للبدو مجلس شورى يبحثون فيه ما يتعرضهم من قضايا والدي علمني اسرار الابل وولدي الان يفوقني بخبرته، بئر(طي) شرب منها البدو ومواشيهم ومازالت شاهدة على تلك الايام سباقات الهجن انتعشت تجارتها وساهمت في تقارب بدو الخليج حينما ادرك الوالد جمعة بن صبيح والده كان الاخير يقود نوقه بين دبي وسلطنة عمان في رحلات مستمرة عبر البراري والقفار ينقل فيها بضائع التجار من الاقمشة على ظهور جماله ونوقه, وكان سوق (الصبيخة) الذي يقع حالياً خلف مركز نايف مكاناً لتجمع تجار هذه البضائع... كانت القافلة تقطع الطرق الرملية بين التلال والهضاب كل ناقة او جمل يحمل (شوالين) على ظهره وفي ذلك الطقس من الصفاء والهدوء يعبر والد محدثنا مع زمرة رفقائه ذلك الطريق الطويل وتستمر الرحلة لايام عديدة... يقول الوالد بن صبيح: لم يكن الحال في تلك الايام كما هو عليه اليوم, انسان ذلك الزمان كانت تهدده صعوبات كثيرة منها البحث عن الرزق الحلال في وسط صحراء ملغومة بقطاع الطرق وكان الصبي الذي في مثل سني لا يغادر حيه خوفاً عليه من قطاع الطرق والمخاطر التي قد يتعرض لها... لا يتذكر الوالد بن صبيح تواريخ محددة يقول... هذاك الوقت ليس به حسابات... تعلق الوالد بن صبيح بمهنة والده الذي اخذه معه في رحلات برية عديدة وعلمه ركوب الجمال ومعاملتها وتعلم كل تفاصيل حياة هذه الدابة الصبورة على الجوع والعطش... يقول: بدأت اخرج مع والدي في هذه الرحلات وكان بمثابة المدرس لي وكان البدو يعيشون في تجمعات صغيرة برفقة حلالهم من النوق والاغنام... كانت حياة البدو تسودها النخوة والشيم العربية الاصيلة, وكان حي البدو يتصرف ككتلة واحدة فاذا ما ذبح احدهم ذبيحة تجمع اهالي الحي كلهم ليأكلوا منها واذا اصابهم شيء جلس الرجال الى بعضهم البعض ليتدارسوا الامر حتى يصلوا الى قرار جماعي يحدد موقفهم... يقول الوالد جمعة بن صبيح... هذه الامور اختفت هذه الايام ولم يعد الناس ملتفين حول بعضهم البعض كما كان في السابق... لم يرحل الوالد بن صبيح بعيداً عن اراضي الوطن في تلك الفترة ولكنه قطع دروب الصحراء في الوطن, إذ يقول: كنا نصل الى العين في غضون اربع او خمس ايام وكنا نقوم بنقل (الجريات) وتعني هذه الكلمة نقل النساء على ظهور الجمال حينما يرحلن من مكان الى آخر نظير اجر معين... حيث تخرج الاسر عادة في زيارات الى مناطق بعيدة او للمصيف وكان صاحب القافلة ومعاونة ورفقاؤه يؤمنون لهذه الاسر الانتقال بواسطة الجمال الى تلك الاماكن ويبلغ عدد جمال القافلة ما يقارب العشرين جملاً محملة بالنساء والاطفال وكبار السن من الرجال ... ويتابع الوالد بن صبيح كنت صغيرا وكان والدي يعهد إلي ببعض المهمات في هذه الرحلات الطويلة, فكنت اسقي رجال القافلة القهوة واهتم بتغذية واعداد الجمال... مع تطور الاحوال شيئاً فشيئاً وتوفر مجالات عمل اخرى لم يتخل الوالد جمعة بن صبيح عن علاقته بالجمال او كما يحلو له ان يسميها (الحلال) لكنه وجد نفسه ينضم الى قوة ساحل عمان في المعسكر التدريبي الذي اقامه الانجليز في الشارقة وهناك تلقى الوالد جمعة تدريبه العسكري وكان ذلك العمل يدر عليه بعض المال الذي وفر له قدراً من الاستقرار في شبابه... يقول: بعد خمس سنوات من التدريب في ذلك المعسكر لم يروق لي الحال ووجدت ان الراتب الذي اتقاضاه لم يعد يكفيني فانتقلت الى مركز نايف في دبي لاعمل في الحراسات, وكانت اسواق دبي في تلك الايام تخلوا من الانارة وكنا نقوم بدوريات حراسة للاسواق والمحلات... رغم انتقال الوالد بن صبيح للعمل في وظيفة تدر عليه راتبا شهريا الا ان والده استمر في تجارة الابل وكان قبلها قد بدأ في نقل شحنات من (الثمام) وهو نبات بري تتغذى عليه المواشي يتم جمعه من البراري وبيعه في الاسواق الى جانب اهتمامه بتربية الجمال والتي وجدت فيها تجارة جيدة حيث كان الجمل يباع بعشر روبيات وتصل قيمته الى مئتي روبية. يضيف الوالد بن صبيح تمسك البدو بعادة سباقات الهجن منذ زمن طويل وكانوا يقيمونها بين القبائل والاهالي ويشارك فيها ويرعاها بشكل رئيسي الشيوخ الذين دفعوا بهذه الهواية الى التطوير حتى وصلت الى ما هي عليه اليوم... يقول الوالد بن صبيح سباقات الهجن في يومنا هذا تخضع لمواصفات عالمية وهناك اطباء وخبراء يشاركون فيها, وكان في السابق يتنافس البدو ويفتخرون بالجمل الذي يحقق مراتب متقدمة في السباق... طيلة تلك السنوات لم ينقطع الوالد بن صبيح عن تربية الهجن ووجد فيها رأس ماله الذي يستره من عوائد الدهر... يقول: كانت سباقات الهجن في السابق تختلف قليلا عما هي عليه الان... كان الشيوخ يختارون الارض المنبسطة في الصحراء ويضربون خيامهم فيها لاقامة السباق ويتجمع البدو في ذلك المكان وتعم الفرحة والخير بقدوم الشيوخ حيث تذبح الذبائح وتعد الولائم ويصبح مهرجانا بهيجاً يشارك فيه الجميع... ويضيف: لم تكن هناك لجنة تحكيم ولا ميدان خاص للسباق كما هو عليه الان, ولكن كان المتسابقون ينطلقون من نقطة معينة وينتظر الجميع عند نقطة الوصول وكان يجلس نفر منهم وسط الطريق بناقته ليبشر صاحب الناقة الفائزة فيغدق عليه الاخير العطايا والتي كانت تسمى (البشارة) . حينما قررنا مقابلة الوالد جمعة بن صبيح في (عزبته) بمنطقة العوير رافقنا ولده عبيد الى ذلك المكان ومساهمة منه وهو يقطع بي رمال الطريق الى مقر والده في الصحراء مررني على مضمار حديث يتم فيه تدريب جمال السباق وفجأة توقف عند رابية صغيرة واشار إلي ان انزل وهناك قال لي هذه بئر قديمة تسمى بئر (طي) كانت موجودة ومازالت منذ قديم الزمان... وبنظرة فاحصة للبئر التي تمت تغطيتها باغصان الشجر تبين انها بئر عميق حفرت في الصحراء كي يرتوي منها اهل المنطقة... سألنا الوالد جمعة بن صبيح عن هذه البئر وعمرها فقال: نطلق على هذه البئر (طوي طي) ومنذ نشأت وانا ارى هذه البئر وكان البدو يعيشون حولها ويشربون منها ولا استطيع تقدير عمرها وكان يسكن بجانبها رجل يدعى عبيد الحميدي لكن حينما من الله عز وجل على اهل البلاد بالخير حفرت الآبار وركبت عليها المضخات الحديثة فهجر الناس البئر القديمة.. يعود الوالد بن صبيح الى دفتر ذكرياته يقلبه صفحة صفحة ويقول: تنقلت بين منطقة (الذخرة) والمرموم والعوير بحثاً عن المراعي, وكان البدو يرحلون بين فترة واخرى بحثاً عن هذه المراعي يسود بينهم نظام معين لا يحيدون عنه,إذ كانوا يسكنون في بيوت متقاربة لا تتجاوز العشرين بيتا وحينما يكتشف احد رجال الحي مكان اخر لرعي الابل يجلس مع رجال الحي ويتشاورون حول امر الانتقال وحينما يتفقون في مجلسهم الذي يقيمونه بعد صلاة العشاء يعلنون قرار الرحيل ليذهب الجميع الى بيوتهم بانتظار شروق الشمس وبدء الترحال.. ويضيف الوالد بن صبيح: كان للبدو قانونا ومبدأ يحكم تعاملاتهم فإذا ما اصابهم شيء اجتمعوا الى كبار السن عندهم من اصحاب الرأي والمشورة, بل يقيمون اجتماعاً كبيرا ربما ضم رجال كل القبائل المتعارفة ويطرحون الامر للتداول فيما بينهم وحينما يصلون الى قرار يذهبون به الى حاكم البلاد ويطلعونه على ما توصلوا اليه من رأي ويستأنسون منه رأيه ويرضون بما حكم او بما قرر.. هكذا كان مجلسهم الديمقراطي يعالج الامور الجماعية والفردية.. حينما بدأت ملامح البناء والنهضة تبدو على أوجه الحياة مع اكتشافات النفط وانتعاش الحالة الاقتصادية في البلاد واستقرار البدو في مناطق ساهمت الحكومة بشكل كبير في توفيرها استقر الحال بالوالد جمعة بن صبيح كما يقول: اشتريت سيارة بعدما حصلت على الليسن وبدأت في البداية في نقل (نبات الثمام) الى السوق كما نقلت الحطب وبدأت اوفر قوت يومي من عملي على هذه السيارة, ثم تطور الحال وبدأت انقل الركاب والبضائع بين الامارات وكانت لدينا نقطة تجمع لهذه السيارات تسمى (الرباعة) خلف بلدية دبي الان.. ذهب الوالد جمعة بن صبيح الى الحج وكان لهذه الرحلة قصة مازالت محفورة في ذاكرته يقول: حلمت في يوم ما انني ذهبت الى الحج وحينما صحوت من منامي قررت ان أحقق هذا الحلم لم يكن لدي المال الكافي لهذه الرحلة, وحينما اخبرت اصدقائي بحلمي ونيتي قالوا لي انك لا تملك مالاً لتحقيق هذا الحلم.. وشاءت الصدفة في ذلك اليوم ان التقى مع رجل كنت اقوم بتأجير السيارة له بين حين واخر وسألني: هل تبيع السيارة؟ وهنا تذكرت الحلم بعت سيارتي وسلمني نصف المبلغ وذهبت الى السوق لابحث عمن يوصلني الى البيت بعدما بعت سيارتي واذا بالصدفة ايضا تلعب دورها.. قابلني الشيخ محمد بن خليفة بن سعيد آل مكتوم وسألني عن سبب وقوفي فقلت له اني بعت سيارتي واريد الذهاب الى الحج, طلب مني الركوب معه في سيارته واخذني الى مجلس اخواله وهناك حصلت على سيارة جديدة بعدما دفعت الف روبية.. اخذت السيارة وسافرت الى الحج. انتعش حال الوالد جمعة بن صبيح حينما راجت تجارة الجمال التي تؤخذ للسباقات ولانه صاحب خبرة طويلة في هذا المجال فقد بدأ في هذه التجارة, وكلما كان الجمل مهيئاً بشكل جيد للسباق كلما زادت قيمته وهكذا اسس الوالد بن صبيح له ثروة لا بأس بها من الجمال مازال يعمل عليها هو وابناؤه حتى الان.. يقول بدأنا في البيع والاسعار في ارتفاع متواصل بعنا ناقة بمليون درهم واخرى بستمائة وهكذا تحسنت احوالنا ومازلنا نتمسك بتربية الهجن كمصدر رئيسي للرزق كما كانت هكذا في السابق.. يمتلك الوالد بن صبيح الان ما يقارب مائة جمل معدة للسباق ولديه مجموعة كبيرة من العمال تعمل في (عزبته) بمنطقة العوير, كما انه يشرف ايضا على رعاية جمال سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وهو يقضي طوال يومه بينها يراعيها ويغذيها ويشرف على تدريبها.. يقول: لقد وفر اهتمام حكامنا بسباقات الهجن مجالاً واسعاً للبدو لممارسة المهنة التي يحبونها والحمد لله الان اصبحت هذه السباقات تقوم على احدث المواصفات العالمية وهناك رعاية طبية متوفرة لجمال السباقات, كما ساعدت هذه الرياضة على لم شمل قبائل البدو حينما يلتقون سنويا في السباقات المشهورة بل تعدت هذه الظاهرة الى البدو في منطقة دول مجلس التعاون واصبح لنا معارف في قطر والسعودية يشاركوننا في السباقات ونذهب اليهم في سباقاتهم والحمد لله لقد ساهمت هذه الرياضة في لم شمل الجميع بفضل حكمة وسياسة حكامنا.. يداعب الوالد جمعة بن صبيح احدى الجمال الفائزة في السباق مؤخراً متذكراً طفولته والدروس الاولى التي لقنها له ابيه.. يجلس بجانب ولده عبيد ويقول عبيد اصبح الان اكثر خبرة مني في تربية الجمال وتدريبها وهذا يسعدني كثيراً.. دار حديثنا هذا على الرمال الذهبية افترشنا بساطاً بجانب دلة القهوة والرطب الذي قطفها لتوه من نخلته, وحينما انتهينا من الحديث انطلق الوالد جمعة بن صبيح ليأمر احد عماله بضرورة ان يرفع عن الجمال الاغطية حتى تتمتع ببرودة المساء الذي بدأ يسدل الستار على هذه الرحلة الطويلة.. غادرت (عزبة) الوالد بن صبيح وانا احاول تخيل ذلك الفتى الصغير الذي رافق ابيه على ظهر ناقته وتعلم منه دروس الصحراء.. الوالد بن صبيح حينما يقارن الماضي باليوم يركز على علاقة الناس ببعضهم البعض في المناسبات ومازالت كلماته تتردد في اذني. شرح صور: * الوالد جمعة بن صبيح واحد جمال السباق * بئر (طي) مغطاة باغصان الاشجار * البساط الذي جمعنا في حديث الذكريات * امرهم الوالد بن صبيح ان يرفعوا الاغطية عن ظهور الجمال