فبراير الماضي زار البياتي القاهرة لآخر مرة.. وكنت أكاد أوقن أنه يتأهب للعودة إلى الوطن الأكبر.. إلى رحاب الكون الفسيح.. حيث ترتد الفروع إلى أصولها.. وتتصل البدايات بالنهايات..والأمر . تأملت ملامحه فأدركت أنه على أهبة.. كانت أنفاسه قصيرة.. متلاحقة.. تسمع من مسافة.. وكان يدخن السيجارة في إثر الأخرى.. ويحدق إلى بعيد.. إلى نقطة لا يمكن إدراكها.. أعرف تلك النظرة جيدا.. إنها نظرة التأهب والسداد. لا أذكر متى التقيت به.. لكنها الستينات بالتأكيد.. عندما أقام بالقاهرة زمنا.. وكان من رواد مقهى ريش المنتظمين.. وخاصة ندوة الأستاذ نجيب محفوظ.. كانت القاهرة إحدى محطات المنافي العديدة التي تنقل بينها. كنا نقرأ أشعاره ونحفظها ونرددها. كان شاعرا كبيرا أصيلا.. فرع جميل من دوحة الشعر العربي الذي استوعب الأصيل وتجاوزه إلى الجديد.. الجميل.. غير مقترب أو متأثر بدواعي الحداثة المدمرة التي دفعت بالشعر العربي إلى نفق معتم.. فأفقدت الشعر الشعر.. وباعدت ما بين الجمهور وبينه.. كانت هذه القضية شاغلا رئيسيا للبياتي.. ولكل الشعرا ء الكبار الذين صمتوا لفترة طويلة ربما درءا لتهجمات الحداثيين.. وتعاليهم غير المبرر.. وارتفاع أصواتهم عبر ما يشبه التنظيم المتقن الذي ألحق بالغ الأذى بالشعر العربي.. لذلك لم أعجب عندما هاجمه بعض من هؤلاء قبل مواراة جثمانه الثرى بتشف غريب في الموت.. وبما يخالف ويتنافر حتى مع القيم الإنسانية عامة والعربية خاصة ويكفي أن يتساءل الإنسان.. أين كان هؤلاء في حياته؟ كان البياتي ساخرا عظيما.. ولو جمعت أوصافه للبعض.. وتعليقاته الثاقبة التي فاض بها في مجالسه قدرا.. إلا أنها تفيض بمرارة دفينة.. ولعل مصدر هذا الحزن الفائر في عينيه.. تلك الأحزان العامة والخاصة التي عصفت به.. وجعلت من حياته سلسلة من المنافي المستمرة.. وفي حوار بيننا سألته عن مكتبته الخاصة.. وراح يقص علي علاقته بكتبه. وكيف أنه ما إن يشرع في تكوين مكتبة حتى تنشأ ظروف تجبره على مفارقتها. وأنني لا أعرف معنى علاقة المبدع بمكتبته.. ومقدار الألم الناتج عن فراقها قسرا. لكم تألمت وهو يقص علينا اضطراره إلى دفن بعض نوادر كتبه في حديقة بيته البغدادي قبل خروجه الأخير منها. لم يكن البياتي يعيش في ثراء.. كان مستورا كما نقول في مصر. وعندما حصل على جائزة العويسي منذ سنوات قريبة.. أنشأ جائزة من ماله الخاص للشباب. كم أتمنى أن يعمل محبوه على استمرارها وتحويلها إلى هيئة دائمة. من منفى إلى منفى.. ومن مكان إلى أخر.. وعندما دعاه الدكتور عز الدين إسماعيل إلى بيته في زيارته الأخيرة للقاهرة. وفي صالة الفندق الذي أقام به.. جرى حوار قبل انتقالنا إلى البيت.. سألته عن الرحيل. قال إنه لم تعد لديه رغبة في السفر إلى بلد في العالم بقصد الفرجة أو النزهة أو لحضور المؤتمرات.. إنه لا يزور إلا الأماكن التي أودعها جزءا عزيزا من ذكرياته.. وبالتأكيد كانت القاهرة ركنا ركينا عنده. وكنت ألاحظ مدى عمق العلاقة ورقيق الصلة بين البياتي وصحبه في مصر.. لم يخالجني الشعور قط أنه ضيف.. ورغم لهجته العراقية.. البغدادية التي كنت أحب سماعها منه. إلا أنه كان ابن بلد قاهريا حميما. أستعيد أحزانه.. ونظراته بعد حرب الخليج الثانية.. ودمار العراق.. وفقده لابنته نادية.. وتعد مراثي نادية من الأعمال الشعرية الرفيعة.. والنادرة. منذ أعوام قليلة.. جاء إلى مصر.. ومضينا إلى زيارة سيدنا ومولانا الحسين بصحبة الأخ الحميم.. والشاعر العظيم سعدي يوسف.. لم تكن المرة الأولى التي أصحب فيها البياتي إلى القاهرة القديمة.. فلكم سهرنا في الفيشاوي واتصلت علاقتنا الحميمة في الزمن الجميل.. فوجئت بعد أيام بقصيدة جديدة تصل إلينا في جريدة (أخبار الأدب) بالفاكس.. اعتدنا ذلك خلال السنوات الأخيرة.. ما أن يفرغ حتى يرسل شعره على الفور إلى (أخبار الأدب).. ثمة علاقة خاصة ربطتنا به منذ صدور العدد الأول في يوليو عام ثلاثة وتسعين غير أن تلك القصيدة بالذات كان لها وضع خاص.. عنوانها (جمال الغيطاني) لم تكن مهداة إلي .. إنما عني.. وجدت حرجا في نشرها بأخبار الأدب.. ذلك أنني التزم بقيم تعلمناها من الكبار. لا أنشر ما يكتب عني.. أو الأخبار التي تتعلق بي.. ولا أنشر قصصي ورواياتي إلا فيما ندر.. أما رواياتي الطويلة فأفسح ما يمكن أن تشغله للمبدعين الذين نقدمهم باستمرار.. زملائي في أخبار الأدب كانت لهم وجهة نظر أخرى.. البياتي شاعر كبير.. وقصيدة له لا يمكن أن تظل حبيسة الأدراج.. نشرتها في نقطة عبور.. وبعد شهور صدر له ديوان جديد.. يتضمن ما رثى به أحبابه.. عنوانه (كتاب المراثي) وفوجئت أنه ضمن الديوان قصيدته عني.. هكذا رثاني حيا.. ولم أعجب فكثيرا ما تمر بالإنسان لحظات يرثي فيها نفسه.. فإلى لقاء أيها الشاعر العظيم والصاحب الحميم.. وهنيئا لك رقدتك بالقرب من ضريح شيخنا الأكبر عند سفح جبل قاسيون الدمشقي. الاثنين كسوف امس الأربعاء شهد عدد كبير من سكان كوكبنا لحظات استثنائية سوف تجبر البشر على التأمل في علاقتهم بالكون الفسيح.. على نسيان همومهم الصغيرة.. وشؤونهم اليومية للنظر في المصائر الأبدية. سوف يكتشف الإنسان ما يغيب عنه في خضم السعي اليومي.. أنه يعيش فوق كوكب متحرك في الفضاء الفسيح.. هذه الأرض التي تبدو لنا راسخة متحركة.. سابحة.. مشدودة بقانون ندرك مظهره ولم نلم حتى الآن بجوهره إلى جرم أكبر ساخن ملتهب.. متفجر دائما.. وكوكبنا ليس إلا تباع لهذا الجرم.. لو اختلت المقادير لأمر ما لا قدر الله .. فسوف يفلت الكوكب من مداره.. أما أن يضل في الفراغ السحيق.. وأما أن يندفع إلى الأمام.. إلى الفرن الكوني الجبار.. لتعود الأشياء إلى أصولها.. والذرات إلى مراقدها الأولى.. وما نحن إلا محصلة هذا كله. كما تتبع الأرض الشمس.. يتبع القمر الأرض.. يدور حولها.. ويحدث من فترة إلى أخرى أن تتقاطع المدارات فينشأ كسوف الشمس عندما يصبح وضع القمر بيننا وبين النجم الأم.. عندئذ تحجب هذه الصخرة الهامدة التي نراها لامعة في الليل.. تحجب ضوء الشمس.. فتظلم السماء في الوقت الذي لم يعتد الناس غياب الضوء فيه.. زمان كان القوم يخرجون ليدقوا الطبول أو يرفعوا الدعوات لطرد الأرواح الشريرة التي حجبت الشمس في كسوفها أو القمر في خسوفه.. ولكن التأمل الإنساني في السماء عبر آلاف السنين رصد الظاهرة.. وكان الأساس على ضفتي وادي النيل.. فلم تكن المعابد مجرد أماكن للشعائر الدينية.. إنما كانت تحوي مراصد للكون.. ومن علوم الكهنة وأسرارهم أخذ اليونانيون علم الفلك. تطور العلم.. وأصبح ممكنا للإنسان أن يعرف موعد الكسوف المقبل بعد سنوات بالساعة والثانية.. بالنسبة لي أشعر بتأثر.. وانبهار.. أما التأثر فلقدرة النوع الإنساني الذي انتمي إليه على تحقيق خطوات حول علاقته بالكون.. وأما الانبهار فلقدرة العلم والعلماء. كنت في باريس الشهر الماضي.. ولفت نظري أن المكتبات تعرض عدة كتب عن كسوف الشمس.. منها كتاب على هيئة قرص الشمس.. تباع معه نظارة خاصة للتطلع إلى القرص أثناء العتمة حماية للنظر.. الكتاب مثير وقد قدم له الزميل أيمن عبد الهادي عرضا وافيا في عدد الأسبوع الماضي من صحيفة (أخبار الأدب) ولأهمية الموضوع انشغلنا طوال الأسبوع الماضي في إعداد شامل عن الكسوف في العلم والأدب. عند التجول الليلي بين الفضائيات.. ألاحظ انشغال المحطات الأجنبية بالظاهرة. برامج تحاور العلماء.. أخرى تنصح المشاهدين.. أما المحطات العربية كلها فتخلو تماما من البرامج التي تتابع هذه الظاهرة.. مع أن علماء الفلك العرب القدامى أسهموا بقدر وافر في الوصول إلى النتائج العلمية التي يقيم عليها العالم معارفه الآن بالنسبة للشمس والقمر والنجوم والأفلاك.. إننا في انتظار هذه اللحظات الكونية النادرة.. المؤثرة. الأربعاء صباحا ـ المدار أتخيل الآن حركة الأجرام السماوية الثلاثة.. تقترب اللحظة التي تقف فيها الشمس والقمر والأرض على خط واحد مستقيم.. وفوق الأرض يحل ظلام دامس.. تظهر النجوم في عز الظهر.. أوروبا تستثمر الحدث علميا وتجاريا.. في فرنسا وحدها بيعت أكثر من أربعين مليون نظارة خاصة بالنظر إلى الشمس.. أحضرت واحدة منها توزع مع الكتاب الذي أصدرته دار لوسوي في يونيو الماضي.. الكتاب مستدير على هيئة قرص الشمس.. النظارة عادية ولكن بدلا من الزجاج تغطيها رقائق من الورق المعدني يحمي العين من وهج الشمس والأشعة المتدفقة جدا التي توفرت للإنسان فوق هذا الكوكب لكي ينعم بالحياة.. ولكنه يبددها بحماقته. السواح يتدفقون بالملايين على مدينة شتوتجارت الألمانية.. ومدن جنوب بريطانيا.. وباريس حيث يشاهد الكسوف كاملا.. آخرون يستأجرون طائرة كونكورد ليرافقوا حركة القمر والشمس. ثمة خوف غامض عندي. الأربعاء ظهرا ـ عتمة الأبدية آية من مظاهر الكون.. والحركة التي تحكمه.. والقوانين التي لم نعرفها بعد.. لحيظات قصار من العتمة الكونية.. تذكرنا الأبد الأبيد الذي ستحل فيه إلى ما شاء الله.