هل نحن على أبواب عصر استنساخ عقول العلماء والعباقرة؟ هذا هو السؤال الذي ألحّ عليّ وأنا أقرأ ما أكده علماء طب التشريح الكنديون من أنهم قد اكتشفوا ما يمكن أن يكون سر عبقرية العالم الفيزيائي الالماني البرت اينشتاين, وذلك بعد أن قاموا باجراء فحوصات على دماغه المحتفظ به منذ وفاته قبل خمسة وأربعين عاما. وقال هؤلاء العلماء إن الجزء الذي يستخدم في حل المعضلات الرياضية عند اينشتاين أوسع من المألوف عند غيره, كما اكتشف العلماء أيضا أن دماغ اينشتاين ليست فيه الاخاديد المميزة التي توجد في الادمغة العادية, ويرون أن ذلك يمكِّن من الاتصال بخلايا الدماغ بصورة أوثق لتطوير الجزء الذي يستخدم في حل المعضلات الرياضية. ومعروف ان اينشتاين هو صاحب نظرية (النسبية) التي تعتبر أساس الفيزياء المعاصرة, ونال جائزة نوبل عام 1921. أما الجديد والمثير في هذا الاكتشاف فهو امكانية التوصل إلى سر العبقرية التي تميز العلماء والمبدعين في كل المجالات عن غيرهم من سائر البشر, والتي هي دون شك مرتبطة بالدماغ هذا الجهاز الذي توجد به مراكز الحس والحركة والذاكرة والتفكير والكلام أي مادة العقل البشري, وهو الذي يفصل بين أنواع المخلوقات تبعاً لحجمه الذي يبلغ أرقى مستوياته عند الانسان حيث تبلغ النسبة بين وزنه ووزن الجسم 1/45 بينما تبلغ عند الغوريلا أو الشمبانزي ـ التي هي الأقرب إلى الانسان في تشريحها ـ نحو 1/250 ثم تقلّ عن ذلك كثيراً في الحيوانات الأدنى من الانسان والغوريلا. وحتى لا نوغل كثيراً في كلام علمي ثقيل لسنا مهيئين للخوض فيه ننتقل إلى جانب آخر من الموضوع ربما لا يتوافق مع ما بدأنا به الحديث من عبقرية عرف بها هذا العالم الفذ الذي مازالت نظريته تدهش علماء عصرنا لعلنا بذلك نلقي الضوء على جوانب أخرى من شخصيات هؤلاء العباقرة لا تنفصل عن نسيج تكوينهم البشري, فمما يروى عن اينشتاين أنه كان مولعاً بتربية الحيوانات الاليفة, وكانت لديه قطة تمادت في ازعاجه كلما أرادت الدخول أو الخروج من الباب بينما هو مشغول بأبحاثه, فما كان منه إلا أن قام بعمل فتحة صغيرة في أسفل الباب كي تتمكن من الدخول والخروج كلما عنّ لها ذلك دون ازعاج, وبهذه الفكرة العبقرية استطاع التخلص من ازعاجها وحل المشكلة. وبعد فترة ولدت القطة ثلاث قطط صغار, فما كان من العالم الكبير إلا أن قام بعمل ثلاث فتحات صغيرة إلى جانب الفتحة الاولى لتدخل وتخرج منها القطط الصغار هي الاخرى دون ازعاج, وغاب عن عالمنا أنها تستطيع أن تفعل ذلك من خلال الفتحة الاولى دون الحاجة إلى تحويل الباب الى ما يشبه الغربال. ترى, ما الذي يمكن أن نصف به شخصاً غير اينشتاين لو حدث منه ذلك؟ أم أنها العبقرية التي تحيط بأعظم الاشياء وتغفل عن الأمور البسيطة وتغفر لصاحبها مالا يغتفر لغيره؟ ومادام الباب قد انفتح للحديث عن العلماء والعباقرة فلا بأس أن نعرج على نماذج منهم وتصرفات قد لا تصدر عن الناس العاديين, ومواقف وأحداث في حياتهم أدت إلى اكتشافات تركت آثاراً كبيرة في حياة البشر وتاريخ البشرية ربما كان للصدفة دور كبير فيها. ونبدأ بالمهندس والمخترع الاسكتلندي (جيمس وات) الذي كان مريضاً في البيت يعاني من الزكام الشديد وقد أغلق الابواب والنوافذ حتى لا يتعرض لبرودة الرياح التي كانت تعصف في الخارج, وكان ينهض من حين إلى آخر يحاول أن يفهم ما الذي يجعل الهواء يصفر إذا دخل من ثقب الباب وما الذي يجعله يسكت إذا هو سدّ هذا الثقب بأصبعه. وعندما بدأ يحضِّر لنفسه كوباً من الشاي طلباً للدفء أدهشه شيء آخر, فقد وجد براد الشاي الذي يغلي به الماء يهتز ويكاد يقفز من فوق النار, وبينما كان البراد يهتز كان البخار يخرج من الناحية الأخرى, وعندما حاول سد الفتحة التي يخرج منها البخار سقط البراد من فوق النار. مئات وآلاف وملايين الاشخاص مرّوا بنفس الموقف وحدث لهم ما حدث لجيمس وات وهم يحضِّرون لأنفسهم أو لغيرهم اكواباً من الشاي, ولكن أحداً منهم لم يحاول ـ كما فعل وات ـ أن يسخِّر هذا الموقف ليصل إلى اختراع عظيم أحدث ثورة في عالم النقل والمواصلات والصناعة, إنها القاطرة البخارية التي انبثقت فكرتها من براد الشاي لتصل إلى ما وصلت اليه صناعة القطارات اليوم. وقبل أن نغادر اسكتلندا تستوقفنا حكاية أخرى لعالم اسكتلندي شهير آخر كان له فضل اكتشاف ذلك العقار الطبي الذي أحدث ثورة في عالم الطب والجراحة (البنسلين) ذلك هو (السير الكسندر فليمنج) العالم الوحيد الذي اعترف بعظمته الكاتب الساخر (جورج برناردشو) الذي اشتهر بسخريته من الاطباء, وقد اعترف (شو) بأن مقالات فليمنج هي التي أوحت له بقصته المسماة (مشكلة طبيب) . كان من عادة فليمنج أن يبدأ عمله بعد أن يصحو من نومه ويظل يعمل دون أن يتناول شيئاً من الطعام حتى ينبهه أحد إلى ذلك, ولذلك فقد اتفق مع أحد مساعديه إذا جاء الطعام أن يدق له جرساً أو يلقي بورقة من تحت الباب أو أن يضع له الطعام أمام الباب على الارض حتى يصطدم به فيتذكر أنه من الضروري أن يأكل, وكان كل ذلك يذهب سدى, فهو لا يسمع صوت الجرس لشدة اندماجه في العمل, ولا يقرأ الورق, ويتفادى أن يدوس أطباق الطعام دون أن يدرك أن عليه أن يأكل ما فيها, ويمضي في أبحاثه, وكان مساء ذات يوم سبت عندما أعدوا له الطعام ونبهوه إلى أن الأحد اجازة وأنه سوف يبقى وحده, وكعادته لم ينتبه فليمنج إلى الطعام إلا بعد فوات الاوان, وكان أن لاحظ وجود شيء أخضر فيه. كان ذلك هو الفطر أو العفن الاخضر الذي أجرى تجاربه عليه بعد ذلك وقادته هذه التجارب إلى اختراع المضاد الحيوي القاتل للبكتيريا حينما لاحظ أن الجراثيم تبتعد عن هذا الفطر وأنها رغم ابتعادها أصبحت ضعيفة هزيلة كما مات عدد كبير منها, ومن هنا اكتشف تأثير العفن في الجراثيم وأطلق عليه اسم (البنسلين) . أما العالم الالماني (بتنكوفر) فقد تحدى مواطنه العالم الشهير (روبرت كوخ) مكتشف ميكروب الكوليرا وكذّبه مع علماء آخرين إلاّ أن درجة تحدي بتنكوفر جعلته يشرب هو وأحد تلاميذه سائلاً أكد كوخ أنه يحتوي على الميكروب وكان بتنكوفر واثقاً أنه لن يصاب بأي أذى لخلو السائل من الميكروب المزعوم, ولكن هذا التحدي كاد يكلفه حياته فقد أُصيب باعراض الكوليرا وأسعف بالعلاج, أما تلميذه فقد مات وأكد موته صحة اكتشاف كوخ وكانت هذه الحادثة سبباً في انعقاد مؤتمر عام للاطباء كُرِّس لبحث ميكروب الكوليرا ووافق على كل أبحاث كوخ, الامر الذي دفعه الى تسجيل انتصار آخر باكتشافه ميكروب السل, وبذلك أسدى للانسانية أعظم الخدمات. أما اسحاق نيوتن أكبر واشهر علماء الانجليز فقد ولد ضعيفاً هزيلاً لم يستكمل سبعة شهور في بطن أمه حتى ظن الجميع أنه ميت لا محالة ولكن الله أخلف ظنهم فعاش ليظهر نبوغه متأخراً بعد التحاقه بجامعة (كامبردج) حيث كان يتوصل الى حل المسائل الحسابية والهندسية في ثوان بينما يستغرق الآخرون ساعات, ولقد أذهل نبوغه اساتذة الجامعة واتهموه مرة بأنه سرق اسئلة امتحانات علم الميكانيكا فطلب منهم إعداد أي اسئلة يريدونها, وعلى الرغم من صعوبة الاسئلة التي اعدوها فقد اجاب عليها في أقل من ثلاث دقائق فاعتذر له عميد الجامعة واساتذتها واعتبروا عقله ظاهرة شاذة بين العقول البشرية. وأدت تفاحة سقطت فوق رأسه فآلمته الى اكتشافه قوانين الجاذبية الارضية, وجاذبية القمر التي تسبب المد والجزر على الأرض. أما أطرف موقف فهو ذلك الذي تعرضت له (ماري لوران) ابنة عميد جامعة السوربون التي أوقعها الحب في شباك العالم الفرنسي (لويس باستور) فعلى الرغم من حب باستور الشديد لها وفرحته عندما قبل أبوها خطبته وحدد موعداً للزواج فانه نسي موعد عقد القران وبحثوا عن (العريس) يومها فلم يجدوه.. ولكن العروس قالت إنها تعرف مكانه.. إنه ولاشك يجري إحدى تجاربه في معمله حيث يندمج وينسى كل شيء, وبالفعل عثروا عليه في المعمل وذهب الى الحفل بالمعطف الابيض وتم عقد قرانه. ذلك نزر يسير من حكايات العلماء والمخترعين استدعاه اكتشاف الاطباء الكنديين لتركيبة دماغ واحد من علماء الأمس, فهل يفتح هذا الاكتشاف الباب لاخضاع أدمغة علماء اليوم للتشريح والدراسة لمعرفة المزيد من أسرار العبقرية؟ هذا ما يفرضه المنطق وتقتضيه الامانة العلمية.