ابدأ بحكاية انترنتية ولا انتهي, فالحكاية تقول اجتمع امريكي وروسي وياباني وأخذ كل منهم يشيد بالتقنية التي يملكها ويقوم بتطويرها, فقال الروسي أترون قطعة الحديد هذه أستطيع ان أحولها في خمس دقائق فقط إلى كلاشينكوف, ابتسم الأمريكي, وقال وأنا سأحولها في دقيقتين إلى مسدس 9ملم, وأما الياباني فقبض بصمت مطبق دون ان ينبس ببنت شفة على قطعة الحديد محولا إياها إلى رصاص. ورغم ان الياباني لا يملك سحراً أو قدرات خارقة تجعله يأمر الحديد فيطيعه, إلا ان الحكايات المثيرة صورته أكثر من ذلك, فهو يملك علما وارادة وصبرا واحتراما لنفسه وللآخرين, ففي حين شغل العالم من الماء إلى الماء بحروبه, انكفأ اليابانيون بأمر السياسة على أنفسهم فحصدوا اقتصادا قويا اشعل السياسة من جديد. من وراء تلك الحكاية وغيرها كثير أبحث عن المعنى العربي فلا أجد سوى خيبة أمل بدءًا من أيام الاندلس وانتهاء بأيام باراك الحالية ومسارات السلام المتعثرة, والتي ما ان تبدأ حتى تنتهي عنوة إلى باب مسدود. ورغم ان الحكايات والطرائف في شبكة الانترنت كثيرة ولها موقع يدخله المليباري والأمريكي والعربي ويصد عنه الياباني بحكم الانشغال إلا ان أكثرها سبق عرضه وسماعه فلا تكاد تقرأ طرفة إلا وتستنتج نهايتها دون ان تكمل, فالطرفة الانترنتية لا أم لها أو أب فهي معادة الانتاج ومستنسخة آلاف المرات كل حسب ثقافته وفكره ومعتقداته ومن يدقق في بعض الطرائف يجد ان لا لون لها ولا رائحة لأنها تعبر عن طبيعة أجنبية لا تدخل الخصوصية العربية فيها. وهناك طرائف مثيرة بطلها الحيوان وليس الانسان وهي تذكرنا بالطرائف التي تروى عن حمار جحا, فقد استطاع جحا ان يستنطق حماره ويحاوره ويشاكيه ويشكوه, وقد أخذت السلحفاة دوراً بطوليا في الطرائف التي تروى عنها ومثلها الثعلب. وحكايات السلحفاة كثيرة ومثيرة وبالامكان اسقاطها سهواً أو عمدا على الحال المعاش, فالروسي يستطيع ان يعمل من درعها خوذة خوفا من صواريخ (ستينجر 2) التي يملكها ثوار داغستان, والأمريكي سيستنسخ منها آلاف, بل ملايين السلاحف بما فيها سلاحف النينجا, والياباني سيصنع على شاكلتها سلاحف روبوتية, أما الصيني فسيغرق السوق بألعاب رخيصة على هيئة سلاحف, بينما سيتعلق الفلسطيني بذيلها عابرا نحو السلام, ولو استغرقت الرحلة مائة عام, أما الاسرائيلي فسيقلبها على ظهرها حتى لا تكمل رحلتها. وسيعنون الصحافيون العرب على السلحفاة في مانشيتاتهم (مسارات السلام تمشي الهوينا كالسلحفاة) , وسيكتب أحدهم تحليلا بعنوان سلحفاة باراك, ولو كانت الطرفة فرنسية فسنجد احتجاجا شديد اللهجة من صديقة الحيوانات الدائمة (ب.ب), أو بشكل أكثر علانية بارجيت باردو, في الوقت الذي يرى فيه الفرنسي ان تارت السلاحف سيكون طبقا جديدا ومثيرا لمتذوقي اصناف الاطباق الفرنسية, بينما سيجد الايطالي ان بيت السلحفاة الموضوع على ظهرها وتختفي فيه خير وسيلة لرجال المافيا لكي يقوموا بتهريب المخدرات دون ان يضبطهم رجال الأمن والجمارك. وسيرى اليهودي في ذلك الصندوق الحجري مكانا مثاليا لاخفاء النقود وتوفيرها, وسيعتقد التركي ان ذاك الصندوق وسيلة مثالية للاختباء من كوارث الزلازل, ويبدو اننا سنعتقد الكثير وسنقرأ الكثير عن السلحفاة, فسكان الاسكيمو سيجدون في السلحفاة مكانا جميلا للهروب من البرودة, بينما سيعتقد رجال الموساد ومثلهم السي اي ايه ان ظهرها يحمل اسرارا عسكرية, وسيصر علماء الآثار على ان هذه ليست سلحفاة بل قطعة اثرية قديمة من ايام قوم عاد. ويشاع ان امريكي وروسي, تشاحنا واختلفا على سطح القمر فكل واحد منهما يؤكد انه اول من لامس سطح القمر, وبينما هما مختلفان اخرجت السلحفاة رأسها من الصدفة الحجرية قائلة: لا أنت ولا هو, بل انا اول من لامس القمر!! وحتى لا يعتقد بعضكم انني اتكلم في الشؤون الاستراتيجية ابقى مع السلحفاة ولا أتعداها الى الثعلب الذي تنتشر حكاياته وطرائفه عند اخواننا الخواجات, فقد خرجت سلحفاة قبل 40 عاما تحمل مبادرة سلام من امريكا الى الشرق الاوسط ولم تصل حتى الآن, وعندما سئل بيل كلينتون قال ربما صادرها المحقق ستار, وعندما سئلت هيلاري تساءلت: متى خرجت السلحفاة قبل مونيكا ام بعدها؟ اما جورباتشوف فأشار الى انه رآها فتصدع الاتحاد السوفييتي وتفكك وانهار دون رجعة, وعندما سئل الالماني عن السلحفاة التي صادفها قال كانت ملامحها شرق اوسطية. عموما لو اردنا ان نسقط على واقعنا المعاش حكاية السلحفاة فلن تكفينا مجلدات لاننا جميعا نشترك في هموم هذا الواقع, فالسلحفاة قد تتكرر في السياسة والاقتصاد والرياضة وفي الحياة الاجتماعية, ولن تمر علينا قضية دون ان تكون السلحفاة بطلتها أو هكذا سنعتقد.. وقبل ان اختم اشير الى ان ايهود باراك رئيس وزراء اسرائيل مازال ينتظر قدوم السلحفاة التي خرجت ذات يوم قبل 40 عاما ولن تتحرك مسارات السلام الا بقدومها ولأن المنطق الاسرائيلي لن يتغير ابدا, اختم بهذه الطرفة الاسرائيلية. بينما كان حاييم يسير مع عشيقته راشيل خرج عليهما قاطع طريق وقد شهر مسدسه في وجه حاييم وقال: اعطني حافظة نقودك أو اخطف روحك! فاستدار حاييم مشيرا الى عشيقته وقال: هذه روحي.. اخطفها ودع نقودي!