لا أنسى تلك اللحظة منذ سنوات كنت أجلس إلى ابنتي الصغيرة أثناء إعدادها لكراساتها وأدواتها المدرسية قبل بدء الدراسة بأيام. عندما قالت لي فجأة:(تعرف يا بابا .. أنا ما استريحش إلا إذا كان عندي ورق وكشاكيل كثير).تطلعت إليها صامتا.. مخفيا دهشتي .. هل تلاحظ عاداتي ؟ علني أنتقل إليها عبر قوانين الوراثة الخفية أدق خصائصي؟ الورق .. الكشاكيل .. أدوات الكتابة .. بعد انصرافها وجدت نفسي أتطلع إلى ما فات .. وكانت هي تحدثني عما ينتظرها .. عما سيأتي .. كنت أتطلع إلى الماضي .. وكانت ترقب وتشير إلى الآتي .. إلى القادم. في سنة تسعة وخمسين وتسعمائة وألف , ولأسباب غامضة لا أجد لها تفسيرا حتى الآن, شعرت بالرغبة في كتابة واقعة سمعت الوالد رحمه الله يحكيها. كتبتها على صفحات كراسة مدرسية. كنت في الشهادة الإعدادية. وكان الوقت آمنا .. ممتدا .. والوطن كله يتطلع إلى الأمام. كنت في بداية عهدي بالكتابة غير المدرسية .. الكتابة التي لا تدون الدروس. كنت أكتب على الوجهين .. وبعد عامين عندما تقدمت بأول كتاب لي إلى الدار المصرية للتأليف والنشر, وكان عنوانه (المساكين) تيمنا وتفاؤلا بأول كتاب أصدره دستويفسكي, وكنت قرأته في مطبوعات الشرق .. تلك السلسلة الوطنية التي كانت تقدم الأدب الروسي مترجما. في هذه الدار التقيت بالسيدة شفيقة جبر حرم الأستاذ عبد الرحمن الخميسي رحمه الله, ووالدة صديق العمر أحمد المقيم الآن في موسكو. وسوف أفيض في حديثي عنها. فهي تنتمي إلى عدد قليل أدين له كثيرا. ولا أذكر أنني في حياتي قد انحنيت لأقبل يدا, إلا أيدي والداي رحمهما الله ونجيب محفوظ. وشفيقة جبر وشيخنا عبد الوارث الدسوقي أمد الله في أعمارهم أجمعين. تطلعت إلى السيدة شفيقة. مازلت أذكر نظرتها الطيبة. المشفقة على صغر سني. تصفحت أوراق المجموعة. ثم قالت انه من المستحسن أن أكتب فيما بعد على جهة واحدة. لأن هذا أسهل للمطبعة. طبعا كنت أصغي إلى كلمة المطبعة فيرقص داخلي فرحا. ولكن صدور (المساكين) لم يحدث قط. أما أول كتاب فصدر بعد هذا اللقاء بثماني سنوات. وكان عنوانه (أوراق شاب عاش منذ ألف عام) .. رحلة شاقة .. طويلة .. شاقة .. عانيت فيها الكثير.. ولكنني لا أمل القول من شعوري بالامتنان لكل من ساعدني وهداني. كانت القصص القصيرة التي تضمها المجموعة مكتوبة على ورق مسطر مجوز. كان مصروفي اليومي قرشين صاغ. وكان يكفي بالكاد ما أحتاج إليه في يوم الدراسة الطويل. وبرغم ذلك كنت أوفر منه خمسة مليمات لأشتري فرخين ورق مسطر من مكتبة العسال الواقعة بجوار البنان على ناصية شارع قصر الشوق. مازلت أذكر رائحة الورق والحبر والاساتيك الممتزجة برائحة الحلوى والبسكويت ولعب الأطفال. زالت المكتبة الآن. ولا أمر بموقعها إلا ويهفو قلبي .. فقد كانت من علامات صباي خاصة في الأعياد عندما تتزين واجهتها وتعلق البالونات واللعب. لم يكن مسكننا الضيق يتسع لمكتب. فقط منضدة صغيرة تطوى وتبسط. أما كتبي غير المدرسية فقد كانت قليلة العدد, يصطف بعضها فوق أو في أرضية الصوان الوحيد المخصص لملابس الأسرة. كانت والدتي ـ رحمها الله ـ تفهم عني. وتدرك ما عندي بدون لفظ بيننا. ومني إليها كان ينتقل ما عندي. فأتطلع صوبها فأدرك أنها فهمت. وعرفت. كنت أمامها كتابا مبسوطا. مفتوحا. وكانت هي ملمة بمتنه وحواشيه. وما خفي من معانيه. كانت تعرف أنني أجر نفسي خلال تلك الانحناءة الطويلة التي لا يكون بين يدي كتاب مدرسة أو كراسة درس. كان والدها الذي قضي مبكرا وهي طفلة شيخ القرية. وأمام مسجدها. ومعالج فقرائها بالاحجبة والتعاويذ. ومداح الرسول عليه الصلاة والسلام. في السنوات الأخيرة اكتشفت مخطوطات نادرة وجميلة لابن عربي والقاضي عياض وغيرهما, في منزل جدي رحمه الله. مازال المعمرون من ربع حسام الدين بجهينة الغربية يذكرون ملاحة صوته. ورقة إنشاده. هل كانت الوالدة ترى في انحنائي على القراءة ترديدا لما شاهدته من أبيها في طفولتها المبكرة؟ هل استعادت صورته وهي ترقبني مستغرقا. منهمكا في الكتابة. فكانت تقترب لتضع كوب الشاي الثقيل المعطر بالنعناع وتبتعد في صمت لتجلس على مقربة مني. لا تنام إلا بعدنا. وتستيقظ قبلنا أجمعين. كوب الشاي هو العادة الوحيدة المرتبطة عندي بالكتابة. كوب واحد لا غير أشربه في المساء. لا أدري ولن أعرف أبدا أي صور كانت تتوالى على ذهنها وهي ترقبني منكبا على الورق؟ وكثيرا ما كان الورق ينتهي. ولا تنتهي الكتابة. فأبدي ضيقا. عندئذ تدس يدها في صدرها. ومن بين ميزانية البيت اليومية تعطيني قرشا أو اثنين لأسرع إلى مكتبة العسال وأعود بالورق الفولسكاب وأواصل الكتابة. في بداية الستينات .. وفي منزل الفنان الراحل عبد الرحمن الخميسي تعرفت على صلاح عيسى. ولي عنه حديث أطول فيما بعد لتأثيره العميق في علاقتي بالثقافة والواقع. ولكن ما يعنيني الآن رؤيتي لورق الصحف (الدشت) معه لأول مرة. كان يكتب عليه بقلم جاف وخط دقيق . منظم صارم. تماما كعلاقته بالقراءة والكتابة والحلم وقتئذ. عندما عرفت طريقي إلى جريدة المساء. بدأت أحصل على هذا الورق من الصديق العزيز عبد الفتاح الجمل الذي كان يفتح صدره رحبا للجيل كله. وبدأ يمدني بالورق. هذا الورق الدشت المتخلف عن طباعة الصحف أنواع من الخشن والناعم طبقا للمصدر. فنلندي كان أو روسيا. المهم أنه حل لي مشكلة توفير الورق. ثم اعتدت فيما بعد وحتى الآن أن أكتب قصصي عليه لأول مرة. أسميها الكتابة الأولى. حيث يكون الانطلاق أشمل. ويمكن كتابة جملة واحدة. وإذا لم تقع من النفس موقعا حسنا. عندئذ أمزق الورقة و أبدأ في أخرى جديدة. يشجعني طبعا وفرته. في كل زيارة إلى عبد الفتاح الجمل كنت أطلب (شوية) ورق فيسحب من الدرج (رزمة) .. ويقول لي (خذ) .. وأعود إلى البيت لأضم الورق الجديد إلى القديم وأنظر إليه في راحة . وكلما تزايد مخزونه كلما شعرت بالاطمئنان والاستقرار . وهذا رأيي حتى الآن. في عام ثلاثة وستين وتسعمائة ألف التحقت بالعمل رساما ومصمما للسجاد بمؤسسة التعاون الإنتاجي . وتعرفت على أنواع جديدة من الورق. ورق أبيض. ومسطر. ورق ستين جرام. وآخر سبعين جرام. ورق خفيف شفاف أسمه ورق (رز) وكان مخصصا لكتابة صور الخطابات على الآلة الكاتبة. أما الورق الأزرق السميك الناعم. والمسمى بـ (آزوريه) فمخصص للخطابات الرسمية الصادرة عن مكتب رئيس مجلس الإدارة إلى الوزير أو العكس. الورق الآزوريه لاستعمال المستويات العليا من البيروقراطية فقط. ولذلك كانت دهشتي شديدة عندما التحقت بأخبار اليوم ورأيت الخطابات المتبادلة مع الإدارة تكتب على ورق دشت من أوراق الصحف. وفوق هذا الورق المتواضع رأيت توقيعات موسى صبري ومصطفى أمين وسعيد سنبل وجلال دويدار والمدير العام. في التعاون الإنتاجي تعرفت إلى زميل موظف يعمل على الآلة الكاتبة. بدأت أتعامل معه. يكتب لي مسوداته النهائية من قصص مقابل أجر زهيد. وقد أنقذ هذا الزميل مخطوطة رواية لي كانت ستفقد إلى الأبد لولا أنني سلمتها إليه قبل الاعتقال الذي فقدت بسببه روايتين. ولهذا تفصيله فيما بعد. بدأت أحصل من زميلي على ورق أبيض مسطر. ناعم. وكما كنت أفعل مع عبد الفتاح الجمل. يوما بعد يوم أعود إلى البيت ومعي مجموعة من الورق. وكان والدي رحمه الله يحضر إلي ورقاً من زملائه بوزارة الزراعة. ومرة أتى إلي برزمة كاملة من الورق المسطر مغلفة بورق بني اللون. كنت أدخر الورق. وكلما تزايد مخزوني منه اطمأنت نفسي . وهذا دأبي حتى الآن. في بداية عام ستة وستين كانت ثروتي خمس رزم كاملة من الورق الأبيض المسطر. ورزمتين من ورق الرز الخفيف. وثامنة ورق أبيض. وكمية أخرى فرط حوالي نصف رزمة. وكمية من ورق الدشت. والأخير مصدره عبد الفتاح الجمل. كان لدي مخزون استراتيجي يوفر لي الإحساس بالأمن الورقي. وكان باستطاعتي أن أكتب بدون خوف من نفاد الورق قبل إتمام القصة أو المقال. باختصار كنت ماضيا. مطمئنا. إلى أن حدث ليلة التاسع من أكتوبر عام ستة وستين ما كدر علي صفوي. وأورث عندي حسرات. في تلك الليلة داهمنا زائر الفجر. باختصار اعتقلت. وكانت المضبوطات كمية كبيرة من كتب ادخرت ثمنها من قوتي. وكافة ما ادخرته من ورق. كان الضابط يتفحص الرزمة بعناية. يتحسسها ويقلبها. وعندما أدركت أنه سوف يأخذها قلت له أن هذا ورق كتابة. ماذا يعني مصادرته؟ نظر إلي مضيقا عينيه. وقال باختصار ذي مغزى: طباعة المنشورات. قلت مجادلا: ولكن هذا الورق لا يتشرب الحبر قال ساخرا: وكمان عارف في هذه الليلة فقدت أصول قصصي الأولى . وروايتين مخطوطتين عدا ثالثة كنت دفعت فيها للكتابة على الآلة. كما فقدت كافة الصور الملتقطة لي من قبل حتى تلك الليلة. عدا صورة صغيرة تحدثت عنها في هذه اليوميات من قبل. سجنت في القلعة. و مررت بظروف عاتية. والغريب أنني في الليالي التي كنت أواجه فيها آلة القمع الرهيبة وحيدا. منفردا. كنت أذكر الورق المصادر. فأكاد أبكي حزنا وحسرة. أحزن عليه بنفس القدر الذي أحزن على مخطوطات قصصي. وأوراقي ورسائلي. وكأنني أتحسر على ما يمكن كتابته مستقبلا على سطوره. وأذكر أنني في إحدى الليالي التي استيقظت على حلم كابوسي رأيت فيه رزمة الورق الأبيض التي فقدتها. تماما بنفس الوضع الذي كانت عليه داخل الصوان. وكنت في الحلم أصرخ محاولا دفع البعض الذين يحاولون مصادرتها أو المساس بها. غير أن صراخي لم ينتج عنه إلا يقظتي عاثر الأنفاس. متهدجا. وعندي حزن هائل على الورق الضائع. الكتابة الأولى على الورق الدشت الثانية على الورق المسطر الحمد لله.. عندي الآن ما يكفيني من النوعين. وعندي دفاتر تحوي ورقا مصقولا لامعا ينزلق عليه القلم في يسر وراحة. ورق من فرنسا وآخر من إيطاليا. ولكنني لا أستخدمه مخافة أن أعتاد عليه. من أين أوفره؟ أضع هذا الورق جانبا. لا أكتب عليه إلا رسائلي الخاصة إلى الأصدقاء والأحباء. الآن .. يمكن القول ان الورق كان بجميع أنواعه. الدشت والأبيض والمسطر. لا أحتاج إلى مزيد من الورق. إنما أحتاج إلى وقت. إلى زمن كاف لأكتب ما أريد أن أكتبه على هذا الورق.