يقصد المسيحيون والمسلمون معا كورنيش بيروت البحري الذي يجمع بينهم بعد سنوات من العداء لممارسة هواية الرياضة محافظة على اللياقة والصحة او لمجرد النزهة . فمنذ انبلاج اشعة الفجر الاولى وحتى بعد انقضاء منتصف الليل يقطع الاف اللبنانيين ذكورا واناثا ومن كل الاعمار رصيف الكورنيش على مدى ستة كيلومترات ذهابا وايابا بجاداته الثلاث: جادة شارل ديغول, جادة باريس وجادة رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني السابق. يملك ميشال, البدين, محلا لبيع الاطارات الخشبية, ويصل برفقة زوجته شنتال ذات الجسد الممتلىء في سيارة من منطقة الاشرفية المسيحية سعيا لتنقيص وزنهم بعض الكيلوجرامات على الكورنيش الذي حرمتهم منه سنوات الحرب (1975-1990). على الرصيف العريض المزروع باشجار النخيل تمشي شانتال يوميا بعزم وقد ارتدت الشورت والى جانبها نساء مسلمات يرتدين معاطف طويلة رغم الحرارة الصباحية ويجهدن للتخلص من الشحم الزائد. وغالبا ما تصادف شانتال على الكورنيش احد زبائن زوجها وهو الاستاذ الجامعي علي الذي يمشي يوميا مع زوجته هيام وقد ارتدت لباس الرياضة وغطت شعرها بمنديل. ومنذ ان توقفت المعارك استأنفت داني, وهي تعمل سكرتيرة في الاشرفية, عادة الرياضة على الكورنيش. وتقول: (حرمتني سنوات الحرب الخمس عشرة وتفاقم الاحقاد الدينية من السير على هذا الكورنيش الذي كان مكانا للقاء قبل ان تقسم بيروت عام 1975 الى شطرين واحد مسيحي واخر اسلامي) . خلال الحرب كانت الميليشيا الدرزية تهيمن على جادة شارل ديغول واليوم تمركز هشام في محله فيما يدير صالح مجموعة قوارب لصيد السمك ويقوم اكرم ببيع السمك في محل صغير على الكورنيش. تتناقض الفسيفساء الاجتماعية التي عادت الى الكورنيش بعد حل الميليشيات وتوحيد شطري العاصمة مع ما كان عليه قبل تسعة اعوام حين كان وكأنه مسرح العجائب. حينها كان محبو الرياضة والمتنزهون قلة نادرة. فقط اصحاب الجرأة كانوا يتجاسرون, خلال فترات الهدنة فقط, على السير ذهابا وايابا على كورنيش البحر في الشطر الغربي من بيروت التي كانت تخضع لسيطرة الميليشيا الدرزية والشيعية. كانت سيارات الـ (فان) التي تبيع القهوة تنتشر على حافة الرصيف وتعرض للمارة علنا لفائف حشيشة الكيف وكذلك الحسناوات. يعمل صافي حاليا في احد الفنادق بعد ان كان خلال الحرب من عداد مجموعة من الميليشيا الدرزية امنت حراسة شخصية لتيري وايت مبعوث اسقف كانتربري. ويروي صافي ان وايت كان يتنزه على الكورنيش بين موعدين مع الجهاد الاسلامي, المنظمة السرية المسؤولة عن خطف الرهائن الاجانب, قبل ان يخطف هو نفسه عام 1987. حينها كان الجنود السوريون ينظرون بعدائية لمن يقترب من موقع مدفعيتهم في مواجهة الحمام العسكري ويراقبون اليوم بعين الرضى (الاشقاء الاعداء) الذين تصالحوا. ومن العوامل التى ساهمت في تعزيز عودة التعايش الاسلامي المسيحي رياضة الجري او المشي التي يصفها الاطباء للمصابين, لا بضغط الحرب, وانما بامراض السكري والبدانة وارتفاع الضغط وارتفاع نسبة الكولسترول. جنبا الى جنب يتصبب العرق من الشخصيات البارزة والمواطنين العاديين والمتنزهين بحثا عن نسمات عليلة, ويتنشقون سوية بعمق هواء البحر المنعش. في ساعات الفجر الاولى يشكل الذين قاربوا الخمسين من عمرهم الغالبية ويسيرون ازواجا او مجموعات صغيرة بينما تهرع الصبايا ضاحكات وهن يرتدين شورتا قصيرا وتيــ شيرت تحمل تواقيع اكبر الماركات العالمية. وينهي الاشد مراسا رياضتهم الصباحية بالغطس في مياه البحر امام نظرات المسنين الذين اصيبوا بازمات قلبية فتراهم يمشون ببطء وهم يستندون الى كتف خادمة فلبينية او سريلنكية.