أيقن الكثيرون ممن تابعوا ذاك الزخم الاعلامي المتواصل لكسوف الشمس الذي حدث الاربعاء الماضي بأن الاعلام أصبح صنعة قوية ومؤثرة وان العالم سيجني ثمرات تلك الصناعة إما سلبا أو ايجابا , فالمارد الاعلامي الذي انفلت فجأة دون مقدمات من الفانوس السحري أبى ان يعود له مرة أخرى وفضّل ان يبقى طليقا في فضاء هذا الكون الفسيح معلنا صيحته الشهيرة لمن يريد قائلا: (شبيك لبيك, عبدك بين ايديك) . فقد شهد عقد التسعينات هذا التحول المثير في شكل ومحتوى هذه الصناعة, وبالتحديد منذ حرب الخليج الثانية, عندما أذهلت محطة (سي.ان.ان) الامريكية العالم بنقلها المباشر لأحداث الحرب ثانية بثانية, وكأنها تنقل مباراة في الملاكمة, أو كرة القدم, وبالتالي اختطت نهجا جديدا في كشف أحداث العالم وليس تغطيتها كما يحدث في العالم الثالث, حيث يقوم الاعلام بتغطية الحدث وليس كشفه, حتى ان احدى الصحف العربية عند بداية صدورها حاولت ان تلعب على هذا التناقض المثير في المصطلح, فأشارت في اعلانات ولادتها الأولى قائلة: (الآخرون يغطون الحقيقة ونحن نكشفها) .. قد تتساءلون ماذا حدث؟ والاجابة واضحة وبسيطة ولا شيء من هذا أو ذاك, فالجميع يتجمل, والحقيقة مازالت غائبة, والاعلام العربي حتى الآن يقتات على خبز الآخرين. وحتى لا أدخل في مقدمة انشائية وخطاب قديم, أقف فألتقط أنفاسي في زمن اللهاث المستمر, وأصنع مثلما يصنع الآخرون.. أقبض على (الريموت كونترول) وأبدأ في استعراض فضائيات العالم فماذا أجد؟ انها الصناعة المثيرة التي تحرك العالم وتقوده الى ما تريد: كتّاب, شعراء, ممثلون, سياسيون, اقتصاديون, علماء, صحافيون, اطباء, وغيرهم يصنعهم الاعلام بكل سهولة ويجعلهم بين يوم وليلة أبطالا ونجوما بدءا من امريكا وانتهاء ببنجلاديش. ومثلما تسمرت عيون العالم وهي تراقب أولا بأول زفاف الليدي ديانا, تسمرت بشكل أكثر عمقا وهي تراقب جنازتها وكذلك الحال بالنسبة لجون كنيدي الصغير والراحلين الملك حسين والملك الحسن الثاني وغيرهم من المشاهير والنجوم الذين جمّلهم الاعلام الفضائي وقرّبهم وجعلهم أصدقاء. ولأن هذه الصناعة المتداخلة في نسيج الحياة اليومية, سياسية كانت أم اقتصادية, أصبحت لا توفر أحدا لم تترك الظواهر الطبيعية تمر مرور الكرام, هكذا دون تفاصيل و(زيطة وزمبليطة) كما يقول المصريون, فعلى هذه الصناعة تتكىء صناعات وتنهض اخرى, فالسياحة والتجارة والطب والطيران والفن والموسيقى والتراث وغيرها من الصناعات تقتات على حس الاعلام وتأثيره وقوته. ورغم اقتناع الكثيرون بأن ما يرونه واضحا لا يحتمل التأويل, الا انهم يتجهون عكس اعتقاداتهم لأن الاعلام قال كلمته في هذا الخصوص. ورغم ان رحلة الكسوف الكلي التي حدثت الاربعاء الماضي من المحيط الاطلسي الى خليج البنغال لم تستغرق أكثر من ثلاث ساعات, الا انها في حسابات الاعلام كانت أكثر بكثير من مجرد ظاهرة عابرة, فقد استطاع هذا المارد حمل عواطف الناس ومشاعرهم على كفيه وان يعمل ما يريد بسطوة مطلقة, فالساعات الثلاث كانت مجرد فرجة يغلفها الخوف والقلق والفرح والانتشاء والاشاعات والاساطير والحكايات القديمة. والساعات الثلاث ايضا كانت رحلة اخرى لأولئك الذين يغتنمون الفرص ويحسبونها بكل دقة بثوانيها ودقائقها, وأقصد أولئك الذين يعملون من (الفسيخ شربات) , فقد استطاع التجار أصحاب محلات النظارات من كسب ملايين الدولارات من وراء هذه الظاهرة, وانتعش كذلك بيع الملابس الخفيفة التي تدل على كسوف الشمس, وأصابت الناس حمى تسجيل احداث الظاهرة ثانية بثانية فسرت حمى بيع وشراء كاميرات الفيديو, ولم تصمت الفضائيات أمام هذا المولد, فاستضافت اطباء وفلكيين ومتخصصين لشرح أبعاد كسوف الشمس, فيما شهدت المكتبات اقبالا على الكتب التي تتحدث عن الكسوف سواء كان من الوجهة العلمية أو من خلال الاوراق القديمة, حيث جعل هذا الكسوف ملايين البشر في انحاء العالم يتكهنون ويستعيدون الاساطير القديمة. ورغم ان الكسوف ظاهرة علمية, الا ان ما وراء الظاهرة, ظاهرة جديدة خلقها الاعلام بكل ما يحمله من قوة وتأثير, فلولا هذا المارد الجديد ما كان هناك اهتمام متواصل وكثيف من قبل الناس بالكسوف, أو بأي تفصيلة من تفاصيل الحياة اليومية المعاشة, فقد كنّا ننام ونصحو أمام كثير من الظواهر دون اكتراث أو اهتمام, ولأن الاعلام بتواصله ولهاثه المستمر أصبح صناعة, وجد ان الوقوف أمام كل التفاصيل لغته التي يجب ان ينقلها ويوصلها للعالم مهما كانت درجة الأهمية في هذه التفاصيل. ومن جديد أعود فأمسك بالريموت كنترول وانتقل بخفة مطلقة بين محطات العالم التي ترسم وجهها ولغتها وتفرض صناعتها فرضا وهي تدخل معترك القرن المقبل بسلاح تقنية المعلومات. عموما مرت الظاهرة بسلام ونجح المارد الاعلامي في فرض سيطرته على جميع مناحي الحياة, بدءا من التجارة وانتهاء بالسياسة, حيث تصدر خبر الكسوف نشرات الأخبار ومانشيتات الصحف, ومازال الكثيرون حتى اليوم يتابعون حكاية من هنا وقصة من هناك, بينما يعكف آخرون في نسج حكايات غرائبية يجعلها الاعلام مادة للتداول والنشر. أخيرا.. المارد مازال طليقا, فهل يجرؤ أحد على ادخاله فانوس علاء الدين السحري من جديد؟!