نعم هو إنسان.. مجرد بني آدم.. لم يحقق شهرة ذاعت ولا طار صيته في الآفاق.. واحد من عباد الله الذين نراهم كل يوم.. ينتشرون في فجاج الأرض مثل ملح الأرض.. يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كما يقول التعبير العريق المأثور . مع ذلك فقد استرعى انتباهي في الآونة الأخيرة ورأيت أن أشركك في حكايته التي فرغت من الاطلاع عليها.. في سيرته يجتمع مزيج طيب من (عطر الأحباب) ومن (ناس في الظل) , وهما عنوانا كتابين ليحيى حقي الأديب الكبير الذي رحل منذ سنوات قلائل وكان قد نيف على التسعين (عم يحيى) كما كان يحلو للعبد الفقير أن يسميه رغم أنه لم تربطني به علاقة وثيقة ولا سعدت به بصلات حميمة إن هي إلا بعض مقابلات أو أحاديث إذاعية أجريتها معه في مستهل العمل الباكر في إذاعة (صوت العرب) . لكن العم يحيى حقي يستحق هذا الاسم الحميم الأثير لأنه ملأ حياتنا بفكره وكتاباته ونظراته وسلوكياته محبة ورقة وإنسانية ترقى إلى مراتب الشعر والنغم الجميل.. وجاء هذا كله ممزوجا بروح من الدعابة والسخرية التي توجه ولا تستفز.. تنقد ولا تجرح, وهي بين هذا كله توقع أنغامها على وتر المحبة والروح الإنساني والثقافة الرفيعة المتنوعة بين الشعر واللغة وبين التصوير والنحت وبين سمفونيات الغرب باذخة المعمار وموشحات الشرق الأقرب إلى شغاف القلوب, وهي عند العم يحيى حقي مشغولة طول الوقت بما أصفه بأنه الشأن الإنساني حيث كان الأديب المبدع الكبير مشغولا بالبشر الضعف والقوة.. الإبداع والاجتهاد ... الأخطاء والإضافات, يستوي عنده في هذا كله أهل الصعيد في مصر أو الناطقين بلغة العرب الشريكة في كل أرجاء الوطن العربي الكبير. تماما كما يستوي الفلاحون والأفندية.. الأغنياء والمعدمون.. الكبار الناضجون والأطفال.. أحباب الله. ثم يأتي الكتاب الذي فرغت من قراءته منذ ساعات ليضيف بعدا جديدا وثريا وإنسانيا إلى تراث العم يحيى حقي والكتاب أقرب إلى وصية عكف على تنفيذها بإخلاص فيه ما فيه من التفاني والاجتهاد والمحبة.. أديب شاب من مصر هو صلاح معاطي الذي عرفنا من سطوره أنه كان مذيعا ادركته حرفة الأدب فكتب القصة وآثر أن يعرض إنتاجه يوما على يحيى حقي, ومن يومها نمت صداقة مباركة بين شاب يروض خطاه في مجالي الأدب وبين أستاذ في أقصى خريف العمر أوصى صديقه الشاب بأن يكتب عن مجموعة الأصدقاء الذين أضاؤوا حياة المبدع الكبير عبر أعوامه التي أربت على التسعين.. هذا هو إذن (عطر الأحباب) .. عبير الصداقة الطيبة بين يحيى حقي ونفر من الأدباء والشعراء والنقاد ومنهم أسماء باتت معروفة مثل الناقد فؤاد دوارة الذي عكف بجهد خارق على تجميع تراث يحيى حقي من مظانه المختلفة إلى أن استوى له نحو 30 كتابا من إبداع العم يحيى ولولا المرحوم فؤاد دوارة لكان مصير هذه الإبداعات المتناثرة أو مصير معظمها هو التبدد والنسيان, ومن هؤلاء الأصدقاء مثلا شاعر طيب هو الدكتور أحمد تيمور الذي كان يسهر على صحة يحيى حقي في عناية أستاذ في الطب وفي دأب صديق محب عطوف وفهم العلامة محمود شاكر المحقق الأديب الكلاسيكي الأشهر.. والدكتور نعيم عطية.. وقد اختص في نبوغ مشهود بترجمة الأدب اليوناني إلى لغة العرب. نعود إذن إلى (ناس في الظل) وهم نفر من أصدقاء يحيى حقي الذين احتفل بسيرتهم يحيى نفسه.. وكم اجتهد صاحبنا معاطي في متابعة هذه السيرة وفك أسرارها والنفاذ إلى شعبها ودروبها.. رغم أنهم قوم كانوا مجهولين وشبه مجهولين بالنسبة للحياة الأدبية العامة في مصر والعالم العربي. هنا نتوقف معا عند سيرة واحد من هؤلاء الأحباب واسمه عصمت.. وان شئت هو الباشمهندس الزراعي محمد عصمت.. واعترف ان هذه السطور الضنينة التي قرأتها عن سيرة هذا.. الإنسان الجميل هزتني. يذكر يحيى حقي أن علاقة الصداقة التي ربطته مع محمد عصمت ربما تعود إلى أيام الدراسة الثانوية. وكان حقي يعتبره الفنان المطبوع الأصيل رغم أنه لم يكن له إنتاج واسع غزير أو مشهود في هذا الباب أو ذاك من أبواب الفن وإنما كان فنه ــ كما يوضح العم يحيى ــ نابعا من صلته المباشرة بالطبيعة.. مواسمها وزروعاتها وثمارها وآيات الجمال الرباني التي تعكسها وكان كذلك تماما الشاعر الإنجليزي الأشهر ويليام وردزورث وهو امام شعراء الرومانسية عند الإنجليز. المهندس عصمت ولد في أوائل هذا القرن (توفي في سن الثالثة والتسعين) واستطاع أن يتابع شجرة عائلته لينسب أصله إلى اليمن السعيد.. واختار دراسة الزراعة لأنه يحب الطبيعة.. الزهر والنبت وعبير الأرض ودبيب الحيوان.. لم يتزوج يوما.. وربما تزوج الطبيعة والفن والجمال والذوق الرفيع.. أتاحت له وظيفته أن يجوب أنحاء وادي النيل في مصر ومن ثم عشق الصعيد.. الناس والطبيعة وأغاني الشجن ومواويل الشوق والفروسية.. وعشق موسيقى سيد درويش وظل يتابع كل إنتاجه ويصحح بنفسه ما علق ببعض الاسطوانات من أخطاء في طبع العناوين أو في رصد التواريخ.. عرف مثلا أن سيد درويش أحب سيدة إسكندرانية اسمها (جليلة) وبلغ من شغفه أن وضع من أجلها لحنه الشهير (في شرع مين) واختفت جليلة من حياة سيد درويش الذي مات شابا في عام 1923 وكان ان نسيها الناس.. دون أن ينساها المهندس عصمت الذي ظل يتابع أخبارها إلى أن عرف محل إقامتها.. والتقط صورة لها ما لبث أن قدمها إلى صديقه يحيى حقي قائلا: لقد أصبحت سيدة محترمة هداها الله وزارت الكعبة عدة مرات وأصبح لها أحفاد محترمون والستر واجب. محمد عصمت كان يعشق زهرة النرجس.. وبعد إحالته إلى التقاعد.. قلت موارده.. ومع ذلك كان يحط القرش على القرش ــ كما يقولون ــ يركب القطار ويذهب إلى الصحراء الغربية أو الشرقية في مصر.. ليه ياسي محمد؟.. لكي أرى بشائر النرجس الطبيعي وقد طلعت لأول مرة واستدارت براعمها تضيء الدنيا بابتسام الزهر على نحو ما تغني أم كلثوم. محمد عصمت يكتب في مذكراته التي حواها دفتر حال منه اللون ونالت منه عوادي الزمن ومع ذلك ظلت حروفه بخط جميل واضحة أمام عيني زميلنا المذيع الأديب صلاح معاطي فإذا بسطور هذا الرجل المفعم إنسانية تقول مثلا: 15 أبريل سنة 1928: مررت بفيلا قصر الدوبارة (قرب فندق سميراميس الحالي) .. رأيت السور الجانبي تزينه تكعيبة من الخشب عليها الورد وقد ازدانت زهوره بألوان مختلفة فاح عطرها. مساء 15 أبريل عام 1928: مررت بشارع الجزيرة (قرب النيل وبرج القاهرة الحالي) وكان شذى شجرة الاكروكانتا (الفردوس المفقود) معبقا المكان .. رائحتها مثل كل الزهور البيضاء تشتد في الماء .. فهي تزهر في مارس وورقها في الربيع بديع الخضرة فاتح ولكنها عديمة الورق في موسم الشتاء. في سبتمبر من كل عام كان صاحبنا محمد عصمت يحيي ذكرى سيد درويش على طريقته الخاصة .. يكتب مقالة موجزة ولكنها تحفل دوما بمعلومات مستجدة ومبدعة عن موسيقى الفنان الكبير ويبعث بها إلى الأهرام التي تحفل بنشرها بحكم ما تراه من عمقها وقيمتها .. وكانت الكلمة تنشر بغير توقيع لان كاتبها مع ثقافته وإنسانيته رجل يصفه يحيى حقي بأنه متواضع وذو حياء شديد. أخيرا يحكي الأستاذ يحيى حقي عن صديقه محمد عصمت فيقول: شاهدت بعيني أحد أصدقائه يدخل المستشفى فوجد عنده أمه وخالته وعمته وابن أخته وابن خالته .. ذهب عصمت ثاني يوم وجدهم .. ثالث يوم وجدهم .. رابع يوم وجد الخالة اختفت .. خامس يوم وجد العمة اختفت .. وهكذا .. إلى أن جاء يوم لم يكن يزور هذا المريض إلا رجل واحد هو محمد عصمت إلى أن رحل الصديق عن الدنيا. وأنت تقرأ هذه الكلمات .. وتتابع تصوير هذه الروح الإنسانية المفعمة ببركة الحياة وحب الطبيعة وحسن استقبال ما تجود به آلاؤها من صنوف الجمال .. لا تمتلك إلا أن تقول أن الدنيا دائما بخير .. وان الناس يمكن أن يستنفروا روح المحبة والتسامح وتذوق الجمال في نفوسهم وساعتها يمكن أن يصفو وجه الحياة ويمكن مقاومة الشر ومحاصرته شريطة أن يظل الإنسان .. انسانا؟