وصلت الى دمشق يوم الاثنين الثاني من اغسطس الجاري لالقاء محاضرة في اللاذقية ضمن انشطة مهرجان المحبة. هممت بمخاطبة ابي علي (عبدالوهاب البياتي) في الهاتف ولكنني قلت لنفسي : لابد انه سبق الى اللاذقية, والافضل الانتظار الى ان اراه هناك, فقد ابلغني منذ ايام ان القائمين على مهرجان المحبة يلحون عليه في الاشتراك وانه حاول الاعتذار بسبب ضعف صحته ولكنه قبل المشاركة في النهاية تحت ضغط الحاحهم, وقضيت الليلة في دمشق التي لم اكن اعرف ان البياتي يودع فيها حياتنا الفانية, وحملتني السيارة في صباح الثلاثاء الثالث من اغسطس الى اللاذقية التي وصلت اليها بعد ساعات. وما ان خرجت من السيارة وكانت الساعة جاوزت الثانية بعد الظهر حتى لاحظت الحزن على اوجه من يستقبلونني وقبل ان اسأل قالوا لي: البقية في حياتك, ابوعلي توفي في دمشق منذ ساعات. قلت بلا وعي: ولكنني حسبت انه في اللاذقية لحضور حفل الافتتاح الذي فاتني قالوا لي في وجوم انه طلب تأجيل مقدمه الى اليوم السابق على الامسية التي كان من المقرر ان يلقي فيها شعره وانه توفي في صباح اليوم وان الاجراءات تتخذ لتنفيذ وصيته الاخيرة بان يدفن قرب قبر محيي الدين بن عربي في دمشق. ودخلت الى ردهة الفندق بعد ان تركنا من يتولون ترتيب امور العودة الى دمشق وبقي معي بعض الاصدقاء الذين اخذوا يتحدثون عن ابي علي بصيغة الماضي بعد ان كنا نتحدث عنه بصيغتي الحاضر والمستقبل. واخذ الجميع دون وعي يتحدثون عن انجازاته ومكانته واهميته ولاحظت على الفور ان عبارات النميمة اختفت من السنة الشعراء واستبدل حضور الموت بمشاعر المنافسة مشاعر الفقد التي تستصفي عنصر القيمة في الانسان. وتحدث المغتربون في اوطانهم والمنفيون منها عن موقف سوريا التي احتضنت البياتي كما احتضنت قبله الجواهري وعن تكريمه الذي اتخذ شكل الرعاية الكاملة التي تضمنت منحه منزلا خاصا وراتبا استثنائيا رسميا لا يحصل عليه الا رئيس الوزراء في سوريا فضلا عن سيارة وسائق... الخ. وعرج الحديث على مناقب البياتي الذي اخذ كل واحد يستدعي ذكرياته معه او ذكرياته عنه كما لو كان التذكر نوعا من المقاومة الانسانية العنيدة للموت ومحاولة انسانية للابقاء على الحضور الحي للشاعر الكبير الذي اختطفه الموت دون سابق انذار تاركا اصدقاءه والعارفين بشعره على امتداد العالم كله يعانون مرارة الوعي بالخسارة الناجمة عن غياب ركن ركين من اركان الشعر العربي المعاصر. اما انا فقد استغرقتني ذكرياتي مع البياتي الذي عرفته عن قرب سنة 1983 وكان ذلك بمناسبة انعقاد مهرجان الابداع الاول في القاهرة وقد حضر البياتي مع مجموعة كبيرة من الشعراء والنقاد الذين سرعان ما تحولوا الى اصدقاء وقد تحلقنا حول البياتي مجموعة من النقاد الذين حاولوا ان يؤسسوا في مجلة (فصول) افقا واعدا للنقد الادبي وكان معنا كمال ابوديب ومحمد بنيس وحمادي صمود وعبدالسلام المسدي وغيرهم من الاصدقاء الاعزاء الذين انسوا بالبياتي وانس بهم فقد وجد فيهم نوعا من الكتابة النقدية الواعدة ووجدوا فيه نموذجا للشعر الذي ينبغي تحليل قصائده في ضوء المناهج المحدثة من بنيوية لغوية وبنيوية توليدية وتفكيكية الى اخر المسميات التي اخذت تغزو النقد الادبي منذ مطلع الثمانينات وتفرض حضورها على الجميع. واذكر اننا ذهبنا في رحلة الى الاقصر وانه كان من المقرر اقامة امسية شعرية في معبد ابي سمبل ان لم تخني الذاكرة وحملتنا الطائرة الى الاقصر ومعنا البياتي الذي كان يلازم لويس عوض الذي كانت تربطه به صلة عميقة منذ الخمسينات حيث جاء الى القاهرة لاجئا سياسيا للمرة الاولى وعمل محررا في جريدة (الجمهورية) تحت رعاية عبدالناصر شخصيا وعاد البياتي الى القاهرة لاجئا سياسيا مرة اخرى وظل الى سنة 1964 على وجه التقريب فتوثقت علاقاته بالمثقفين المصريين ومنهم لويس عوض الذي كان يكن له تقديرا عميقا واحتراما بالغا. واذكر اننا تجمعنا حول لويس عوض وعبدالوهاب البياتي في غرفتي بالفندق, وجلسنا نتحاور حول المناهج النقدية الجديدة. وفجأة, دخل علينا شاعر عراقي عرف بانه شاعر صدام حسين, وسلم الرجل وجلس, لكن لم تمض دقائق حتى انتفض لويس عوض, ووقف غاضبا, وامر هذا الشاعر بالخروج من الغرفة, واحسست بحرج بالغ لان الغرفة غرفتي, والشاعر اياه ضيفنا مهما كان موقفه السياسي, فحاولت التدخل, لكن اخانا الشاعر انهى تصاعد الازمة بخروجه من الغرفة دون كلام. وتطلعنا جميعا الى لويس عوض الذي افهمنا حقيقة هذا الشاعر, وانه سوف يكتب تقريرا عن الجلسة لايذاء عبدالوهاب البياتي الذي ظل صامتا, لم يتحرك من موضعه الملاصق للويس عوض, ولم ينطق بكلمة واحدة تعليقا على ما حدث. ولكنني فهمت فيما بعد انه همس في اذن لويس عوض بمجرد ان دخل غريمه السياسي الى الغرفة, شارحا الوضع, وتولى لويس عوض حسم الموقف بطريقته الدرامية التي تقبلناها احتراما لاستاذيته من ناحية, وتعاطفا مع البياتي الذي كان مغضوبا عليه من ناحية ثانية. وكانت المرة الثالثة التي نعمت فيها بصحبة البياتي في مدريد, حيث ذهبنا مدعوين الى الاشتراك في مؤتمر نظمه المعهد المصري في مدريد بالاشتراك مع جامعة غرناطة, وكان صلاح فضل مستشارنا الثقافي في اسبانيا ومسؤولا عن المعهد في ذلك الوقت, وكان البياتي لايزال يعيش في منفاه الاسباني, ويكتب عن المدن الاندلسية قصائده التي درسها صديقنا المشترك المستعرب الاسباني بدرو مونتابث الذي قدم الكثير لدراسة الادب العربي الحديث في الجامعات الاسبانية. وفي هذه المرة, تصعلكت مع البياتي في شوارع مدريد, نتحدث عن الشعر والفن والثقافة والسياسة. ولم يخل الامر بالطبع من تعليقات البياتي على الشعراء الذين ظل يشعر انه نقيضهم الفكري, وانه حقق مالم يستطيعوا تحقيقه من الجمع بين الرؤيا الحداثية والرؤيا الثورية. وبقدر ما كنت اختلفت مع ابي علي البياتي في بعض افكاره, او احكامه على الشعراء الذين كنت وما ازال اضعهم في المرتبة الاولى من الرواد, كان الرجل يقابل اختلافي بصدر رحب, ولايضيق به, ويعلم انني لا احب النميمة التي كان يحبها كل الحب, واكره ان يشتم الشعراء واحدهم الآخر, واحسبني احد القلائل الذين لم يشهدوا عنف هجومه على الآخرين او قسوته التي كان يسرف فيها بغير حق في كثير من الاحيان, وقد كنت ـ وما ازال ـ ارجع هذا العنف وتلك القسوة الى المزاج الشخصي الذي اكدت حياة المنافي حدته, ودفعته الى القسوة التي نمارسها عندما يقسو علينا الواقع, كما لو كنا نعيش تراجيديا المقتولين القتلة, ومع ذلك, فقد كافأني البياتي في هذه الرحلة بان اهداني دواوينه الجديدة, وما كتبه عنه المستعربون الاسبان, واطروحة عن شعره , لكن الهدية الباقية كانت صفاء نفسه الذي بلغ ذروته في ليلة صحبنا فيها حسونة المصباحي الذي عرفته في هذه الليلة, واذكر انتقالنا من مكان الى مكان, وانطلاقنا احرارا في شوارع مدريد التي خلت من المارة حتى الصباح, لاهم لنا سوى النقاش حول الشعر الذي وهبه البياتي حياته, واخلص له, فكافأه الشعر على اخلاصه وصبره بان منحه مجموعة من اجمل قصائد الشعر العربي الحديث. والغريب, حقا, انني لا اذكر البياتي الا مغضوبا عليه من سلطة ما في بلده, والاغرب انني لم التق به في العراق الا مرة واحدة, وكان ذلك فيما سمي بمهرجان الامة الشعري, سنة 1984, وكان البياتي قادما من اسبانيا التي نفى اليها تحت مسمى العمل مستشارا بلا استشارة في السفارة العراقية في مدريد, وظل ملتصقا بنا, خائفا من ان يحدث له شيء, ولم يطمئن على نفسه الا بعد ان ترك بغداد, وعاد الى منفاه, ولم اره مرة واحدة بعد ذلك في بغداد, او في اي مدينة عراقية, كانت كل لقاءاتنا خارج العراق الذي عاش البياتي اغلب سنوات ابداعه منفيا عنه, وظل يعاني غربة المنافي الى ان فرض عليه طول النفي قدر الموت في الغربة رحمه الله.