أحسبني تعلمت احترام الخديوي اسماعيل (1830 ـ 1895) والاعجاب به من عشقي القديم للمشي في شوارع وسط القاهرة, حيث المباني التي لا تزال تشير الى هذا الخديوي المفترى عليه , والذي حلم ذات يوم ان يجعل من مدينة القاهرة قطعة من أوروبا, ووصلت به آماله الكبرى في تحديث مصر الى العمل بطريقته على وضعها في صدارة العالم المتمدن وطليعته, ولم تفتر همته طوال فترة حكمه (1863 ـ 1879) عن تنفيذ ما حلم به وما تطلع اليه, فنجح في تحقيق الكثير الذي ما كان ممكنا لولاه. ودليل ذلك ماثل في (الأوبرا) التي خلفها أو حديقة الازبكية التي أمر بتخطيطها, ومسرح الازبكية الذي وجه بإنشائه, ودار الكتب التي تمت في عهده, والشوارع الفسيحة (البوليفارات) التي شقها, واصلا بينها بالميادين والجسور التي عبرت النيل وجمعت مابين ضفتيه, والاحياء الجديدة التي حلت محل الخرابات والمستنقعات, واضيف الى ذلك اضاءة مدينة القاهرة للمرة الاولى في تاريخ المنطقة العربية, وتوصيل مياه الشرب النظيفة الى المنازل للمرة الاولى, وانشاء شبكات الصرف الصحي الاولى, جنبا الى جنب انشاء المدارس الحديثة في مختلف الفنون والمعارف ومنها المدرسة السنية التي كانت المدرسة الاولى لتعليم البنات, وكان تحديث التعليم يمضي جنبا الى جنب تحديث المدينة في سباق محموم, لا يمايز بين انشاء المسرح او المتحف او المعهد العلمي او الحديقة الجميلة او القصور والبنايات التي كانت مثلا يحتذيه الاثرياء في الاحياء التي خططها علي مبارك زميله القديم في البعثة. صحيح ان اسماعيل باشا ارتكب الكثير من الاخطاء السياسية القاتلة, واسرف في الانفاق على نفسه واسرته انفاقا هائلا, ووصل الى حد السفه الشخصي في الاحتفالات التي اقامها بمناسبة ماعرف باسم (زفاف الانجال) . يضاف الى ذلك ما اقترفه من اقصى حالات السفه الوطني, سواء حين امر باقامة جناح لمصر في معرض باريس سنة 1867 وما انفقه شخصيا اثناء افتتاح المعرض او في الاحتفالات التي اقامها بمناسبة افتتاح قناة السويس للملاحة في السابع عشر من نوفمبر سنة 1869. وكانت النتيجة استنزاف موارد الدولة وبعثرة ثرواتها وخراب ميزانيتها, الامر الذي ادى الى اغراق مصر في الديون الاجنبية, ومن ثم الخضوع الى النفوذ الاجنبي الذي وصل الى ذروته بالاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882 في عهد ابنه الخديوي توفيق (1852 ـ 1892) الذي تولى الحكم بعد عزل ابيه سنة 1879 نتيجة تآمر الدول التي اوقعته في فخاخها. كل ذلك صحيح. وقد تحدث عنه باستفاضة المؤرخ الرائد عبدالرحمن الرافعي من وجهة نظر الحزب الوطني الذي انتسب اليه, وبالغت فيه اجهزة اعلام ثورة يوليو 1952 ضمن سياستها التي اوهمت الكثيرين ان ما قبل يوليو 1952 كان زمنا قبيحا من الخراب المطلق والفساد الكامل. وكان من الطبيعي ـ في ظل هذه الايديولوجيا ـ ان تغدو صورة اسماعيل صورة كريهة تجمع السفه والقبح والطمع والفساد الشخصي والغرق في الملذات وبيع الوطن للأجانب, والتضحية بكل شيء من اجل عيني الامبراطورة اوجيني التي قيل انه هام بها حبا. وما ازال اتذكر الافلام المصرية التي امتلأت بمشاهد تؤكد هذه الصورة الكريهة, جنبا الى جنب المسرحيات التي جعلت من الخديوي اسماعيل نموذجا فاسدا تولد منه فساد حفيدة الملك فاروق. وأتصور اننا لم نعرف كذب الكثير من عناصر هذه الصورة الا بعد ان هدأت حماسة البلاغة الايديولوجية للحقبة الناصرية, ودخلنا في زمن الاسئلة التي اخذت تناوش تخييلات الاجهزة الايديولوجية الناصرية عن ازمنة ماقبل يوليو 1952. وشيئا فشيئا اخذنا نكتشف ان صورة اسماعيل الكريهة تخلو من الحقيقة في جوانب كثيرة من ملامحها, وان وراء الملامح الشائهة ملامح جميلة اخفيت عمدا. وأحسب ان المسلسل التلفزيوني الناجح (بوابة الحلواني) الذي كتبه الكاتب القدير محفوظ عبدالرحمن هو علامة من العلامات الدالة على تحول النظرة الابداعية الى زمن الخديوي اسماعيل, ومحاولة اصيلة لانصاف هذا الخديوي المفترى عليه. وما كان محفوظ عبدالرحمن يستطيع الكتابة عن الخديوي اسماعيل بعين الانصاف الا بعد العودة الى كتابات المؤرخين الثقات, وتعلمنا مما كتبه بالدرجة الاولى مؤرخون من طراز الياس الايوبي الذي ترك لنا كتابه الضخم (تاريخ مصر في عهد الخديوي اسماعيل باشا) الذي اصدرته دار الكتب المصرية في مطلع العشرينات من هذا القرن. ولم تكن بداية شكي في الصورة المتوارثة عن زمن الخديوي اسماعيل راجعة الى الكتب في اول الامر, وانما كانت راجعة الى الاسئلة التي خلفتها في نفسي مشاهدة آثار عصر اسماعيل المعمارية, لقد اكتشفت وانا أتجول في شوارع القاهرة العجوز, ان اجمل مبانيها الباقية هي المباني التي انشئت في زمن اسماعيل, كما اكتشفت ان هذه القاهرة لم تعرف المسرح والاوبرا والحديقة ومدرسة البنات ودار الكتب والمتاحف والشوارع الواسعة (البوليفارات) والمواصلات الحديثة وانارة الشوارع والمياه الصحية والاحياء الجديدة والجسور الكبيرة على النيل والميادين التي تتوسطها التماثيل.. الخ إلا في زمن اسماعيل وبتشجيع منه ومتابعة شخصية لم تتوقف عن التشبث بتنفيذ حلم عظيم على ارض واقع متحول تطلع الى تحقيق الاحلام الكبرى. وكانت بداية هذه المعرفة الملاحظات والانطباعات الاولى التي كنت اخرج بها من جولاتي في شوارع وسط القاهرة التي ظللت اعشق السير فيها على الاقدام طوال سنوات الشباب, وكانت هذه الملاحظات والانطباعات تدفعني الى ان اضع كل ما كنت اعرفه عن الخديوي اسماعيل موضع المساءلة بادئا من السؤال البسيط: هل يعقل ان يكون الذي ترك لنا كل ذلك الجمال والجلال من اوجه التحديث والمعمار فاسدا آبقا كارها لوطنه؟ وكان ما امضي فيه من شوارع زمن اسماعيل, وما آراه من ابنيته الباقية يستحثنى على ضرورة ان اعرف حقا زمن اسماعيل الذي لا نعرفه تماما الى اليوم. هكذا, عرفت ان زمن اسماعيل بدأ بحلم ان تصبح مصر متقدمة مثل غيرها من اقطار اوروبا, وان تصبح مدينة القاهرة مدينة تضارع باريس, خصوصا بعد ان رأى اسماعيل ما اصبحت عليه باريس بعد الانجازات المعمارية الهائلة التي قام بها المهندس جورج بوجين هاوسمان (1809 ـ 1891) محافظ باريس, وقد انبهر اسماعيل بما حدث على يدي هاوسمان, خصوصا عندما زار باريس سنة 1867 بمناسبة افتتاح المعرض العالمي, ورأى التحول المعماري الذي احدثه هاوسمان في باريس التي اصبحت تفخر بشوارعها الواسعة (البوليفارات) الجديدة وحدائقها المتسقة وميادينها وشبكات صرفها.. الخ فقابل هاوسمان الذي كان صيته قد ذاع في انحاء اوروبا في ذلك الوقت, وطلب منه ان يضع تخطيطا جديدا لمدينة القاهرة, كما قابل المهندس بيير جران الذي اصبح من كبار مهندسي القاهرة فيما بعد, والمهندس باريللي ديشان الذي انشأ غابة بولونيا في باريس واتفق معه على وضع تخطيط جديد لحديقة الازبكية. وعاد اسماعيل الى القاهرة ليرسل علي مبارك الى باريس, كي يرى ما رآه وهو يكمل دراسته للتخطيط الحديث للمدن, وعاد علي مبارك ليشرف على تنفيذ حلم اسماعيل في اعادة تخطيط مدينة القاهرة بأسرها, استعدادا لافتتاح قناة السويس, وبداية لزمن جديد من التحديث, وتولى علي مبارك في قاهرة اسماعيل مهمة شبيهة بالمهمة التي قام بها هاوسمان في باريس نابليون الثالث, ترك لنا ما كان البداية التي اورثتنا اجمل شوارع مدينة القاهرة واروع مبانيها المعمارية الى اليوم. وكان حلم انشاء قاهرة جديدة تضارع باريس على ضفاف النيل صدى للتحديث الذي لم يخل من رغبات الاتساع (الامتداد) والتطلع الى المزيد من الاستقلال عن الدولة العثمانية: الرجل المريض في اعين الدول الاجنبية, وكما قيل عن رغبة نابليون الثالث الذي اراد لعاصمته باريس, ان تكون تمثيلا مجسدا لقوة امبراطوريته المتسعة, يمكن ان يقال الامر نفسه عن اسماعيل الذي حلم بالاستقلال عن الدولة العثمانية, وتحويل مصر من ولاية تابعة الى دولة كبيرة ناهضة قادرة على الامتداد والاتساع, وكما اتهم المنتقدون نابليون الثالث ومهندسه الاول هاوسمان ومهندسه الثاني شارل جارنييه (الذي صمم اوبرا باريس التي افتتحت سنة 1875) بالاسراف في الانفاق على المباني الامبراطورية الجديدة داخل حلم التوسع والامتداد الامبراطوري فإن الانتقاد نفسه يمكن توجيهه الى الخديوي اسماعيل, ولكن مع التحفظ الذي يقول ان هذا الاسراف قد جعل من باريس اجمل مدينة في عالم القرن التاسع عشر, كما جعل من القاهرة مجلى من مجالي العمارة والتخطيط الباريسي على ضفاف النيل, ومن ثم سبقت اسبق المدن العربية الى التحديث العمراني الشامل. وكان من الطبيعي ان يستعين اسماعيل على انشاء حلمه بالمهندسين الفرنسيين واقرانهم الايطاليين في الوقت نفسه, ولم يكتف بذلك بل انشأ مدرسة الري والعمارة في العباسية وهي المدرسة التي تحولت بعد سنوات عديدة الى كلية الهندسة, وانشأ مدرسة للحرف والصناعات في بولاق لتدريب العمالة الفنية, وكما استقدم المهندس الذي قام بتخطيط غابات بولون لتخطيط حديقة الازبكية, استقدم الكثير من المهندسين الذين اقاموا الابنية له وللطبقة المحيطة به من علية القوم الذي يسيرون على سنة ملوكهم, وترك هؤلاء المهندسون بصماتهم على المباني التي تركوها, كما فعل المهندس الايطالي بيترو افوسكانتي الذي بنى دار الاوبرا المصرية على طراز اوبرا سكالا الايطالية واكمل العمل في ستة اشهر ليلحق حفل افتتاح قناة السويس, وارتبط اسم المهندس الايطالي جيولسيبي كاروزو ومن بعده ابنه بإنشاء دار الآثار المصرية وقصر عابدين وفندق شبرد القديم ومحطة الاطفاء في ميدان العتبة. ولذلك استمد الكثير من ابنية اسماعيل ـ خصوصا تلك التي بناها المهندسون الايطاليون ـ عناصرها المعمارية من جماليات مبانى النهضة الايطالية, وذلك بكل ما تتميز به من اتساع الابها ـ الرخامة ـ والواجهة التي تقوم على الاعمدة التوسكاينة, او الاعمدة الايونية التي تعلوها مثلثات مستطيلة (قوصرات) ولم يخل الذوق الباروكي السائد من عناصر قوطية, ومن محاولات لمزج عناصر معمارية تراثية, تصل بين خصائص العمارة الاسلامية والعمارة الفرعونية في مركبات لا تتخلى عن طابع الفخامة الباروكية. وتناثرت الزخارف النباتية المتناغمة مع الاعمدة الايونية على الافاريز, جنبا الى جنب المقرنصات التي تجاوبت مع التماثيل التي لم يعد واضعوها يأبهون باحتجاج المشايخ التقليديين, وذلك في سبيل تحقيق حلم اسماعيل الذي مس معاصريه بوعوده الغاوية.