كانت مكالمة مثيرة للدهشة, فقد اتصل بي شخص قال لي: هل من الممكن أن أكلمك في الساعة السادسة؟ .. فلما أجبت بالايجاب أغلق الخط ! وانتابتني حيرة شديدة, وضقت بنفسي لأنني لم أكن أكثر حسا مما كنت .. كان عليّ أن أسأله عن اسمه, ولماذا يريد أن يتحدث إليّ, ولماذا يؤجل هذا الحديث عدة ساعات .. حقا كان صوتا قويا هادئا يجعلك تستجيب له دون نقاش .. ولكن هذا بالضبط ما أثارني, فأنا لا أحب أن يمارس أحد معي لعبة القوة, وأيضا لا أحب التليفون والحديث فيه. وكدت أتعمد ألا أكون موجودا في الساعة السادسة, لولا أنني رأيت أن الأمر كله لا يستحق الاهتمام, وزاد من ذلك أن رقم تليفوني متاح لكل المواطنين وأنني أسمع العجايب فيه.. ولذلك ـ في احدى الحالتين ـ أما أن أرد على التليفون وأسمع هذه العجايب, أو أهرب فلا أتعامل مع التليفون, وأحيانا يحدث هذا شهرا أو أكثر. وفي الساعة السادسة بالضبط عاد الصوت القوي يقول لي انه يعتذر لأنه كان من المفروض أن يتحدث الى الأستاذ أحمد الصباحي وسبق الاسم وتلاه عدة ألقاب ولكن بعض الأمور الهامة شغلته وأنه يطلب مني أن أذهب للقائه. وكنت قد كتبت هنا عن أحمد الصباحي, ولا أظن أحدا مكانه يريد شكري على ما كتبت أو الغناء عليه, ورغم ذلك وافقت على الموعد, وختم المتكلم حديثه بأن الصباحي وقبل ذلك وبعده ألقاب فخيمة يرسل اليّ تحياته. وهذا ما يؤكد لي أنه قرأ المقال, فلم يكن بيني وبينه علاقة تجعله يرسل لي التحية وفي يقيني لولا المقال ما تذكرني ولا عرف اسمي. ودهشت لأن احمد الصباحي رئيس وزعيم حزب (الأمة) قرأ ما كتبته في (البيان) وبالطبع سرني هذا, حتى لو كان الأمر يمثل أزمة لا أدري كيف تحل, فعندما عدت الى ما كتبت وجدت أنني قسوت على الرجل, وأكثر من ذلك لم آخذه مأخذ الجد. وتخيلت بجلسة وفيه بعض المريدين المتحمسين, وكيف من الممكن أن يغضب أحدهم أو بعضهم, وهل من الممكن أن يتحول الغضب الى سكين ينال مني. وفي قمة تخيلاتي دق التليفون لأجد صوت صديقي القديم (ن) وأنا الآن أحدده بهذا الحرف, أشرت له هنا من قبل, فلقد كان صديقا قديما وكان كاتب قصة ورواية, وكان تقدميا وربما كان شيوعيا, ثم مات والده لنعرف أنه كان (شيخ طريقة) , وكان (ن) يخفي عنا ذلك, وكانت أزمة (ن) أنه كان عليه أن يختار بين أن يكون كاتبا يساريا كما هو وبين أن يكون رئيسا لهذه الطريقة بما يمثل ذلك من ثراء ونفوذ, واختار صديقنا الثانية, وارتدى ملابس المتصوفة أو ما يعتقد العامة أنها ملابس المتصوفة, وانقطع عنا, وانقطعنا عنه, الا من محادثة كل عام أو أكثر, وفي غالب الأمر تكون هذه المحادثة شيئا مدهشا. وتخيل صديقا قديما لم تره من سنوات ولم تسمع صوته منذ عام أو عامين وهو يحدثك قائلا: ماذا حدث لفلان؟ هل قرأت قصته اليوم؟ .. هل هذا مستواه؟! هذا هو (ن) الذي انفجر ضاحكا وسألني: هل كلمت الصباحي؟ ألقيت بكل ما لدي بين يديه .. فعرفت منه أنه هو الذي أوصل المقال اليه, ولمته لوما شديدا, وهو يضحك ويخفف من الأمر, واقترح أن يمر عليّ لنذهب معا الى (الزعيم) ! وطمأنني بعض الشيء أن اذهب مع (ن) فهو شخص ضخم يقارب المترين طولا, فضلا عن حارسين غاية في الشراسة رغم الوداعة البادية عليهما, وأكدت على نفسي أن (ن) لا يمكن أن ينسى الصداقة القديمة. وطوال الطريق وأنا أسأل صديقي عن سبب دعوة الصباحي, وهو يطمئنني, ويلمح, أن هناك مفاجأة سارة! وافترقنا جماعة من المريدين الى جلسة الصباحي رحبوا أشد الترحيب بصديقي (ن) وبي بالتبعية! أما الصباحي نفسه فقد قام يحتضن صديقي (ن) ثم احتضنني بحرارة أكبر, وتساءلت هل هذا كرم منه أم أنه يبدأ بالود ثم ينقلب؟ وقال الصباحي انه قرأ مقالي في (البيان) ورغم أن المقال ليس دقيقا ـ هكذا قال ـ الا انه اعجب به وبي, وهو مازال يتحدث, لا يعرف العداوة مع أحد, ولذلك فهو باذن الله سيحولني الى صديق. وتنحنحت, وخرج صوتي واهيا وان كنت قد أحسست ببعض الاطمئنان عندما لم أجد عدوانا مباشراً. وقلت له ان ما كتبته حتى لو كان ليس دقيقا ليس كلاما من قبيل الكلام, بل هو خلاف مبدئي. فأنت قدمت طلبا الى السفارة الاسرائيلية لتحصل على تأشيرة لك ولمن معك, حتى تذهبوا الى اسرائيل وتهنئوا ايهود باراك بفوزه في الانتخابات, وأنا يا سيدي لا أوافق على زيارة اسرائيل ولا تطبيع العلاقات معها, بل أنني قد أكون منتميا الى فكر متطرف .. ففي رأيي ان صراعنا مع اسرائيل ليس صراع سلام أو أرض أو مساومات أو تفاوض, انما هو صراع وجود اما نخسر أو هم, وأنا هكذا قلت لست متعجبا بدليل أنني أتيت لك وصافحتك. وكان الصباحي بنظارته السميكة وطربوشه العجيب ينظر اليّ نظرة الأب الحاني الى طفله الشقي. قال لي يا ولدي أنا أريدك فيما هو أهم, ولن أدع اسرائيل تفسد المودة بيننا (ملعون أبو اسرائيل!) ومن الآن حزب الأمة ضد اسرائيل (علشان خاطرك) , ولقد وضعت كلمة الصباحي بنصها, والتفت الى صديقي (ن) اشهده على ما أسمع, فأشار مؤكدا أنه يسمع, وبعد الجلسة قلت له انني قد أطلب شهادته رغم حرج موقفه اذا أنكر الصباحي ما قال, فتفجر ضاحكا وقال لي: ما بك يا رجل .. لماذا تأخذ الأمور بكل هذا الجد؟! المهم سارت الجلسة سيرا حسنا بعد ذلك, وان كنت لا اعرف سبب دعوته, وفجأة أمسك بيدي وقال اريدك أن تكون مثل هارون! .. وبالطبع لم أفهم, انتابني ـ فقط ـ احساس بالضيق, ومضى وقت قبل أن اعرف أن احمد الصباحي يرى نفسه مثل موسى فهو يريد من هو مثل هارون! واعترف الصباحي أنه حاول مع فلان,ثم فلان, ثم فلان, من كبار الكتاب لكنهم اعتذروا, وهو يطمع أن أكون وزير اعلامه!! والفضول أولا ثم طمأنة صديقي (ن) شجعتني أن أسمع. قال أحمد الصباحي زعيم حزب الأمة: ان الجن يتحكم في حياتنا كما هو واضح في نص كلامه وان السحر له تأثير كبير على العالم, وان كلينتون يستعين بالجن, ويلتسين من كبار السحرة, وشيراك حوله عفاريت يشيرون عليه, وقد آن لنا أن نسيطر على عالم الجن والسحر, ولكن بعض الناس لا يؤمنون بهذه الظواهر الجلية, ولذلك نريد كاتبا لبقا