كثيرا ما يقرأ الناس ما يكتبه أمثالنا قراءة بوليسية, فإذا قلت ان لي صديقا إرهابيا, اتهموني فجأة بأنني إرهابي, وإذا كان القارىء الذي نصفه دائما بأنه عزيز من أهل الأمن ربما وضع دائرة حمراء حول اسمي , واعتبر ما قلته اعترافا صريحا بأنني والعياذ بالله إرهابي . ولذلك فأنا في بداية حديثي هذا أرجو من القارىء العزيز جدا ألا يخلط الأوراق, وخاصة إذا كان من رجال الأمن, فالموقف آنئذ يكون صعبا. وأنا رجل مسالم, أفرق بين آرائي التي تبدو حادة أحيانا وبين سلوكي الذي وصفه صديق منذ وقت قريب وهو يقلب شفتيه امتعاضا بأنه سلوك غير صدامي! وربما كنت أنا من قال: إني شجاع على الورق مذعور الحياة! وإذا كنت قد عشت زمنا طويلا مثلي, ووضعتك الأحداث في قلبها في غالب الأمر صدفة دون أن تقصد, وإذا كنت قد عشت فترات ملتهبة تغيرت فيها أمور كثيرة, إذا كنت كل ذلك فلابد أنك قابلت نماذج كثيرة من البشر, وبينهم ربما ما يطلقون عليهم وصف الإرهابيين . أول إرهابي عرفته هو سعد. ز .ف وعندما عرفته كنت أخطو أولى خطواتي في بلاط صاحبة الجلالة. وكان سعد ولايزال يعمل صحفيا ولكن ذلك كان الغطاء لهوايته الأساسية التي كنا نسميها العمل الفدائي وهو التعبير الذي تغير بعد ذلك. وعندما عرفت سعد وزاملته في نفس المجلة بل وفي نفس الغرفة كان قد شارك أنور السادات في اغتيال أمين باشا عثمان أحد وزراء الوفد, وأحد كبار عملاء الإنجليز, وكان المتهم الأول في القضية حسين توفيق. وأظن أن عمر سعد زمن هذه القضية (التي تمت في عام 1946) كان أقل من ستة عشر عاما. وبعد ذلك شارك في الأعمال الفدائية في القنال عام 1951 وما بعدها بسنين. واختطف عام 1952 إذا لم تخني الذاكرة أحد الضباط الإنجليز . ولقد روى لي سعد القصة, كيف اختطف الضا بط وهو خارج من أحد البارات في بور سعيد وللأسف لم أدون ما قال, ولا تخيلت أني أكتب عنه في يوم من الأيام . و لذلك لا أدري هل كان الشخص الذي أخذ الضابط الإنجليزي إلى بيته بالقاهرة هو فعلا فؤاد محيي الدين. الذي صار بعد ذلك الدكتور فؤاد محيي الدين رئيس الوزراء . وبعد أن حكي لي سعد ذلك بقليل طلب مني اللواء الباجوري أول مدير أمن في ثورة يوليو أن أراجع مذكراته قبل النشر ولا أظنه نشرها وفوجئت أنه حذف قصة اختطاف الضابط الإنجليزي, فلما سألته عن السبب قال لأننا كذبنا, الحكومة كلها كذبت, ولم يكن هذا مقصودا, فقيادة القوات البريطانية وجهت إلينا إنذارا بإعادة الضابط. فأنكرنا معرفتنا به, بل أن صلاح سالم الذي كان وزيرا للإرشاد ( الإعلام ) شكك في القضية كلها. وقال سعد انه بعد اختطافه للضابط ووضعه في بيت صديق, نزل ليتنزه, فمر على مقهى يذيع حديثا لصلاح سالم عن الضابط المخطوف, و أدرك أنه أدخل الحكومة في أزمة, فطلب السادات صديقه القديم من المقهى, وحكى له عن اختطاف الضابط. وبعد دقائق كان السادات في المقهى, وتسلم رجال المخابرات الضابط, وكان من المستحيل على الحكومة أن تعترف بوجود الضابط بين يديها, وقد أنكرت بشدة هذا منذ قليل, فأخذ رجال المخابرات الضابط إلى احد البلاد الأوروبية, وألقوا به في أحد الشوارع وعليه كمية كبيرة من الكحول, وقيل فيما بعد انه هرب من القاعدة في بورسعيد لأنه سكير وأنه وجد في ميناء أوروبي سكران! ولقد غضب عبد الناصر على سعد ربما لأن ما تم كان دون علمه, ولذلك هرب سعد إلى أوروبا حيث عاش فترة, ومثلما حدث مع بيرم التونسي من قبل كان مسافرا عبر البحر إلى الهند الصينية (شرق آسيا الآن) فلما مر بشاطىء مصر, أحس بحنين إلى بلده, فنزل خلسة لتتلقفه أيدي رجال الأمن, ويدخل المعتقل. وكان سعد من أوائل الذين انخرطوا في مقدمات العمل الفدائي الفلسطيني, وفي السبعينات كان أحد مهندسي خطف الطائرات, ولقد نشرت له صورة تقريبية بعد تفجير طائرة العال في سويسرا. و كتب سعد ذكرياته عن العمل الفدائي في الخمسينات وما قبلها, ولكنني لا أظنه كتب ذكرياته عن فترة السبعينات وهي فترة من وجهة نظري أكثر إثارة. الإرهابي الثاني الذي عرفته لا أستطيع أن أشير إ ليه ولا حتى بالأحرف الأولى, المهم أنه فلسطيني, كان في بداية السبعينات شابا صغيرا, وسيما, قابلته في احد المستشفيات, وكنا نزور صديقا مشتركا, سأحدثك عنه بعد قليل فهو الإرهابي الثالث الذي أذكره لك. وفي تلك الفترة حضرت لقاء مفيدا جدا كان أحد أعضائه موظفا كبيرا في دولة صغيرة تحدث طويلا عن أحلام رعاية فصيل فلسطيني غير خاضع لأي نفوذ عربي أو غير عربي, فالولاء لفلسطين هو ولاؤه الوحيد. وأخذني الحماس وكم كنت ساذجا فعرفت الشاب الفلسطيني بالمسؤول في الدولة العربية, و أنا أتصور أنني أشهد بداية علاقة نبيلة, تغير من خريطة الكفاح العربي. ولكن هذه العلاقة أنتجت منظمة لعبت بلا شك دورا وطنيا, لكنها أدت أيضا عمليات من الواضح أنها ليست نظيفة. وساءت سمعة هذه المنظمة, وكلما سمعت شيئا عنها, لمت نفسي, وأحيانا كان يلومني صديق حضر القصة من بدايتها إلى نهايتها, وبالتأكيد كان أكثر علما بالتفاصيل, فقد كان مسؤولا أكبر من الموظف الكبير البطل الثاني للقصة. وعندما اشتهرت المنظمة, وعرف اسم قائدها, لم أتخيل أنه صديقي القديم, وظننت أنه تشابه أسماء, إلى أن قابلت صديقا يعمل مخرجا فتلفت حوله وقال لي: فلان يسلم عليك! .. ولم أصدق أذني. فحكى لي كيف أنه قابله, ولان صديقي هذا داخل الأعمال الفنية, فلقد أخذ يتحدث إليه ويستدرجه بالأسئلة, حتى ذكرني, فسأله عني, فقال انني صديق عزيز - هكذا قال فطلب منه أن يبلغني سلامه. وأنه سيتصل به ليعرف إذا كنت أريد أي شيء منه! وأنه يسعد أن يقابلني إذا شئت! وكنت في حالة بين الذعر والضحك سخرية. فها هو رجل يوضع إلى جوار كارلوس يرسل يسألني ما حاجتي وكأنه هارون الرشيد أو أكثر. وفي لحظة انفلات فكرت أن أكتب له قائمة بمطالبي ومعظمها اغتيالات تبدأ من بعض زعماء إسرائيل إلى بعض الكتاب غير الموهوبين . لكنني بالطبع لم أفعل شيئا كهذا. واكتفيت برد السلام أجر مما أرسله . ولا أعرف هل وصله ردي أم لا. بل لا أعرف هل مازال على قيد الحياة أم لا ؟! فلقد غرق في النسيان أو التناسي بعد تغير الظروف. الثالث الذي ذكرته من قبل يمثل لي مسرحية من فصلين, الفصل الأول هو فيه بطل يحمل سلاحه على كتفه يطلق الكاتيوشا على المستوطنات الإسرائيلية ويختطف الطائرات. ويتفق معنا على إشارة معينة نضعها على الر سائل لأنه لا يفتح رسائل ليس عليها شفرته, خوفا من أ ن ترسل إليه إسرائيل رسائل مفخخة. أما الفصل الثاني فهو أنه أحد أبطال المفاوضات السرية مع إسرائيل ! ولأنني رجل خيالي أو هكذا يتهمونني فلقد تخيلت أنني أحد هؤلاء الأصدقاء الثلاثة, أو مثل غيرهم الذين لم أذكرهم, عشت حياتي كلها للوطن, ولأن الوطن مقهور فلقد رأينا ويا ربي كم هذا صادق أن حمل السلاح هو الحل الوحيد. ورفعنا السلاح. ووضعنا أرواحنا على مائدة الرهان. وها هو الآن أنا, أو هو, يدخل إلى الشيخوخة ولقد فقد كل شيء. الزوجة والأولاد والعمل, والأكثر من ذلك الوطن والقضية! واستعنت بالله وخرجت من حلم الإرهابي, وبدلا من أن أتخيل أنني أحدهم, أفضل أن أتحدث عنهم, لقد تغير الزمن كثيرا, وداس في طريقه بين من داس هؤلاء الذين ظنوا وظننا معهم أنهم فدائيون, فإذا بهم كما عرفنا من الـ (سي آي ايه) والموساد مجرد إرهابيين ! وفوق كل ذي علم عليم.