لماذا يبقى لزمن الستينات سحره في الذاكرة؟! هل لأنه يرتبط بزهرة العمر من سنوات الشباب بالوعود والأحلام الفردية.. أم لأنه يرتبط بصحوة المشروع القومي في صعوده الذي قطعته هزيمة العام السابع والستين ؟ المؤكد ان الأمرين معا سبب من أسباب التوهج المتصل لترابطات الستينات في الذاكرة. لكنني أضيف إلى هذا السبب ارتباط الستينات بسنوات التكوين الحاسمة التي لا تزال بصماتها باقية في الوعي.. تصنع بعض مساراته التي أصبحت بعض ملامحه. هذه السنوات جمعت الأحلام الفردية والقومية. وجعلت من الأحلام الفردية وجها آخر من الأحلام القومية.. كما أسقطت الفردي من الأماني على القومي من الوعود في التطلع إلى العهد المقبل بالنجمين الوضاءين على الكفين: الحرية والعدل. أذكر.. الآن.. يوما من أيام هذه الستينات الجميلة.. حدثت وقائعه الفردية في بداية خريف سنة 1964 وكان يوما من أيام التكوين الثقافي الذي يندر تكراره في هذا الزمان. ذهبت إلى كلية الآداب كعادتي كل صباح.. قاطعا الطريق سيرا على الأقدام من الجيزة إلى جامعة القاهرة. وبعد أن انتهت المحاضرة الصباحية.. أخبرني بعض الزملاء أن مكافأة التفوق قد وصلت عند الصراف الذي تجمعت لديه مكافأة ثلاثة أشهر. وذهبت إلى الصراف وحصلت على المكافأة التي فرحت بها.. والتي كانت مبلغا لا يستهان به بالقياس إلى أسعار ذلك الزمان. ولم أطق البقاء في الكلية ومعي كل هذا الكم من المال (ما يقرب من ثلاثين جنيها؟!) فقررت الذهاب إلى وسط المدينة كي استمتع بإنفاق جنيهات التفوق بالطريقة المثلى التي لا أعرف غيرها إلى اليوم.. وهي شراء ما أشتهيه من كتب ومشاهدة ما أحبه من إبداعات فنية. وبعد أن اشتريت ما شفى غليلي من كتب مكتبات وسط البلد.. وسرت محملا بحقيبتين مزدحمتين بالكتب.. مزهوا بهما كأنني أمتلك الكثير من كنوز الأرض.. مررت على سينما ميامي التي تقع قريبة من حي المكتبات.. في شارع سليمان باشا بالقرب من ميدان التحرير. وقرأت الإعلان الذي يتصدر واجهتها عن فيلم (الطريق) المأخوذ من رواية نجيب محفوظ. وكان من إخراج حسام الدين مصطفى وبطولة شادية ورشدي أباظة. وقررت دخول الفيلم على الفور.. فمن ذا الذي كان يمكن أن يقاوم رغبة مشاهدة فيلم مأخوذ عن رواية نجيب محفوظ؟! ومن ذا الذي كان يرفض متابعة بحث صابر سيد الرحيمي عن الأب الذي كان العثور عليه يعني العثور على السلام والأمن والكرامة ويقين الإيمان. وانتظرت في الكافيتيريا المواجهة للسينما إلى أن يحين موعد العرض الثاني. ودخلت الفيلم الذي لم يعجبني للأسف.. بسبب جهل المخرج بطبيعة رواية (الطريق) الرمزية.. وعدم إدراكه لأبعادها الميتافيزيقية والروحية الثرية.. فانقلبت الرواية العميقة إلى فيلم بوليسي مسطح.. مشحون بتوابل الجنس والمغامرات والمطاردات.. وكانت النتيجة ضياع معنى سيد الرحيمي ولم يبق سوى جسد (كريمة) وجريمة (صابر) وبراعة الشرطة التي تقبض على المجرم في النهاية. وأذكر أنني قطعت الطريق من سينما ميامي إلى ميدان سليمان باشا لا أفكر في شئ إلا في فشل المخرج والثورة عليه. ويبدو أن ذلك كان السبب في انحرافي قليلا والتوجه إلى شارع قصر النيل بدلا من مواصلة الطريق في شارع سليمان إلى ميدان التحرير. وكان ذلك من حسن حظي.. فقد مررت على سينما قصر النيل. وكان يتصدر واجهتها إعلان عن فيلم مأخوذ من رواية للكاتب اليوناني العالمي الشهير نيكوس كازنتازاكس (1885 ـ 1957). وكانت الرواية (المسيح يعاد صلبه من جديد) . ولم أقاوم رغبة الدخول.. خصوصا بعد أن وجدت على قائمة الأبطال إيرينا باباز وأنتوني كوين. ولحسن الحظ.. كانت الساعة لم تتجاوز السادسة مساء.. والعرض على وشك البداية.. فدخلت فورا.. وجلست معلق العينين بالشاشة السحرية.. غارقا في بهجة الفن التي قادني إليها ذلك الفيلم الذي مازلت أذكر الكثير من تفاصيله إلى اليوم.. وأحسب أن ذلك كان أول عهدي بمعرفة كازنتازاكس والبحث عن أعماله.. ومنها الرواية التي أخذ عنها الفيلم.. ولم تكن قد ترجمت في ذلك الزمان.. ولكنها ترجمت بعد ذلك.. إلى جانب أعمال كثيرة للكاتب اليوناني المبدع الذي كان طه حسين أول من قدم أعماله إلى اللغة العربية عندما عرض روايته الشهيرة (الحرية والموت) في مقال بعنوان (الكابتن مخالي) . والمؤكد أنني لم أنتبه إلى ذلك إلا فيما بعد.. وحين أعدت قراءة طه حسين في سنوات النضج لأكتشف الأبعاد المذهلة لريادته في مجالات لا تخطر على البال. الغريب في الأمر أنني لا أذكر إلى اليوم اسم مخرج ذلك الفيلم الذي فتح لي أبواب معرفة كازنتازاكس. المؤكد أنه لم يكن المخرج اليوناني ميخائيل كاكويانس الذي أخرج للكاتب نفسه روايته (زوربا) سنة 1964 وهي الرواية التي لم نشاهدها إلا في العام اللاحق.. خصوصا بعد أن أحدث نجاحها دويا عالميا.. وحصل بها أنتوني كوين على جائزة التمثيل لأدائه دور زوربا.. وكانت تشاركه البطولة النسائية إيرين باباز كذلك.. وحصل كاكويانس على جائزة أفضل مخرج وأفضل إعداد سيناريو.. بينما حصلت الممثلة ليلا كيدوروفا على جائزة أفضل ممثلة مساعدة.. وأظن أن الموسيقار اليوناني الشهير تيوديراكس حصل هو الآخر على جائزة عن موسيقى الفيلم التي لا تزال ترن في آذاننا.. خصوصا أنغام الرقصة الشهيرة لزوربا البطل الذي اتحدنا به أثناء كل عرض شاهدناه لذلك الفيلم. ولكن كل ذلك جاء في وقت لاحق. المهم أنني خرجت من سينما قصر النيل مبهورا بأداء أنتوني كوين.. ومسحورا بعمق إدراك المخرج للمعاني الدينية والروحية لرواية كازنتازاكس. وهي معان لا تخلو من مغزى اجتماعي لم يخطئه فهمي في ذلك الوقت. وبالطبع.. لم استطع سوى المقارنة بين عمق المعالجة والرؤية والتفسير لرواية (المسيح يعاد صلبه من جديد) وسطحية إخراج رواية (الطريق) وإضاعة معانيها الروحية والدينية ــ بل حتى الاجتماعية ــ وتحويلها إلى فيلم ساذج من أفلام (الأكشن) أو المغامرات البوليسية السطحية. ولكنني سرعان ما نسيت حسام الدين مصطفى.. والهمسات المثيرة لشادية.. والصرخات المجانية الدون كيشوتية لرشدي أباظة.. وحل محلها الحوار الفلسفي العميق الذي يستعيد معنى التضحية وضرورة تجدد افتداء العالم.. فضلا عن الأداء الساحر لأنتوني كوين الذي ملك القلوب طويلا. وأكملت الطريق إلى ميدان التحرير سعيدا.. فرحا.. فقد شاهدت فيلمين.. أحدهما رائع.. واشتريت ما أريد من كتب.. وبعثرت أغلب ما أملك من جنيهات.. فماذا أريد بعد ذلك؟!. ولكنني أصطدم ـ قبل أن أصل إلى محطة الأتوبيس ـ بزميل لي من الكلية.. هو حسن توفيق الشاعر الذي كان رفيق سنوات الدراسة في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة.. وكان أسبقنا إلى معرفة صلاح عبد الصبور شعريا وشخصيا. ولم يتركني زميلي حسن توفيق أعود إلى غرفتي الصغيرة في الجيزة.. فقد كانت الساعة جاوزت التاسعة مساء بقليل.. وظل يلح على أن أصحبه.. ويقنعني بأهمية الذهاب إلى الجمعية الأدبية المصرية.. وكان مقرها في شارع قولة بحي عابدين في ذلك الزمان.. وأغراني على مصاحبته بإبلاغي أن صلاح عبد الصبور سيقرأ على أصدقائه في الجمعية ما أنهى كتابته من محاولته في كتابة مسرحية شعرية للمرة الأولى. ولم أستطع المقاومة طويلا.. وقبلت الذهاب مع حسن توفيق إلى الجمعية الأدبية. لكن بعد أن اشترطت عليه أن يحمل إحدى حقيبتي الكتب اللتين تحولتا إلى حمل ثقيل. ومضينا معا.. والليل يتمدد في القاهرة العجوز.. حانيا كالنسمة اللينة التي صاحبتنا طوال الطريق. وكانت صالة الجمعية الأدبية المستطيلة.. الضيقة.. مزدحمة.. يتقدم الحضور أحمد كمال زكي وعبد الرحمن فهمي وفاروق خورشيد وعز الدين إسماعيل وعبد القادر القط وعوني عبد الرؤوف وعبد الغفار مكاوي وحسين نصار وشكري عياد ومحمد النويهي.. وغيرهم كثيرون. وجاء صلاح عبد الصبور مصطحبا بهاء طاهر الذي كان يعد النص المسرحي الذي يكتبه صلاح للإذاعة.. وكان بهاء يعمل في إذاعة البرنامج الثاني في ذلك الوقت. وبعد تقديم قصير أخذ صلاح عبد الصبور يقرأ القسم الأول المخطوط من مسرحيته (مأساة الحلاج) بدأ صوته خافتا في البداية.. مثقلا بغموض السؤال عن الشيخ المصلوب في المشهد الأول.. وأخذ صوته يعلو شيئا فشيئا حتى وصل إلى المشهد الثاني.. حيث الحلاج يرد على صديقه الشبلي الذي سأله ماذا يفعل لو خذله أحبابه من وجوه الأمة الذين وعدوه خيرا لو ملكوا الأمر؟!. وظل صلاح عبد الصبور يقرأ ونحن نسمع.. يسخو صوته بالأداء فتندى العروق وتزهر الروح.. وندخل جميعا في طقس الحلاج الذي لا يملك إلا أن يصرخ: الشر استولى في ملكوت الله.. هل كانت هذه الصرخة نذيرا وحدسا بكارثة آتية لا تبقي على شيء؟! لم أطرح على نفسي ذلك السؤال.. فما كنت أتخيل أن بعد أقل من أعوام ثلاثة ستحدث هزيمة العام السابع والستين نتيجة الشر الذي استولى في ملكوت الوطن.. كل ما أذكره أنني خرجت من الجمعية الأدبية المصرية وحيدا.. وسرت الطريق كله من عابدين إلى الجيزة سيرا على الأقدام.. دون أن أشعر بثقل الكيسين المحملين بالكتب.. ناسيا الفرحة بهما.. وأنا أسترجع كلمات صلاح عبد الصبور التي كانت لسبب خفي تتجاوب مع كلمات كازنتازاكس في رواية (المسيح يعاد صلبه من جديد) ومضيت.. طوال الطريق.. أحاول الإجابة.. بيني وبين نفسي.. عن سؤال الحلاج: برأ الله الدنيا إحكاما ونظاما فلماذا اضطربت واختل الإحكام؟