وحقيقة انها مطلقة. وهكذا تبدأ في ذهنه رحلة مطاردة سحرية ممتعة لامرأة جميلة يشتهيها ويلاحقها في الطرقات. وبعد تمكن المرء من انهاء قراءة القصة تستمر رواية ساراماجو الحقيقية وتستحوذ عليه, لقد استيقظ ذات يوم على نبأ وفاة اخيه فرانسيسكو الذي كان يكبره بعامين, كان اختفاؤه مفاجئا بالنسبة له ولم يكن يتجاوز وقتها سن الثانية لكن ظل موت اخيه مستحيلا على مدى سبعين سنة حتى قرر ان يذهب بنفسه الى قبره, وقد منحه ذلك اليقين بان المقابر هي المستأمن الوحيد على الاسماء التي تستريح بداخلها, غير ان الاكتشاف ذاته كان يشكل منعطفا حاسما في حياة ساراماجو كان بمثابة نقطة البداية لموضوعات واعمال اخرى صدرت منذ تلك اللحظة فقد ظل اخوه حاضرا في ذاكرته على مدى سبعين سنه احس بعدها بانه قتله وان فرانسيسكو لم يعش في الواقع تلك الحياة الطويلة. ان عالم خوسيه ساراماجو عالم مزدحم يعج بالاسماء والاشياء وبالسحر والخيال والسياسة والدين والتاريخ, وهو العالم الذي تتوحد فيه الاسماء والموت والحياة. ولذلك فهو عالم قريب من النفس التي يعالج مشاكلها بشيء من الهدوء والتواضع. يبدو خوسيه ساراماجو كما يميل العديد من النقاد الى القول متأثرا بكتاب كبار من امثال (فرانز كافكا) و(بورخيس) وعن هذه العلاقة يقول (ان هذه العلاقة ليست كذلك تماما, وفي روايته التي صدرت حديثا (كل الاسماء) يؤكد انه لم يكن متأثرا بحكاية شواهد مدافن براغ المتداعية للسقوط التي كتب عنها كافكا, فكل ما يجمع بينهما هو الخيال, والحقيقة كما يقول هي ان كافكا كان دائما قادرا على القراءة والتنبؤ بما ستكون عليه الاشياء في المستقبل, وهنا نحن نرى الكثير مما قاله قد تحقق. وجزء مما تحدث عنه كان (البيروقراطية) وهي مشكلة مضللة وانها متاهة في ايامنا هذه وكل ذلك قد تأتي له بفعل الخيال, لان الخيال مرادف للحقيقة التي نعيشها. اما عن العلاقة بين بورخيس وبين مشروع ساراماجو الروائي الآخر الذي يدور حول فكرة التفريق بين الاشياء وبين صورها او ظلالها المنطبعة في الذهن, فان هذه المفارقة كما يرى لاتجعله شبيها بالكاتب الاسباني الشهير, على الرغم من كل ما يجمع عليه النقاد, على الرغم من انني اقارن دائما بكافكا وبورخيس والكاتب البرتغالي (بيسوا) الا انني لست شبيها لهؤلاء, ان الحقيقة لاتتجزأ عن الادب, وكل ما قاله هؤلاء كان حقيقيا وعندما يتكلم الآخرون عن التأثر فان هذا لايعني حالة من السلبية لدى المتأثر. لان ذلك لايتهيأ الا لمن لديه الاستعداد لان يتأثر بشكل ايجابي وهي ملكة لست متأكدا من كوني مزودا بها. ان ما يميز تقنية ساراماجو في الكتابة يتمثل في ان اهم ما يحرص على تجسيده في عمله الروائي هو (الشخصية) وليس الحبكة كما درج الكتاب على ذلك, ولعل وجهة نظره في هذا تتلخص في أن زمن الرواية التقليدية المعروفة في القرن التاسع عشر قد ولى, واتى بدلا منه الزمن الذي يحتاج فيه الروائي الى ايجاد شكل آخر يقترب من المقالة المطولة مثلا كما يسميها خوسيه ساراماجو, تلك التي لاتحول بين القاريء وبين متعة معايشة الاشياء والاشخاص. وكما ان الكتابة لدى ساراماجو تشبه الحياة فهي ايضا تشبه المغامرة التي يقدم عليها بجدية تامة, ويواظب على توصيلها الى الآخرين باي شكل من الاشكال فكتابة الرواية لاتمنعه من ممارسة الكتابة لاشكال اخرى مثل المسرح والشعر والمقاله, انها تلك الاساطير والحكايات المتكاملة التي نعيشها في عالمنا وزماننا هذا ومع ذلك فان الرجل يجد متسعا من الوقت ليعبر عن اعجابه بتجارب كتاب كبار بعضهم من البرتغال مثل (ميجويل تورجا) و(ميلونيتو) وبعضهم ممن يكتبون باللغة البرتغالية مثل الكاتبين البرازيليين (جورج امادو) و(درموند دو اندريد) , غير ان اية مقارنة اخرى بين موقفه وموقف الفيلسوف الفرنسي الشهير (جان بول سارتر) الذي رفض استلام جائزة نوبل ستكون مقارنة تنقصها الواقعية. حقائق عن خوسيه ساراماجو ولد خوسيه ساراماجو في سنة 1922 لابوين ريفيين ودرس في لشبونة لكنه اضطر لاسباب اقتصادية الى ترك مقاعد الدراسة هناك. عمل ميكانيكيا ورساما للخرائط ومحررا ومترجما. نشر اول رواياته في سنة 1947 وهي رواية بعنوان (تيرادوبيكادو) . كان عمله الثاني الذي نشر سنه 1966 عبارة عن مراجعات ادبية. تفرغ للكتابة سنة 1976. من اشهر اعماله (تاريخ حصار لشبونة و(العمى) وكل الاسماء) . حصل على جائزة نوبل في الادب 1998. اعداد ـ مريم جمعة فرج