هي أغنية ظلت تلح على الخاطر طيلة الأسابيع القليلة الماضية التي أمضيتها في مدينة نيويورك. اسمها: (كل ده كان ليه) وهي من مقام البياتي الرصين الجميل وقد لحنها وأنشدها محمد عبدالوهاب رحمه الله في عام 1954.. ولها ـ كما قد تعلم ـ تسجيلان.. أولهما هو التسجيل الرسمي ومدته 14 دقيقة وقد سجله عبدالوهاب على اسطوانة وهو تسجيل رسمي لأنه متحفظ كما قد نسميه.. فيه يلتزم المطرب في ادائه بأصول اللحن الموضوع بغير ترديد أو ترجيع أو ارتجال أو تطريب.. لكن عن التسجيل الثاني فلك ان تحدث ولا حرج.. وهو التسجيل الأكثر جمالا والأوسع شيوعا لهذه الأغنية الوهابية الجميلة التي وضع الموسيقار الراحل لحنها على قد صوته وقد اعترته تغييرات فسيولوجية انتزعت منه أوتاره الذهبية الصادحة ومقاماته السخية بالغة الثراء (كما قد تسمعها في أداء عبدالوهاب مثلا لأنشودة يا جارة الوادي طربت وعادني ما يشبه الأحلام من ذكراك) ولكن كان قد بقي لعبدالوهاب وقد جاوز كهولة الخمسين من عمره حين أنشد (كل ده كان ليه) ـ فضلة من صوت عميق, رخيم. وحكاية التسجيل الثاني للأغنية ارتبطت ـ كما يعرف الكثيرون بالسنوات العنيفة من حياة ثورة 23 يوليو في مصر.. وقد قامت على يد شباب الضباط الاحرار الذين لم تكن اعمارهم قد تجاوزت الثلاثين قد تقل أو تزيد عبدالناصر مثلا كان عمره 34 سنة فقط عندما قاد احداث 23 يوليو 1952.. وكذلك كان بقية رفاقه.. والوحيد الذي كان يحوم حول الخمسين من العمر كان اللواء محمد نجيب وقد رشحته هذه السن الناضجة ليكون القائد الذي قامت الثورة باسمه في مجتمع كان شباب الضباط يعرفون انه يوقر السن باعتبارها دالة على النضج والخبرة والتمرس وما الى ذلك لسبيل.. فيما اصبح يعرف باسم قضية سلاح الفرسان الذي كان بين صفوفه ضباط كادوا يشقون عصا الانضباط وكادت تحدث فتنة تصل الى حد الاشتباك المسلح وهو ما كان يخشاه عبدالناصر شخصيا بل ما ظل يخشاه طيلة حياته ـ ان يتحول الأمر الى صراع العسكر وإلى نظام العسكرتاريا القائم على الانقلابات, والانقلابات المضادة على نحو ما ظلت تشهده بلدان أمريكا اللاتينية على وجه الخصوص. لهذا سارع عبدالناصر الى اخماد نيران الفتنة وإلى ارضاء أو استرضاء سلاح الفرسان, وكان طبيعيا ان تكثر الخلافات بل وتحتدم الصراعات بين صفوف هؤلاء النفر المتحمسين من شباب الضباط في مصر.. اعمارهم متقاربة.. والرتب العسكرية التي يحملونها متقاربة.. وكلهم يحدوه أمل الى الأفضل, وهذا الأفضل كان يتصوره البعض مجتمعا أكثر عدلا.. ويتصوره البعض الآخر مركزا أكثر رقيا يبلغ بصاحبه الى مراقي الوزارة أو السفارة في أقل القليل.. وكانوا بشرا في كل حال اشتجرت بينهم عوامل التنافس بل والتحاسد.. واختلطت عندهم الآمال الوطنية بالأطماع الفردية.. وقد تجسد هذا كله ومن ثم فقد صدقت على مصر يومها ـ عام 1954 قولة شوقي في قصيدته الشهيرة: وفي الأرض شر مقاديره لطيف السماء ورحمانها ونجىّ الكنانة من فتنة تمددت النيل نيرنها هكذا احتفل شباب الضباط بالصلح بين الفرقاء وأقاموا لذلك ليلة طرب ساهرة دعوا اليها عبدالناصر ورفاقه.. وربما استعرضوا الفنان الذي أرادوه ان يحيي هذا الحفل الساهر المشهود.. فوقع الاختيار على صاحبنا الموسيقار محمد عبدالوهاب. كان عبدالوهاب قد قرر الامتناع عن الظهور تماما في الحفلات العامة, وانسحب من الغناء أمام الجمهور, وايضا من غنائيات السينما (آخر لقطة سينمائية ظهر فيها كانت في عام 1949 ـ فيلم غزل البنات وأدى فيها انشودته المعروفة باسم عاشق الروح). ولأن عبدالوهاب كان رعديدا يخاف من كل شيء.. من الانفلونزا والطائرة والجراثيم.. وطبعا من السلطة.. أي سلطة. فما بالك بسلطة ضباط شبان أطاحوا بالنظام الملكي بين عشية وضحاها.. فلم يجد المسكين بدا من القبول.. بل ولعله استخدم دبلوماسيته المعهودة قائلا انه كان يتطلع بشغف شديد وشوق مدنف عميق الى فرصة الغناء أمام الحكام الجدد.. ولو كان الغناء في سلاح الفرسان.. وأيا كانت الملابسات فقد كسب الغناء العربي المعاصر طبعة اخرى, صيغة حديثة مبتكرة من أغنية (كل ده كان ليه) .. استغرقت قرابة الساعة وربما أكثر, وربما اندمج من أجلها عبدالوهاب.. خوفا أو طمعا أو بهجة سيّان.. فكان ان أنشد الاغنية بمزاج واستاذية واستطاع ان يستولد من فقرات لحنها الموضوع ابداعات لحنية مبتكرة.. وأضاف إليها بالارتجال المحسوب تصرفات فنية في اللحن والاداء الصوتي أفتنّ فيها الرجل الى درجة مبهرة لدرجة انه نسي معها الناس التسجيل الرسمي الأول الذي كانت تبثه اذاعات القاهرة وظل المستمعون ومعهم أهل الكار وهواة الكار ـ ونحن منهم ـ يطلبون سماع تسجيل الفرسان.. أو تسجيل الحفلة ليعايشوا بمتعة لا تحد كيف ان الفنان الموهوب المطبوع, إذ يلجأ الى مخزون ثقافته الموسيقية ويعتمد على ذاكرته اللحنية الحاشدة بابداعات التراث الذي يحفظه ويتمثله ويعيه يستطيع ان يطور على البديهة , ويرتجل في اطار من الابداع ويستلب اسماع الناس ويخلب ألبابهم فيشيع من حوله بهجة وحبورا هي بهجة الفن في كل حال. ولقد وقفت بك عند المقطع الذي يقول: (قال لي كام كلمة.. يشبهوا النسمة في ليالي الصيف) ولا أكتمك ان ظلت هذه العبارات طيلة أيام يوليو الماضي تراودني وتخايلني وتشاغلني لا بوصفها مقاطع من لحن شجي جميل, ولكن بوصفها استفزازا ما بعده استفزاز. كيف لا.. وقد ناخت نيويورك على أنفاس العبد الفقير بكلكلها.. بصيف قائظ لافح كالسعير.. يبدأ بشمس لا تستحي ولا ترحم وينتهي برطوبة تسد عليك مسالك الانفاس ثم يزيد طينها بلة وضعنا.. فاذا بالكهرباء تنقطع.. في نيويورك شخصيا.. واذا بهدير المكيفات يتوقف.. فتناوشنا الرطوبة واللزوجة والسخونة ويعز جريان المياه في الصنابير اللافحة.. وساعتها ترتسم أمام خاطرك كلمة (صهد) بكل ظلالها ويغيم أمام ناظريك كل شيء.. الشجر والمباني والناس من خلف سديم من بخار الماء اللافح العالق في الجو. تقول لهم: وصلتم الى الاستنساخ.. يا فرحتي ولا تفلحون في اصلاح أعطال الكهرباء.. يقولون لك: أحمد ربنا.. لقد مات في امريكا نحو 200 انسان نتيجة الحر! وتصبر الى غروب الشمس.. وتحاول ان تستقبل ليل نيويورك وربما تفلح في استمالته أو تليين قلبه.. فاذا به أسخن من النهار فلا ورقة شجر تتحرك.. ولا غصن رطيب أو غير رطيب يهتز.. بل ها هي اصوات المذيعين في راديو الترانزيستور المشتغل بالبطاريات (سقيا لأيام البطاريات الخوالي في الرياض بلادنا الطيبة الصبور).. يأتيك صوت المذيع مثل النذير.. سيكون الغد مثل اليوم وربما أفدح وأشد سخانة ولفحا وقال لي كام كلمة.. يشبهوا النسمة.. في ليالي الصيف.. ولا حول ولا قوة الا بالله جاء الصيف وغابت النسمة.. وحل الليل واستشرت الرطوبة.. فما أشد الاستفزاز.