دهشة بسيطة أصابتني عندما لاحظت وجود لوحة بمطار جمهورية مالطا كتب عليها بلغة أهل مالطا وبأحرف انجليزية (هروج) وبالطبع أيقنت ان معناها (خروج) وبالفعل وجدت نفسي خارج المطار بعد ان تبعت هذه اللوحة . ولكن تحولت هذه الدهشة البسيطة الى صدمة حقيقية بعد دخول المدينة حيث يشعر أي عربي أنه أمام كلمات يعرفها عز المعرفة ولكن تخرج من أفواه شعب قريب للأوروبيين في شكله وثقافته.. وهذا ما حدث عندما جلست مع صديق لي في أحد مقاهي العاصمة (فاليتا) وعندما جاءت (الجرسونة) بادرت بالطلب وبصفتي سائحا تحدثت بلغة انجليزية وقلت: (ون أورانج ويز آيس, أند ون ويز آوت آيس).. ولكني صدمت عندما كررت الطلب على زميلتها داخل المقهى وهي تقول: (واحيد برتغال بسلج, واحيد بلا سلج).. ضحكت من كل قلبي وندمت اني لم أطلب البرتقال والثلج بلغة عربية!! .. بالفعل شيء مفرح فلغة أهل مالطا تعتمد على العربية في كلمات كثيرة بل ان المفردات العربية تشكل ما نسبته 80% من لغتهم, ولكن مع فارق بسيط جداً في اللكنة وحركة الفم, وهذا الفارق لايكاد يذكر في كثير من الأحيان, هل لكم ان تتخيلوا ان الحريم بلغة أهل مالطا هن (نيسا) أي نساء والكلمة هي (كيلما), والدنيا (دينيا) والعمل (شوغل), والكاتب (كتييب). بل هل تتخيلوا ان ما أكله الدود هو (مسوس) وان العام (سينا) بل أن سنوي معناها (كول سينا) بمعنى كل سنة, والأكثر من ذلك ان أمس تعني بلهجة المالطيين (البيرحة) بمعنى البارحة, واللون الأصفر (إيسفر) بل ان أنت معناها (إنت نفسك) واعتقد انها لاتحتاج الى ترجمة بالعربية, والشاب عندهم (تفيل) وهي تحريف لكلمة (طفل) بالعربية. ولمزيد من الاستغراب فإن الزيادة معناها (زيد) ووراء أو خلف معناها (ورا), ومنتصف النهار تعني (ورا نوفسي نهار) وتعني بعد التعديل بالعربية ما بعد نصف النهار, والوحيد تعني (وهدو) أي وحده, أما اليد فهي (دراء) وعندما نكسر الدال نتبين انها مشتقة من ذراع, أما كلمة النوم فتعني (رقات) وأظن أن المعنى واضح تماماً فهي مأخوذة من الرقاد!! واعتقد انه من الطبيعي جدا ان يبحث كل عربي يزور مالطا عن سر هذه اللهجة وتأثرها باللغة العربية وهذا ما قمنا به حيث اتضح ان مالطا وهي مجموعة جزر صغيرة تقع في قلب البحر الابيض وتبعد حوالي 95 كلم من صقلية و300 كلم من تونس وليبيا الاغلبية الساحقة من سكانها هم خليط من العرب والايطاليين. ويعود تاريخ العرب في مالطا عندما عمل المسلمون على فتحها منذ مطلع القرن التاسع حيث وصلتها كوكبة من الفاتحين المسلمين في عام 828 بقيادة اسد بن الفرات على رأس اسطول كبير جهزه زيادة الله بن الاغلب امير افريقيا لغزو صقلية, وفي 870 تم فتح مالطا نهائيا في عهد الامير محمد الثاني الاغلبي وضمت إلى امارة افريقيا التي كانت آنذاك تشرف على القسم الاكبر من سواحل البحر الابيض المتوسط وشمال افريقيا والاندلس وصقلية, واصبحت مالطا منذ ذلك التاريخ قاعدة متقدمة يستخدمها العرب لحماية اساطيلهم التي كانت تمخر عباب المتوسط ولمهاجمة الاساطيل البيزنطية في عقر دارها ومياهها الاقليمية. وظلت مالطا خاضعة للسلطة العربية أكثر من 200 سنة اي إلى مطلع القرن الحادي عشر حين سقطت في عهد تميم بن المعز الصنهاجي بعدما تمكن الكونت النورماندي روجر في 1090 من احتلالها بعد ان احتل صقلية. وبالرغم من تعاقب قوى عديدة وثقافات مختلفة واجناس متنوعة للسيطرة على هذه الجزر منذ مئات السنين كاليونانيين والفرنسيين والاسبان والبريطانيين الا ان اللغة العربية ظلت صامدة إلى يومنا هذا ومازالت تشكل المصدر الرئيسي لكلمات اهل مالطا. ومع ذلك, وبالرغم من ان التاريخ يثبت صولات وجولات العرب في شمال افريقيا والبحر المتوسط وسيطرتهم التامة على مالطا الا انه من الطريف بل من المضحك جدا ان نسمع من احد الاشخاص المالطيين جملة طريفة حيث قال لنا بعد ان عرف اننا من عرب الخليج, نحن المالطيين لنا فضل على العرب, قلنا له: وما هو قال: معظم الكلمات العربية تعود إلى اصل مالطي, فالعرب اخذوا منا اللغة؟ وبالطبع لم نملك في ذلك الموقف الا ان نضحك على تلك الكلمات بمضض لاننا اعتبرناها نكتة (بايخة) !!