كلما عانيت لفح الهجير وسطوة الحر القائظ تذكرت حفني بك ناصف.. كان من أساطين اللغة العربية في الربع الأول من هذا القرن العشرين.. أديبا كان من مدرسة الجيل الكلاسيكي الذي نشأ وتربى في ظل نهضة القرن التاسع عشر .. حيث كانت البذور الطيبة التي ألقاها الشيخ رفاعة الطهطاوي قد انبتت وآتت ثمارها.. عمل حفني بك ناصف بالتدريس واشتغل بوضع مناهج اللغة العربية للمدارس الثانوية.. وكان من رواد التعليم في الجامعة المصرية (القديمة) التي تخرج فيها الطالب ـ الأزهري ـ سابقا طه حسين في عام 1914. على أن الصلة الغريبة التي رسختها رسخت في ذهن العبد لله بين حفني ناصف.. الأديب اللغوي الشاعر.. وبين الحر الصيفي اللافح مبعثها أنني قرأت له في بواكير الطلب قصيدة طريفة أنشأها بعد أن فوجئ بقرار قاس ينقله إلى مدينة قنا الواقعة عند انحناءة نهر النيل في صعيد مصر العليا. كانت (قنا) في تلك الأيام.. السنوات العشرون الأولى أو نحوها من القرن الحالي.. بلدة منسية يسودها شظف المعيشة.. ويفرق من الحياة فيها أرباب الوظائف الحكومية ـ الأميرية وخاصة من أهل القاهرة أو الإسكندرية أو ما جاورهما من أقاليم الدلتا في مصر. لم يكن أحد يذكر (قنا) إلا عندما يذكر (سيدي عبد الرحيم) وهو من مشاهير أولياء الله الصالحين المدفونين في ترابها أو يذكر فن الفواخيرية الذي نبغ فيه أهلها.. فن صناعة أواني الشرب أو في الطهي من الطين النيلي العتيق وقد غنى له سيد درويش العبقري أنشودته الجميلة التي طيرت ذكر قنا في الآفاق حين تغزل في ملاحة (القلل القناوي) (بالقاف المضمومة والياء المفتوحة) وهي جرة الماء التي تساعد ـ وهيهات ـ على تبريده وخاصة في ساعات القيظ القنائي أو الصعيدي الرهيب, حفني بك ناصف اغتاظ كثيرا من رئيسه الذي نقله حين بغتة إلى ما يشبه المنفى لافح السخونة في مدينة (قنا) وربما أراد البيك الأديب أن يتماسك وأن يرى للشامتين أنه لريب الدهر لا يتضعضع وبما أراد ألا يترك لرئيسه الخبيث مجالا للتشفي.. وربما أراد أن ينفس بالشعر عن انقباض النفس وقسوة القرار.. المهم أنه كتب قصيدته وافتتح الكلام فيها ببيت يقول فيه لرئيسه انه سعيد بالنقل.. وكلها بلاد الله وسوف يذهب إلى قنا ـ ولا بأس كي يعلم التلاميذ نفس قواعد النحو والصرف والإعراب وعلوم البيان. قرأت القصيدة في سن أقرب إلى الطفولة ولم أعد أذكر إلا مطلعها الذي يقول فيه حفني ناصف مخاطبا وكيل وزارة المعارف العمومية: رقيتني حسا ومعنى فلصنعك الشكر المثنى ثم أذكر من القصيدة بيتا آخر يعبر فيه حفني بك ناصف عن شقاوة الأديب المتضلع ـ لغويا ـ في باب التورية والطباق والجناس وسائر فنون البديع يقول: قالوا (قنا) حر فقلت وهل يرد الحر قنا هاهو يلعب على اسم المدينة الصعيدية ويشاكل بينها وبين تعبير (القن) وهو رقيق الأرض بمعنى أن الاحرار مهما كانت معاناتهم لا يمكن أن ينكصوا على أعقابهم فيصبحوا عبيدا أو إقنانا. والقنانة كانت مؤسسة اجتماعية ـ اقتصادية يشملها نظام الإقطاع الأوروبي.. وخاصة في العصر الوسيط.. حيث كان السيد الشريف أو الوجيه الأمثل ـ الكونت أوالمركيز أو الدوق يشتري الضياع من الأرض المزروعة بما عليها من نبات وما يرعى فيها من حيوان وأيضا بمن عليها من بشرهم (السيرف) ـ الإقنان يعيشون ويتناسلون ويكدحون وكل شئ من قبل ومن بعد لحساب السيد المالك ـ الإقطاعي الذي لا يعرفون سواه وليا للنعم. من أولياء النعم هؤلاء كان النبيل الروسي الكونت نيكولا يقتش الذي ولد عام 1828. في فمه أكثر من ملعقة ذهب. وفي ضياعه مئات العبيد الأقنان لكن الله وهبه قلبا يخفق بالرحمة.. وروحا طيبة تهفو إلى العدل.. وعزيمة ترفض العبودية وتبشر بالمحبة والخير واخوة البشر فكان أن اعتنق اقنان أرضه وتنازل لهم عن حيازتها.. وخرج من هذا كله متصوفا أو شبه متصوف.. إذ كان الحق تبارك وتعالى قد وهبه ما هو أثمن من المال والمادة والمتاع.. وهبه عبقرية الإبداع الروائي ـ فانكب على موهبته الثرية يمتح من منهلها وكتب مجموعة من أعظم الأعمال الأدبية ـ الفنية ومات هذا النبيل الطيب في عام 1810 حيث عثر عليه الناس وقد أخلد في شيخوخته الجليلة إلى مقعد خشبي بسيط في محطة شبه منسية للسكة الحديد.. مات بعد أن كان اسمه قد طار في الآفاق كيف لا.. ومازال الناس يذكرون الأديب الروسي العملاق.. تولستوي صاحب الشوامخ الإبداعية الخالدة وفي مقدمتها روايتا (أنا كارنينا) و(الحرب والسلام) . اكتب هذه السطور وسط حر نيويورك ورطوبتها السخيفة الثقيلة.. حيث الهواء يكاد يكون راكدا لا يتحرك.. واستعيد معها ذكرى أول تجربة لي مع الصيام في رمضان.. وكان من نصيبي أن جاء في قيظ يوليو القاهري. ولا يخفى عليك إن كان ذلك في زمان غابر بعيد يكاد يكون سحيقا من فرط انصرام الأيام حيث لم يكن ثمة مكيفات أو مبردات وحيث كانت المراوح الكهربائية صورا نطالعها في المجلات.. فيما كان اقتناؤها حكرا على قلة قليلة.. بل نادرة من الميسورين من الجيران الذين يعدون على أصابع يد واحدة ليس إلا.. كانت بيوتنا شديدة الحرارة, كم زين لنا خيالنا الطفل أن نخرج إلى الشارع التماسا لانفراج الهواء فإذا بالشارع ألعن وأضل سبيلا.. قالوا للطفل الصائم.. لا بأس عليك يا بطل سوف تشرب وتأكل مع نطقة أذان المغرب يعني الساعة الثامنة وعليك خير.. وكلما اشتد الظمأ بالطفل كاد يتوجه إلى محل البقال أسفل البيت بسؤال يتكرر ربما كل ربع ساعة: الساعة كام يا عم أحمد؟ في المرة الأولى أجاب العم أحمد وهو يستغرب السؤال: الساعة واحدة.. في المرة الثانية أجاب العم أحمد وقد زاد معيار النرفزة فهو بدوره صائم وشهر يوليو شغال بالحمم.. ما حكايتك يا ولد الساعة واحدة ونصف.. في المرة الثالثة طرد الولد من المحل.. فكان أن قبع في ركن من الطريق يحلم وهو يقظان بشربة الماء وأكواب قمر الدين وصينية الكنافة. نفس التجربة خاضتها ابنتي الوحيدة (منى) وربما بشكل أصعب وأشد قسوة.. جاء صيامها الأول وهي في نحو التاسعة من العمر.. في بغداد على سن رمح وفي شهر تموز الفضيل إياه.. وما أدراك بسعير الهجير في بغداد ورغم أن أيام وحيدتنا العزيزة كانت قد شهدت عصر المكيفات والمبردات والثلاجات.. إلا أن كل هذه الأجهزة كانت تتحول في لحظة إلى قطع من الحديد والصاج والبلاستيك الهامدة إذ كانت الكهرباء تنقطع كثيرا في بغداد ومن ثم ينقطع تدفق المياه ولو ساخنة في الصنابير فلا أملك ساعتها إلا أن نرفع أكفنا ضارعة بالدعاء استجلابا لتيار الكهرباء.. فيما نحاول تصبير الطفلة الصائمة بحكايات وأقاصيص علها تستغرق ساعات النهار انتظارا للحظة الغروب.