من طبيعة البشر أنهم غالباً ما يتأثرون بفكرة واحدة عن الاماكن والاشخاص, وتصبح هذه الفكرة هي السمة التي تنطبع من خلالها صورة المكان أو الشخص في أذهانهم حتى إذا ما ذكر في محفل ما أو مناسبة فرضت الصورة نفسها فأصبحت شعاراً له وعنواناً دالاً عليه. يظهر ذلك بشكل أكثر وضوحاً عند قراءتنا للتاريخ قديماً وحديثا أشخاصاً وأماكن. فسجن (الباستيل) في فرنسا مثلاً أصبح رمزاً للسلطة المطلقة قبل الثورة الفرنسية وإبّانها, وكان موضع كراهية شديدة بسبب ذلك رغم ان النظام فيه لم يكن شديداً بالنسبة للمسجونين السياسيين ــ على وجه الخصوص ــ في الواقع, ولذلك فان هجوم الشعب عليه يوم 14 يوليو 1789 ــ احتجاجاً على اقصاء نيكر وزير الدولة الذي أذاع على الملأ مركز البلاد المالي السيىء وأوصى بعقد مجلس طبقات الأمة ــ كان البداية الحقيقية للثورة الفرنسية واكتسب أهمية رمزية ليصبح هذا التاريخ هو العيد القومي للجمهورية الفرنسية ويصبح (الباستيل) المكان رمزاً للظلم والتسلط. وإذا ما رجعنا للتاريخ العربي والاسلامي وجدنا أن هناك شخصيات ارتبط اسمها في اذهان الكثيرين منا بفكرة معينة قد لا تكون معبرة عن حقيقة الدور الذي لعبته هذه الشخصية في تاريخ الامة, وربما ألحقنا بها ظلماً فادحاً لا تستحقه من خلال هذه الفكرة التي تنتشر بالتداول حتى تصبح صفة لازمة لهذه الشخصية لا تنفك عنها, فنحن مثلاً إذا أردنا أن نصف شخصاً يتقلب في النعيم والعز لم نجد من نشبهه به سوى هارون الرشيد, ويصبح هذا التشبيه أكثر حضوراً في أذهاننا إذا تعلق الأمر بما يحيط به نفسه من اجواء أنس وطرب زاخرة بالجواري الحسان, وكأن هذا الخليفة العباسي المسلم لم يرتبط في أذهاننا إلا بهذه الصورة التي رسمها له الأدب الشعبي وفن الرواية المستنبط من حكايات (ألف ليلة وليلة) وهي صورة مشوهة لا يقوم عليها دليل من حقائق التاريخ وما دوّنه المؤرخون عن خامس خلفاء بني العباس وأوسعهم شهرة وأعلاهم صيتا, ذلك الذي اعتُبر حكمه الأوج الذي بلغه سلطان العباسيين من حيث القوة العسكرية واتساع رقعة الدولة وازدهار العلوم والآداب, إذ لا يمكن لتلك الصورة المرسومة في أذهان العامة أن تتفق مع ما سجّله التاريخ من أعمال الرشيد التي لا يعقل أن تكون نتاج خليفة لاهٍ يقضي ليله في مجالس أنس وطرب وخلاعة, فما كان لبغداد أن تبلغ أوج عمرانها وسيطرتها على أجزاء الدولة المترامية من المغرب إلى حدود الصين, وما كان للجيوش أن تتوغل في آسيا الصغرى حتى تبلغ هرقلة وتضطر الامبراطور البيزنطي (نقفور) إلى دفع الجزية عن نفسه لو لم يكن وراءها حاكم وقائد يقظ يسهر على تجهيز جيوشه وإعدادها الاعداد الجيد لهذه المهمة العظيمة كي يبسط سلطان الدولة الاسلامية على بقاع المعمورة ليسجّل لنا هذا المشهد العظيم عندما ينظر الى السحابة وهي تمرّ فوق رأسه فيخاطبها قائلاً: (امطري حيث شئت فإنّ خراجك سيأتيني) . ثم كيف يمكن أن تقوم في بغداد نهضة ثقافية وعلمية كبرى تخطو بالحضارة الانسانية خطوات واسعة إلى الامام ويتبوأ بفضلها المسلمون مكان الصدارة في الميادين الفكرية والحضارية خلال العصور الوسطى إلاّ في ظل حاكم يعرف للعلم قيمته وللادب قدره فتكون هديته لشارلمان ملك الفرنجة ساعة من صنع العلماء العرب المسلمين في أوج مجدهم وتألقهم. أما الذين يتصورون أن مجالسه لم تكن سوى مجالس أنس وطرب ففي الحكايات الكثيرة التي تروى عن هذه المجالس تصحيح لتصوراتهم. فها هو مجلس منها تدخل فيه امرأة عليه وعنده أصحابه فتقول: يا أمير المؤمنين أقرّ الله عينك, وفرّحك بما آتاك, وأتمّ سعدك. لقد حكمت فقسطت, ثم تسكت. فينظر الرشيد إلى أصحابه يسألهم عمّا قالت, فيقولون: ما نراها قالت إلاّ خيرا. فيقول لهم: ما أظنكم فهمتم. أما قولها أقرّ الله عينك أي أسكنها وإذا سكنت العين عن الحركة عميت. وأما قولها وفرّحك بما آتاك فأخذته من قوله تعالى (حتى إذا فرحوا بما أُوتوا أخذناهم بغتة) . وأما قولها وأتم سعدك فأخذته من قول الشاعر: إذا تم أمر بدا نقصه ترقّب زوالاً إذا قيل تمّ وأما قولها حكمت فقسطت أي جرت, أخذته من قوله تعالى (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) . ثم يلتفت إليها قائلاً: ممن المرأة؟ فتقول: ممن قتلت رجالهم وأخذت أموالهم. فيقول لها: أما الرجال فقد مضى فيهم أمر الله, وأما الاموال فمردودة إليك. فيتعجب الحاضرون من فصاحة المرأة التي لا يمكن ان تجاريها سوى فطنة الخليفة. هذا هو هارون الرشيد الذي يقال انه كان يحج عاماً ويغزو عاما بينما لا نعرف نحن عنه سوى تلك الصورة المشوهة التي رسم ملامحها الادب الشعبي فلم ير فيها سوى الحسان يحطن به والمغنين يشدون من حوله, ومع ذلك فسنترك الحكم عليه للتاريخ ونعود الى ما بدأنا به الحديث عنه من النعيم الذي نحسده عليه فنقول ان ما وفرته لنا التقنية الحديثة من وسائل الراحة ونحن نعيش في اواخر القرن العشرين تجعل النعيم الذي نعتقد ان الرشيد وصحبه كانوا يتمرغون فيه في النصف الثاني من القرن السابع معاناة لا نقوى عليها في عصرنا الحاضر فلو فرضنا ان الخليفة وحاشيته ارادوا الانتقال من بغداد عاصمة الخلافة الى الكوفة مثلاً فانظر كم ستستغرق هذه الرحلة من اعداد وتجهيز وكم ستحمل القافلة معها من مؤونة وماء وخيام وملابس وكم ستجهز من خيول وابل وهوادج للنساء والاطفال, فما بالك لو كانت هذه الرحلة لمصر او الشام مثلاً, او لو كان المسافر انساناً عادياً اذاً لاصبح عرضة للصوص وقطاع الطرق. انظر الى ذلك وقارن بينه وبين ما هو متاح لك حالياً فيما لو فكرت فجأة في السفر الى امريكا او اي بلد في اي قارة من القارات اذ ما عليك سوى التوجه الى المطار والحجز على اول طائرة مغادرة لتسافر خلال ساعات في اجواء تتوفر لك فيها كل اسباب الراحة والامان, اما طعامك وشرابك وملبسك فتستطيع تدبره عندما تصل الى تلك البلد بيسر وسهولة اين منها معاناة الرشيد وصحبه في ايامهم الخوالي المحسودين عليها؟ ولو فرضنا ان الخليفة اراد ان يصدر توجيهاً لقائد من قادته او والٍ من ولاته في مصر من الامصار فان الوسيلة الوحيدة المتاحة له هي ان يكتب ذلك في رقعة من الجلد او القراطيس البردية ــ اذ لم يعرف المسلمون الورق إلا عام 751 عندما ادخل الاسرى الصينيون صناعة الورق من الكتان والقنب الى سمرقند ومنها انتشرت في بقية العالم الاسلامي ــ ثم يرسل بالرقعة فارساً او عدة فوارس يقطعون الفيافي والقفار والجبال والسهول والامصار على ظهور الجياد وربما اهلكوا عدداً منها حتى يسلموا رسالة الخليفة, انظر الى ذلك وتفكر كيف ان بامكانك اليوم التحدث الى من تشاء وقتما تشاء في اقصى بقاع المعمورة بيسر وسهولة بمجرد رفع سماعة الهاتف والضغط على عدة ازرار ليتم الاتصال نظير مبالغ زهيدة اين منها قيمة تلك العاديات حاملة رسائل الخليفة وتوجيهاته؟ ثم ألم يخطر ببالكم ان تتساءلوا عن نقودهم التي نقرأ ان الخلفاء والملوك كانوا يأمرون باغداق آلاف الدراهم والدنانير منها على كل مداح من الشعراء تروق لهم مدائحه وكم تساوي بسعر عملاتنا الحديثة حيث لا اظنها ــ والله اعلم ــ الا قريبة من اسعار الليرة التركية واختها الايطالية والدراخما اليونانية والاسكودا البرتغالية ولا احسبها ترقى الى سعر الين الياباني او البيزتا الاسبانية. اما الآن وقد تجاوزنا المساحة المخصصة للاستراحة فلعلكم تلاحظون معي اننا قد غفلنا عن الموضوع الذي جرنا الى كل هذا الحديث عن الرشيد وعهده وصحبه, وهن اولئك الصبايا الحسان اللاتي لم ينلن حظهن من الحديث, كيف كنّ في ذلك الزمان وكيف اصبحن اليوم؟ فقد ذهب بنا الحديث الى امور كان يمكن تأجيلها, ولكن ما حيلتنا والحديث ــ كما تقول العرب ــ ذو شجون؟