كل غريب جاهل ولأنني نزلت ديارها القصية عابرا فلا أعرف شيئا عنها ولن ألم من أخبارها حتى بطرف.. لم يدم مكثها في مجال بصري إلا لحيظات مارقات.. لا أعرف اسمها, أو محيطها الذي شبت فيه, لكن حضورها عندي مشع.. باق.. له توقيت معلوم.. لا يحتجب إلا عند فتور الهمة .. وحلول الغم.. ونوء الكود.. رأيتها في سمرقند.. عندما وصلت مع جمع من جنسيات شتى وبلدان قصية.. احتوتني المدينة.. وألممت بآفاقها غير المرئية.. إذ كنت مدججا بما قرأته عنها.. ما عرفته.. ما سمعته من موسيقى نمت إليها.. وأشجار رأيتها في منمنمات قديمة لا عهد لي بها في موطني.. وقباب.. ومداخل.. وزخارف زخرفية.. لون أزرق غالب.. وأصفر مشوب بحمرة.. وخطوط مهيبة في الأعالي.. متضافرة.. متعانقة.. كنت عالما من جهة. جاهلا من جهة أحمل سمرقندي داخلي.. تلك الخاصة بي.. المنبعثة مني.. المتصلة بخططي ودقائق أشواقي.. وما تبثه مخيلتي.. فمن تلك الناحية أعد نفسي عالما مطلعا. ولكن المدينة القائمة في دوائر حسي.. لا أعرف عنها إلا ما يفضي أولا بأول إلي بواسطة الادلاء والمترجمين.. لو ابتعدت قليلا عن النزل الذي آوينا إليه ربما لا يمكنني العودة.. أسمع القوم يتحدثون.. فلا أفقه أقوالهم.. ولا يمكنني فك حرف من تلك الألفاظ الاوزبكية.. من هنا كنت جاهلا. جئتها وحال الصبابة غالب علي.. إذ كان تعلقي ببنية هيفاء في بدايته.. جرى لي معها شأن أخبرت عنه في رسالة لي خصصتها لوصف صبي ومآل وجدي.. ومع أن بداية الأمر تعني شدته واستنفار ما يتعلق به, إلا أن ظهورها طغى مع أن حالي لم يكن بالهين. شارع يمتد في ذاكرتي الآن.. متاجره الصغيرة.. كرات جبن مستديرة رأيت مثلها في بلاد الأكراد.. خضروات وزهور.. ومداخل شاهقة لمساجد بناها تيمور لنك ومن خلفه. قاعة مستطيلة في بناء عتيق.. مرتفع الجدران.. في مثل هذه الأماكن المثقلة بتردد الأنفاس تشحذ همتي ويطول إصغائي إلى الزمن المولي.. الآن وقت تدوين هذا لا يمكنني الاهتداء إلى موقع المبنى.. ولا القاعة.. حتى لو قدر لي الحلول بتلك الديار النائية فلن أجد الحال الذي لقيته عند وصولي الأول. في تلك المدة القصيرة انهارت دول وقامت دول.. بينها البلد الذي تمت إليه تلك البنية.. ترى.. في أي أرض نسعى إذا ما كانت أنفاسها تتردد.. وفي أي بقعة نموت إذا كانت قضيت. ما من إجابة عندي.. غير أنني أعي امتثالي للمكان ولتلك اللحظات الحاوية.. فهو باق عندي.. أرحل به.. وإن صعب وصولي إليه.. وتوفر الإمكانية يرجع إليها هي.. فلم يكن المكان.. ولم يكن الزمان.. إلا إطاراً لظهورها المارق.. لكن لمعانها الشهبي لم يتم بغتة.. إذ أستعيد ذلك الوقت الندي.. ما بعد الظهر.. عندما اجتزنا مدخل المبنى أصفر الطلاء يداخلني يقين أنها في مجال إدراكي.. كنت مدركا بدرجة ما وجودها على مقربة ولم أع ذلك إلا بعد مرور الوقت. بعد ترحيب وكلمات مجاملة دخل عازفان.. أحدهما يمسك كمانا أشرع قوسه ومال عليه.. الثاني أحاط بذراعه آله ضخمة.. ثم دخل ثالث.. اتخذ مجلسه على مسافة قليلة.. وكان منحنيا إلى الأمام يتطلع إلى الناي الخشبي.. بدأ الثاني بتمرير قوس على أوتار آلته التي تشبه التشيللو من ناحية والكونترباس من ناحية أخرى.. آلة ملامحها شرقية.. أناتها وعرة.. شجنها نفاذ.. أنغامها حزينة.. أسيانة. لم تكن تلك الأنغام إلا تمهيداً لظهور هذا المشع الفواح. في لحيظة يصعب تحديدها أو تعيينها أتخذت طريقها إلى فراغ الصالة.. ولا أدري حتى الآن هل دخلت وقدميها ملامستان للأرض.. أم كانت سابحة في المجال؟ ملابسها من ألوان أجنحة الفراش النادرة.. أصابعها مفرودة.. غير متضامة.. متباعدة لكن كل منها له وصفه الخاص.. إشارته المستقلة.. فكأنه إشارة إلى معنى غامض. أحيانا. ألوذ بأماكن معينة.. متقنة.. قائمة منذ زمن طويل.. أتدثر بظلالها وأصدائها.. وأني لمغرم بالقباب.. فبقدر ما تحتويني.. وترمز إلى استدارة الكون.. بقدر ما تطلقني وتعتق ما تبقى عندي.. آويت إلى قبة سيدنا الامام الشافعي المصاغة من الخشب.. قبة قلاوون.. قباب قايتباي وبرقوق.. وسيدنا عمر بن الفارض.. في اسطنبول انتشلتني قبة الجامع الأزرق.. في فاس امتثلت تحت قبة صغيرة.. مضمومة ضامة في جامع القرويين. تلك النوافذ العلوية.. عند حد انتقال البناء من المربع إلى الدائري.. يغطيها زجاج ملون.. معشق في الجبس.. يواجه الجهات الأربع الأصلية والفرعية.. في كل ساعة من أوقات النهار تنفذ الشمس من مربع أصفر أو مثمن أخضر.. أو دائرة زرقاء.. تتخذ الأشعة من بعد سحيق.. من أتون الانفجارات الأبدية واللهيب النووي.. تسلك مسارا.. حدده أولئك الفنانون.. الذين رحلوا بعد أن شيدوا وزخرفوا ورسموا مسارات الضوء. الثالثة بعد الظهر.. إن صيفا أو شتاء.. طال اليوم أو قصر.. في التوقيت عينه تظهر.. رقرقة الضوء الخضراء على العمود الأيمن.. الشمالي درجة من الخضرة لا مثيل لها في الموجودات.. تتضمن سر الماء.. وتوحي برهافة النسمة.. وتشير إلى مصدر البهجة.. وأبدية الأفق.. وصفاء السرائر والتوق القديم. تمتزج الأشعة السارية بالزجاج الملون.. فتعبر كل ساعة فتحة مغايرة تتشكل بلونها.. الثالثة للأخضر.. لتلك البنية السمرقندية.. المصاغة من نطفة الضوء.. من تلاقح الأصفر بالأزرق.. من سر الشفق والفجر وما يأتي به عند الأفق. ظهورها الناعم.. المثير للفرحة.. الجالب للسكينة والأمن.. مرادف لتعلق تلك المساحة من الضوء المترقرق.. إذ يقع بصري عليه أظنه ماء مقطراً.. ذي وهج.. كأنه يؤدي إلى ألوان أخرى كلها كامنة عند حد ما.. شخصت إليها متخذا وضع الرضاع القديم.. تماما كما يأمن الطفل لحظة استقرار الحلمة المنزرعة بين شفتيه وتمكنه مع سريان الدفء الحليبي. لا هي بالطويلة أو القصيرة.. دقيقة الخصر حتى ليظن الرائي أن ما بين نصفها العلوي والسفلي فراغ.. باسمة النظر رغم حزن عينها البادي.. بشرتها نبوءة بتحقيق الوعود القديمة.. تكوينها يبعث إلى الوعي ترتيب الزهور.. وحضور ألوان ما بعد المطر.. يغلب عليها الأخضر.. وعندما يتحول لون النبات الخصب إلى ضوء يصبح سرا مستعصيا على الإدراك.. درجة اخضرارها مستوعبة.. آسرة.. لكن لا مثيل لها.. ولا يمكن تعيينها. تابعت هفهفة ثيابها.. عند دورانها.. عند تمايلها المقتصد.. عند تطلعها إلى حيث لا يمكن التعيين أو الادراك.. إذ تحرك أصابعها إنما تدل على حواف الكون.. وترسل أبلغ الإشارات إلى مناطق في الروح يستحيل تعيينها أو توصيفها.. وإنما أطلق عليها رسائل مجازا.. ذلك أني في مواجهتها غريب.. عابر لديارها.. الخطاب لا يتلقاه إلا المقيم.. من له مقر.. لكي يصل الكتاب لابد من عنوان.. كيف يمكن الاستدلال على العبر.. الراحل دائما من مكان إلى آخر.. ومن لحظة إلى لحظة؟ جرى لي خلال أسفاري أنني عبرت مدنا لا يعرفني فيها إنسان.. لكم بث هذا عندي وحشة.. لم تتواجه عيوننا إلا مقدار لحظة خاطفة.. من ترقرق موجها غمرني التوق.. شب التعلق وأندلع الحنين.. تفتقت بؤرة النزوع التي لا تفنى. هكذا.. جرى ذلك التوحد النادر.. الحاوي للدلالات كلها.. لكنه تم في ظرف غير موات.. ومن أسف أنني جبلت على ردود الفعل البطيئة.. المتمهلة.. عندما تجد طريقها إلى النطق شفاهة أو كتابة يكون ذلك في الفوت. الصرخة التي كان يجب اندلاعها انطلقت مرات ولكن على غير مسمع منها وفي ديار غير ديارها وزمان غير الذي جمعني بها. اشراع الذراعين.. بسط اليدين باتجاهها.. محاولة احتوائها وفنائي عندها تمت.. لكن حيث لا توجد.. حيث لا تمثل إلا في مخيلتي. قيامي.. اتجاهي صوبها جرى.. لكن بعد قطع مسافات.. وانقضاء أوقات وتبدل حالات علي. تساؤلاتي نطقتها: هل أنت المقامات والأنغام ذاتها؟ هل تتصل أوتار الدنيا كلها بجسدك؟ هل تنبع الألحان منك أم من الآلات؟ كل ما أردت طرحه أفضيت به.. لكن في أوان مخالف. ندر هجوعي.. قض أمري بعد عودتي إلى موطني.. كنت أستعيدها يوميا في اللحظة عينها التي اندلعت عندها في مجال بصري وروحي.. وعندما تيقنت الصلة بين الضوء الأخضر وما عاينته منها لزمت القبة عصرا. إذ تحل الساعة السندسية.. وتترقرق الخضرة المذهلة.. الموجعة.. الموحية.. تبدأ حركتها اليومية الموازية لحركة الفلك.. يبدأ البث داخلي فأخف.. وأخف.. أشخص صابرا.. أطيل التحديق.. محاولا استنبات ملامحها.. حركاتها من نطفتها الضوئية إلى أن تحقق ما صبوت إليه ولكن على غير ما تصورت.. أو توقعت.. ذلك أنني أطلت النظر منتظرا نفاذ الأشعة.. وبدء تلألؤ الضوء.. رأيت اللون الأخضر النادر لكن بدا غير مستقر.. يضوي.. أنفصل عن مصدره. تحركت الرقرقة صوبي.. فارقت العمود والأشعة القادمة.. طافت حولي.. وعندما دنت جرى ماء الورد في ريقي.. وأنتفضت مكوناتي.. وذقت لذة لم أعرف مثيلا لها أثناء اتصالي بكافة من عرفت.. وكان لكي يتأجج شوقي للضوء لابد أن يحترق قلبي.