رأيت أحمد الصباحي مرتين. الأولى منذ زمن طويل جدا.. في بيت أحد أصدقائي وكان أحمد الصباحي مع آخرين أذكر أحدهم ونسيت الآخرين كنا مدعوين من والد صديقي على العشاء. والشخص الذي أذكره محاميا نابها صار بعد زمن نقيبا للمحامين . وبلا شك انه كان شيئا مدهشا أن تتركز ذاكرتي على أحمد الصباحي الذي لم يكن فيه ما يلفت النظر سوى طربوشه. وكان الطربوش قد اختفى منذ شهر يوليو 1952 على أنه رمز للملكية وللاستبداد التركي. وبعد فترة فكرت فلم أجد أنه كذلك. ومع ذلك فلقد كان للثورة كل الحق في إلغاء هذا الشيء المضحك. وربما ما جعلني أنتبه إلى أحمد الصباحي حديثه عن الجن والعفاريت. وان كان الآخرون تحدثوا في ذلك ايضا وعندما فتح السادات الباب للسجناء ثم الأحزاب قفز اسم أحمد الصباحي الذي أنشأ حزبا باسم حزب الأمة. ربما كان أكثر الأحزاب وهمية. فليس له أي رصيد في الشارع. ولا نعرف من أعضائه سوى أحمد الصباحي. لكن لابد أن لديه أعضاء أخر لأن القانون يشترط عددا معينا لتكوين الحزب. والشهادة أن الحزب اقل الأحزاب تعرضا للصراعات الداخلية. وأنا لا أريد أن أخرج عن موضوع الصباحي لكنني أشير سريعا إلى الأحزاب الأخرى: حزب الأحرار الذي كان رئيسه مصطفى كامل مراد وتوفي, أعلن أربعة من قادته أنهم الأحق بالرئاسة والأزمة مشتعلة منذ أكثر من عام. والحزب العربي الناصري خرج منه أكثر من انقسام. وحزب الخضر له أمينان.. كل أمين منهما يعمل مستقلا. وحزب مصر الفتاه الذي ورث اسم حزب قديم له تاريخ من الصعب تحديد عدد زعمائه وفي غالب الأمر هم ثلاثة. كل واحد منهم يؤكد أنه الزعيم الأوحد. وهكذا كل الأحزاب ــ وهي غالبا صغيرة جدا ــ مقسمة بين قيادات, كل منها يدعي أنه الزعيم ويتهم الآخرين بكل ما يجده في قائمته من اتهامات. ويرفع القضايا أمام المحاكم. وربما لجأ لإحكام سيطرته إلى الأسلحة البيضاء.. وأحيانا إلى الأسلحة النارية.. وقد يسقط البعض جرحى.. ولا أظن أن أحدا قد استشهد في هذه الصراعات. وفي حدود ما أذكر لم يحدث أي صراع على السلطة في حزب الأمة.. فالصباحي سيطر على الموقف منذ بدأ الحزب حتى الآن. والمرة الثانية التي رأيت فيها أحمد الصباحي كانت أيضا في بيت صديقي نفسه.. ولكن بعد تغيرات تراجيدية في حياته. فلقد كان صديقي أديبا يبشر بالخير. له أفكاره المتنورة.. بل التقدمية جدا أحيانا. وتوفي والده.. وفجأة رأى نفسه على مفترق الطرق. اما أن يشغل نفسه بكتاباته التي يعاني في نشرها مع دخل متواضع جدا.. و إما أن يخلع ملابسه المدنية ويرتدي ملابس المتصوفين ! ويصبح من أصحاب الملايين ليس مرة واحدة فقط.. بل أكثر لأن الفترة كانت فترة انفتاح اقتصادي. والمريدون في (طريقه) من رجال الأعمال الجدد. وأتى لنا صديقنا.. وبكى وهو يسألنا النصيحة. ولقد نصحته أن يكون هو نفسه.. وألا يلتفت إلى أموال تأتي من الدجل. فلما صرنا وحدنا ودهشت لسؤالي مرة أخرى بهذه الطريقة.. وكان في ذلك رأيان.. واحد أعلنه وواحد أخفيه. فقال لي ان هذا ما حدث فعلا. فلقد نصحه الجميع أن يظل كاتبا تقدميا.. وأن يعطي ظهره للثروة القادمة. ولكنهم عندما اختلفوا معه نصحوه أن يحصل على الثروة.. وازدردوا الأدب. وبعد معاناة طويلة اختار صاحبي أن يعمل بالدجل ويلبس عمامة كبيرة ويركب الحصان في (الموالد) ومريدوه يحيطون به مشتعلين بالحماس. واستمر الصديق على علاقته به وعلى عضويته في اتحاد الكتاب وهو أول من يدفع الاشتراك. وعندما قابلت أحمد الصباحي للمرة الثانية حاولت أن أعرف منه همومه السياسية. ولكن إجابات الرجل كانت بعيدة جدا عن المنطق الذي اعرفه. اختلطت بنا السياسة بالمعتقدات الخرافية.. تحمل أحيانا الفكرة ونقيضها. وبدا أنني لن أستطيع أن آخذ الجد.. فأخذت في السخرية.. وهي حالة تنتابني أحيانا. واقترحت على الصباحي أن يكون في برنامجه الدعوة إلى إعادة الملك فؤاد إلى الحكم. والملك فؤاد توفي منذ أكثر من ستين عاما. وعندئذ تدخل صديقي لحماية ضيفه. ولكنه همس لي عند الباب: الرجل كاد أن يوافق فالملك فؤاد يلبس طربوشا!! وما حدث بعد ذلك مما سأحكيه لك الآن ليس مصدره المباشر أحمد الصباحي, المصدر هو صديقي والصحف التي نشرت ما حدث. فلقد تابع أحمد الصباحي الانتخابات الإسرائيلية كما تابعناها جميعا. وكان متحمسا أشد الحماس لباراك. ولا أظن أنه وحده في هذا. فالكثيرون كانوا أكثر حماسا لباراك حتى من الذين انتخبوه. ربما كان الفرق بين الصباحي وهؤلاء المتحمسين أن الصباحي رأى أن الصراع العربي ــ الإسرائيلي قد انتهى بهذه النتيجة. وأننا إذا كنا هزمنا في معظم حروبنا مع إسرائيل.. فإننا في هذه المرة قد انتصرنا أكثر مما انتصرنا في حطين.. حينما أسقطنا نتانياهو الطاغية وأتينا بباراك الصديق الحبيب الحليف. وقرر أحمد الصباحي بصفته رئيس حزب الأمة بلا منازع أن يشارك في أفراح حزب العمل الإسرائيلي. فأخذ معه أعضاء الحزب.. وذهب إلى السفارة الإسرائيلية طالبا التأشيرات اللازمة للسفر. قال صديقي ان الصباحي توهم أنه عندما يصل ــ مع أعضاء حزبه ــ سيقابله السفير ومعه كل أركان السفارة.. ويرحبون بسفره.. ويقدمون له بطاقات سفر درجة أولى.. ويحجزون لهم أجنحة في أفخم الفنادق. لكن ذلك كله لم يحدث وتركوه وصحبه أمام موظف يهودي كالح أخذ يطلب منهم ملء استمارات, والتوقيع على أوراق وتركهم ساعة في غرفة خالية ثم جاء ليطلب منهم برنامج الزيارة. وهذا ما لم يكن جاهزا له الصباحي. فأخذ يقترح ويشاركه أصحابه الاقتراحات: لقاء باراك لتهنئته بنتيجة الانتخابات, زيارة رئيس الجمهورية فمن العيب لقاء رئيس الوزراء دون لقائه, زيارة حائط المبكى, الصلاة في المسجد الأقصى, التسوق على أن يكون على مرحلتين. ثم بعد ذلك السفر إلى غزة. فلما سألهم الموظف الكالح عن سبب سفرهم إلى غزة قال أحمد الصباحي مندهشا: لتهنئة السيد عرفات بنجاح السيد باراك! وبعد أن ملأ الصباحي وأصحابه الاستمارات عادوا إلى بيوتهم ليرتبوا حقائبهم للسفر. وسأله صديقي: ألست متعجلا بعض الشيء يا سيدنا ؟! سخر الصباحي من هذا الرأي. وقال له لقد تحقق السلام بنجاح باراك. فالرجل يريد السلام. وطبعا هو ليس بكذاب.. إذ لماذا يكذب علينا لا سمح الله. دق التليفون في بيت أحمد الصباحي. وابتسم الرجل عندما عرف أن المكالمة من السفارة الإسرائيلية. وتكلم أحدهم وقال إن إسرائيل تعتذر عن قبول زيارة رئيس حزب الأمة وصحبه. ووضع الصباحي سماعة التليفون مصدوما.. وخلع طربوشه.. وهرش رأسه.. وتساءل هل كانت المكالمة من الموظف اليهودي الكالح.. أم أحد غيره؟!