نبدأ في تذكره مثل شخص اسدل ستارة النافذة قبل دقائق من بين اكثر الذين ظلوا يحفرون حضورهم بالاظافر الدامية في المشهد الثقافي العربي في العشرين سنة الاخيرة, يؤثث كينونته بالكتابة والكلام والمعارك كما لو انه غير مرشح للغياب, خالداً ابداً, هو الذي عبر الاساطير من كلكامش حتى سارق النار حتى الشطح الصوفي, وصولاً الى المحاربين غير القابلين للتقاعد, جلس على كرسيه الهزاز يطمئن على مصير الاحفاد, ثم طوى الورقة الاخيرة وذهب في السبات, مسدلاً ستارته على نافذة كانت شبه مواربة لكي نبدأ في تذكره, لئلا ننساه. (2) ترك لنا اسباباً مختلفة, اكثر من الشعر, تحول دون نسيانه, فهو الذي رافق تأسيس المشهد الشعري العربي الحديث وساهم فيه, لا يحتاج مديحاً ولاتقريضاً ولا رثاء ايضاً, الشاعر لا يحتاج لشيء من هذا ما دام شعره قادراً على الحضور عابراً الوقت والمكان واذا كان البياتي قد حقق قدراً واضحاً من الحضور في حضوره, فإن غيابه لا يشكل الا ما يشبه استراحة بين موتين افتراضيين بينهما تكمن الحياة. هو من بين الاساتذة الذين قرأنا لهم ونحن نفك خط الكتابة الشعرية, وتبادلنا نسخاً مخطوطة من كتبهم الاولى, وربما كان الدرس الذي تدربت على تلقيه في بداياتي من تجربة البياتي سوف ينزع دوماً الى البعد السياسي اكثر من اتصاله بالدرس الشعري بوصفه فناً, وتلك ملابسات يمكن لتجربة جيلنا النضالية ان تفسره, فقد كنا نرى في كتابة البياتي ما يلبي ذلك الاستحواذ المبكر للتعبير الحماسي المتمرد الذي استغرقنا, حيث الاعداد بالنسبة لنا (ايا كان صنفهم وطبيعتهم) لا بد ان يكونوا مرشحين للقتل, لنجعل من (جماجمهم منافض للسجائر) حسب اقتراح البياتي في احدى قصائده لا اعرف حقيقة كيف للشاعر ان يفرط في وحشيته ويؤمن بمثل هذه الصور طريقة للتعبير عن نضاله وشجاعته غير ان تجربة جيلنا مع البياتي لم تتوقف (لحسن الحظ) عند تلك السياقات خصوصاً بعد أن استدرك البياتي نفسه (بعد ان اوشك على اللهث وراء تبلور الرؤى الشعرية) وذهب الى محاكمة تجربته والانتقال بها من الشعار السياسي الى العناصر الحديثة من الكتابة الشعرية, مجرباً توظيف اقنعة الاساطير وصولاً الى التراث الصوفي الذي وجد فيه البديل الموضوعي لكل تلك المبالغات الفارطة في التعبير عن المواقف. (3) مع البياتي (في سنواته الاخيرة التي تضاهي العشرين) انت مطالب لان تتميز بالصبر على امرين: الامر الاول قدرته الفذة على استعادة تجربته المنجزة في صيغ مختلفة لن تعثر فيها (بسهولة) على ما يمكن وصفه بالرؤى الجديدة شعرياً, وهذه طبيعة لم تكن صعبة الكشف من قبل الناقد والقارئ الحصيف, ولعل ارتخاء الفعاليات النقدية العربية الجديدة, وتشبث النقد التقليدي بالتجربة السابقة تحصناً ضد المتغيرات الشعرية الجديدة, جعل من تجارب مثل تجربة البياتي بعيدة عن الفحص النقدي الذي يكشف تلك الاستعدادات نادرة الجدة والاضافة قياساً لمنجزها السابق ومن المحتمل ان لا يرى الكثيرون في تلك الاستعادة مثلبة في سياق تجربة مكرسة وشهيرة مثل تجربة البياتي مثلما لا ينبغي الافتراض ان جيلاً كاملاً يتوجب عليه ان يعجب بمثل هذا التراكم الكمي الذي يضاعف الهامش الكتابي ويضعف المتن الاصلي الاهم في تجربة الشاعر, من هنا اعتقد ان اهمية تجربة البياتي سوف تتأكد كلما توفرت على الدرس النقدي الذي يضع لها الحدود الابداعية التي تم انجازها بمعزل عن الخضوع لوهم التكريس والتاريخ والانجاز الكمي الذي حققه الشاعر. الامر الثاني الذي يستدعي الصبر مع عبدالوهاب البياتي, يتمثل في شهوة الاستحواذ على الحضور الشخصي والفردي الذي تولع به البياتي في سنواته الاخيرة (التي تضاهي العشرين ايضاً) وهي طبيعة اصبحت بفعل التقادم واحدة من خصائص الشخصية البياتية في المشهد الثقافي العربي, فهو ممن لا يقبل الجلوس في مكان لا يكون فيه الشخصية الاولى, والحق انه يفعل ذلك بجدارة يستحقها لفرط مواهبه التي لا يجاريه فيها احد من الشعراء والادباء العرب قاطبة ـ حسب علمي ـ ولقد كان الجميع يعرف في البياتي هذه الطبيعة ويحترمها, بل ان بعضهم يتيح له تحقيق ذلك برحابة صدر تنم عن تفهم شخصية (ابو علي) وتقدير تاريخه الادبي واذا كنت من ضيقي الصدر عليك ان تبحث لك عن مجلس آخر, ولأبي علي من القدرة الفذة بحيث انه يستطيع ان يدير الحديث طوال ساعات مستعرضاً الشعراء العرب مطلقاً تقديراته وتوصيفاته الشخصية بصراحة تصل غالباً الى حدود التجني والقسوة, دون ان يرف له جفن ولكي لا تفسد عليك سياقك النفسي ولا تتعرض للعطب الثقافي ولا تعتبر بما يقال من احكام, يتوجب عليك ان لا تأخذ اندفاعات أبي علي مأخذ الجد, وكنت اقول للأصدقاء فيما يبدون تذمرهم من اطلاقات البياتي, عليكم ان تعتبروا هذه الظاهرة نوعاً من الفلكلور الذي اصبح يميز المشهد الثقافي العربي في الهزيع الاخير من القرن, حتى انكم سوف تفتقدون هذه الظاهرة الطريفة اذا كف عنها البياتي بالطبع هذا لا يعني اننا كنا نقبل ذلك, غير ان من يعرف ابا علي سوف يعرف جيداً ان ثمة سياقاً لا يخلو من رأي خاص للشاعر ان يعبر عنه بطريقة ما, الا ان الطريقة التي يبالغ بها البياتي جعلت من الامر اقرب الى التجريح منه الى التصريح لولا اننا نرى في البياتي استاذاً يتطلب حضوره قدراً من الرصانة غير انه استطاع بمثل هذه المماحكات والمعارك الصحافية ان يواصل حضوره في المشهد الثقافي بالصورة التي اوشك ان يقصر عن تحقيقها نصه الشعري. (4) في زيارته الاخيرة للبحرين قبل سنوات, احتفت به اسرة الادباء والكتاب في حفل غداء, اتحفنا ابو علي طوال تلك الظيهرة بكل ما لذ وطاب من اطلاقاته المألوفة عن الشعراء العرب حتى انه لم يبق حياً او ميتاً الا ولقنه درساً (لن ننساه) , الامر الذي جعلني امازحه, فيما كنت اترك الطاولة قاصداً المغاسل قائلاً:(ابا علي, ها انا أغيب عنك دقيقة وأعود, فأرجو ان ترحمني في غيابي) فأدرك البياتي اشارتي الناقدة, وضحك مشيراً الى ان وقتك لم يحن بعد لا احد يمكنه ان يفصل البياتي عن طبيعته القتالية, كما لو انه يدافع عن تاريخ كامل من التجربة والكتابة, احفاده الكثيرون لن ينسوه وذهابه المباغت متأرجح في خفة الكائن فيما يموت, لا ينسى, والفراغ الذي تركه سيظل حاضراً دائماً.