البحر.. هذا العالم الزاخر بالخيرات.. المليء بالاسرار.. ارتبط به الانسان منذ بدء الخليقة.. عاش من خيراته.. وخاض غماره راكباً لسفر, أو باحثاً عن صيد يأكله, أو دُرّ يبيعه فيتخذ منه تجارة ومهنة تعتاش منها شعوب وأمم , وتقوم عليها مهن أخرى تتنوع بين صناعة سفن وإنشاء موانىء لاغنى للسفن عنها, وعمليات تموين وتحميل وتفريغ وما إليها. واذا كان اختراع الدولاب أو العجلة قد أحدث نقلة في تاريخ البشرية من حيث تطور وسائل النقل والمواصلات فان البحر كان وسيلة نقل طبيعية متاحة للانسان تدرّج في استخدامها تبعاً لتطوره العقلي الذي صاغه علم الانثروبولوجيا (علم الانسان) بفروعه الثلاثة الطبيعية والاجتماعية والثقافية. فاذا ما علمنا أن المياه تغطي واحداً وسبعين بالمائة من سطح الكرة الارضية بينما تشغل اليابسة التسعة والعشرين بالمائة المتبقية فان ذلك يعطينا مؤشراً عن أهمية البحار التي تشكل النسبة الغالبة من المياه ودورها الهام في حياتنا. ذلك على وجه العموم, اما إذا تحدثنا عن مجتمعاتنا الخليجية ومجتمع الامارات على وجه الخصوص فقد لعب البحر في حياتها دوراً مهما رغم الفكرة السائدة عنها بأنها مجتمعات بدوية مرتبطة بالصحراء, فقد كان البحر نافذة سكان هذه المنطقة على شعوب وبلدان العالم المحيط بهم, واذا كان الدور الذي لعبه البحر من توفير سبل العيش والرزق لهم متمثلاً في الصيد والغوص على اللؤلؤ قد غدا معروفاً, فإن جانباً مهما من دور البحر في حياتهم لم ينل حظه من الاهتمام والكتابة والتوثيق, وهو جانب الرحلات البحرية والملاحة التي ازدهرت لدى سكان الخليج العربي في فترة ما قبل ظهور النفط, حيث جابت سفنهم سواحل الخليج من شماله إلى جنوبه ووصلت سواحل الجزيرة العربية الجنوبية إلى عدن ثم ابحرت الى سواحل افريقيا الشرقية لتصل إلى موانئها المعروفة في مقديشيو ولامو وممباسا ودار السلام وزنجبار وغيرها,و نتيجة لذلك أو ربما كان سبباً من أسبابه ازدهر علما الفلك والرياضيات اللذان نبعت منهما فكرة الملاحة الفلكية ولمع اسم اسد البحار ابن جلفار شهاب الدين أحمد بن ماجد ذلك البحار العربي الذي ارشد قائد الاسطول البرتغالي فاسكو دي جاما في رحلته من مالندي على ساحل افريقيا الشرقية إلى كلكتا في الهند سنة 1498م فهو أحرى بلقب مكتشف طريق الهند كما يقول عنه الزركلي صاحب كتاب الأعلام, وهو الذي يقول عنه برتن الانجليزي إن بحارة عدن سنة 1854 كانوا إذا أرادوا السفر قرأوا الفاتحة للشيخ ماجد مخترع الابرة المغناطيسية صاحب المصنفات والاراجيز والرسائل العديدة في علم البحار والملاحة. ورغم اهتمام عدد غير قليل من الرحالة الاوروبيين بالقيام برحلات داخل الجزيرة العربية من أمثال دوتي ولورانس وستارك ونيبور وبيرترام توماس وويفرد يشيجر إلاّ أنّ رحلاتهم قد اقتصرت على اختراق الصحراء والرمال ومعايشة البدو والتعرف على عاداتهم وتقاليدهم ليسجلوا لنا ذلك بالكلمة غالباً وبالصورة أحيانا. غير أن بحاراً عظيماً من استراليا قد شذّ عن هذه القاعدة في أواخر الثلاثينات من هذا القرن فامتطى ظهر أحد المراكب الكبيرة التي أبحرت من ميناء عدن وطاف مع بحارته معايشاً لهم ساعة بساعة في سواحل الجزيرة العربية الجنوبية ثم قفل عائدا إلى ساحل افريقيا الشرقي ليجوبه كله مرفأ مرفأ الى ان يصل الى زنجبار جنوبا بل ويأبى الا ان يرافق المركب في رحلته الشاقة المخيفة الى دلتا نهر الروفيجي حيث البعوض والملاريا والمخاطر الاخرى ثم يعود مع المركب في رحلة العودة الى ان يدخل الخليج العربي ويصعد فيه الى مسقط والبحرين حتى يلقي مراسيه اخيرا في الكويت مسجلا ذلك احسن تسجيل ومدونا لجميع الاحداث التي صاحبت الرحلة مضيفا عليها انطباعاته عن الاشخاص ووصف المركب وأجزائها وصف الفنان الخبير بل وصف العاشق المتيم بها حبا في كتاب ممتع اطلق عليه (ابناء السندباد .. قصة الملاحة العربية العظيمة في المحيط الهندي) , هذا البحار الاسترالي هو (ألن فلييرز) او الشيخ ماجد كما كان البحارة العرب يدعونه ( ربما تيمنا بابن ماجد). كان ـ كما يقول عنه مترجم ومحقق الكتاب د. نايف خرما ـ آخر الربابنة العظام للمراكب الشراعية الكبيرة التي تجوب المحيطات. وقد امضى الجزء الاكبر من عمره يقود تلك المراكب ويدرسها ويكتب عنها حتى زادت مؤلفاته عن العشرة كتب. لقد كانت تجربة الكاتب في رحلته هذه تجربة عميقة مثيرة غنية بالاحداث مليئة بالانفعالات والاحاسيس ولهذا يمكن ان نعتبر جهده في (أبناء السندباد) جهدا رائدا في مجال الرحلات البحرية ومن ابرزها ان لم يكن ابرزها على الاطلاق. وقد حرص على وصف فنون الملاحة البحرية العربية وصفا تفصيليا دقيقا, على مقارنتها في كثير من الاحيان بفنون الملاحة الغربية التي يتقنها هو, وعلى الاعتراف بان الطريقة التي كان (النوخذة) العربي يتعامل فيها مع مركبه كانت تفعل مالايمكن ان يفعله هو او غيره من القباطنة الاوروبيين بالنسبة لتلك المراكب العربية وبالنسبة للمياه التي كان يجوبها. ولعلنا لانبالغ اذا قلنا (كما يقول مترجم الكتاب) ان دقة الكاتب وحرصه الشديد على التأكد من الاشياء والوقائع سواء المحسوسة والملموسة يرقى الى مرتبة الاثر الوثائقي, وفوق ذلك فان الكتاب لايخلو من نفس قصصي, نفس يدعو الى التشويق ويشد القارىء اليه شدا قويا, فالكاتب يملك القدرة على سرد الاحداث كأنها منظومة في قصة ممتعة يتلو بعضها بضعا كأنها سيناريو فيلم جميل, وكثيرا ما يأخذ بمجامع القلوب والالباب. لقد كان الكاتب بارعا حقا في رسم لوحات ناطقة لكثير من الشخصيات, فكانت في واقعيتها احيانا اكثر صدقا من الحقيقة. كما صور الكاتب الموانىء التي تعج بالحياة وتحدث عن الموانىء الفقيرة المهجورة التي تتبعثر فيها الاشياء وينتشر فيها التسول والمرض واللصوصية, واتى بمعلومات او قل صوراً عن ادق دقائق هذه الموانىء بما فيها ومن فيها, وبصدق كبير كأنه يرسم خريطة نابضة, تفيض ـ على الرغم من الكآبة التي تغلفها في كثير من الاحيان ـ بكثير من الحيوية والجمال. وكما كان البحر مصدر رزق لملايين من البشر فقد كان مصدر الهام لكثير من الكتاب, يأتي على رأسهم الروائي الامريكي ارنست همنجواي الذي كتب رائعته الشهيرة (العجوز والبحر) . ويحمد لاتحاد كتاب وادباء الامارات ان استهل خطته الخاصة بالنشر عند بداية تأسيسه بجمع نماذج من القصة القصيرة للبدايات الاولى والتجارب اللاحقة لستة وعشرين قاصا من الامارات نشرها عام 1986 تحت عنوان (كلنا ... كلنا .. كلنا نحب البحر) . وكما أن للقمر جانبا مضيئا وآخر مظلما فقد ارتبط البحر بواحدة من اكثر الكوارث الانسانية شهرة وهي حادثة غرق السفينة (تايتانيك) ليلة 14/15 ابريل عام 1912, تلك الكارثة التي فقد فيها 1517 من بين ألفي مسافر بعد ان اعتقد الانسان انه قد قهر البحر ببناء تلك المدينة العائمة العملاقة. وكما أن مصائب قوم عند قوم فوائد فقد استثمرت السينما هذه الكارثة من خلال فيلم در على منتجيه الملايين وعلى مخرجه وابطاله ومطربة اغنيته الشهرة والمال, اما البطولة الحقيقية في حياة كثير من الشعوب فستظل للبحر الذي يلهم هدوءه وصفاؤه شعراءنا, ويغرينا بارتياده بينما تظل قلوبنا معلقة باللحظة التي تهب فيها علينا عواصفه وترتفع أمواجه كحال نفوسنا التي هي بحار لم ترتدها سفن بعد او ربما ارتادتها فلم تتقن فن الملاحة فيها فكان مصيرها اسوأ من مصير (تايتانيك) لتظل تحمل في اعماقها شيئا من أسرار البحار تستعصي بها على أمهر الملاحين.