بعد ان سافر الأهل وبقيت هنا لاتمام بعض الأعمال قبل اللحاق بهم, حاولت ان أتجاهل انهم ألقوا على كاهلي مسؤولية تدبر أموري وأحسست للوهلة الأولى بأن نمط حياتي لن يتغير كثيرا لأنني سوف انشغل طوال الوقت ولن أعود إلى البيت إلا للأكل والنوم . ولكن بعد مرور يومين أحسست بثقل المسؤولية, وأدركت بأنه لا مفر من التعامل مع الواقع الصعب, وبدا واضحا ان الجهد الذي كنت ابذله أصبح مضاعفا حيث لم أتعود الاعتماد على نفسي في البيت!! وبينما أنا في طريق عودتي للمنزل تذكرت موقفين من المواقف الطريفة, حيث كنت أسكن في شقة في الخارج مع أحد الاخوان, وهو شخص معروف بأنه طباخ ماهر, ويجيد طهي مختلف أصناف الطعام خاصة أكلاتنا الخليجية, وفي الوقت نفسه فهو متفوق في دراسته (ويحمل الآن شهادة علمية عالية), وفي احدى المرات فاجأنا أخ لنا هناك بدعوة بعض أصدقائه الأجانب لتناول العشاء عندنا بقصد تعريفهم على أكلنا الشرقي, وطلب مني ان أخبر (أخانا) الطباخ الماهر بذلك ليستعد, ولكنه مع الأسف تأخر كثيرا, ومرت الساعات واقترب وقت العشاء, ولم يحضر وبالتالي لم يكن لي بد إلا ان أغامر وأجهز أي شيء للعشاء!! قلت في نفسي هناك مرة أولى لكل شيء, وان لم ابدأ اليوم لن أبدأ أبداً.. ومن ثم وضعت كل ما كان لدينا في المطبخ من دجاج وأرز وخضار وتوابل في القدر وتركت أمره لله. وكانت المفاجأة عندما قدمنا هذه (الملخبطة) مع بعض المأكولات الجاهزة التي كانت لدينا, حيث ان الضيوف لم يكونوا يتذوقون إلا هذه اللخبطة باعتبارها من الأكلات الشرقية اللذيذة مع انها لم تكن لها أي صلة بالشرق!! وكنت متأكداً انهم لو طلبوها مرة أخرى لما عرفت أن أعيدها, وبالطبع كان الضيوف يأكلون ويشيدون بالطباخ, وكلما حاول الاخوان الاشارة إلي باعتباري صاحب الخلطة طلبت منهم الانتظار إلى الغد والدعاء معي ألا تكون هناك مضاعفات!! أما الموقف الثاني الذي جال في خاطري فكان عندما نصح أحد الأطباء صديقا لي باتباع نظام غذائي لفترة قصيرة, فقرر ان يذهب إلى مصحة بقرية صغيرة في احدى الدول الأوروبية. يقول الصديق كان الأمر أصعب مما توقعت إذ كان علي الالتزام بمواعيد محددة للأكل وإذا تأخرت عنها, لا يسعني إلا ان أرضى ببعض الفواكه, وحتى عندما أذهب في المواعيد المذكورة كان ما يقدمونه لي لا يشجع كثيراً على الأكل خاصة أنني أحب أكلنا الطيب وتعودت عليه. هكذا ورغماً عني تحملت الوضع لمدة أسبوعين إلى ان زارني أحد الأصدقاء وعرض علي الذهاب معه للعشاء, عند صديق له من أهل تلك البلدة, قلت في نفسي: فرجت سوف أتناول اليوم وجبة كاملة دسمة, ولم أذهب للغداء ذلك اليوم في المصحة, واكتفيت بالفواكه على ان أعوض ذلك في العزومة المنتظرة على العشاء, وعند وصولنا إلى بيت مضيفنا, استغربت وجوده وحده, وكأنه لم يلب دعوته غيرنا, وكان الرجل يعتذر لنا في كل برهة عن تأخير زوجته التي كانت ستسر بمعرفتنا كثيرا, مع ذلك لم يدخر صاحبنا جهدا حيث قدم لنا كل ما لذ وطاب من المشروبات والعصير والشاي والقهوة.. وأنا عازف عن التقرب منها في انتظار الوليمة التي لم يكن هناك شيء يدل على وجودها!! تأخر الوقت وبدأ صاحبنا يتثائب ويتكلم لنا عن برنامج عمله المزدحم غداً, فقلت لصديقي دعنا نستأذن, لا جدوى من بقائنا هنا, علنا نلحق أي مطعم قبل الاغلاق, وبالفعل خرجنا لنطوف البلدة كلها لكننا لم نجد أي مطعم مفتوح, ولم نكن نسمع إلا عبارة.. آسفين الوقت متأخر. قلت له: دعنا على الأقل نذهب إلى المصحة لعلنا نجد هناك بعض الفاكهة, ولكن حتى مطعم المصحة قد انتهت خدماته أيضا, وبانفعال قلت لصديقي: لا بارك الله في صديقك, ولا في عزومته, وعفت الريجيم إلى الأبد وعجلت بالعودة إلى البلاد.