اكد العلماء على ان الاسلام سبق جميع الشرائع الى حقوق الطفل واثباتها على الابوين وعلى المجتمع وكفل له مايربيه ويتعهده ويلتزم بنفقته ولما اوجب الاسلام السعي للانسان لكي يكف نفسه عن السؤال ثم الاهم من هذا لاجل رعاية اطفاله كما اوجب على الوالدين تعليم اطفالهم وتأديبهم ليكونوا لبنة قوية صالحة في المجتمع. ولقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم القائم على رعاية اليتيم قريبا له في الجنة كما بين عظم ثواب كفالة المحتاجين والسعي في مصالحهم. حفظ الدين يقول الدكتور محمد سيد احمد المسير الاستاذ بكلية اصول الدين بجامعة الازهر: الطفل في حاجة الى النصيحة الرقيقة والمعاملة المهذبة وقد كان للطفل المسلم نصيب في وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم ونصائحه, لقد اكل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الطفل في اناء واحد وعلمه ادب الطعام ففي الصحيح عن عمر بن ابي سلمة قال: (كنت غلاما في حجر رسول الله (اي في كفالته) وكانت يدي تطيش في الصفحة (اي الاناء الذي فيه الطعام) فقال لي الرسول صلى الله عليه وسلم, ؟ياغلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك) وهكذا ادب رسول الله هذا الغلام وعلمه في رفق ولين وحنان ومن الاحكام الشرعية انه يستحب القاء السلام على الاطفال وتعويدهم على القائه والرد عليهم حتى يتعلموا البشاشة وحسن اللقاء, ولقد حدث انس رضي الله عنه انه كان يمشي مع رسول صلى الله عليه وسلم فمر بصبيانه فسلم عليهم. ويضيف الدكتور المسير: وذات يوم اردف النبي خلفه ابن عباس وكان غلاما لم يتجاوز العاشرة من عمره ثم سار به مليا ثم التفت اليه فقال: (يا غلام اني اعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك, اذا سألت فاسأل الله, واذا استعنت فاستعن بالله, واعلم ان الامة لو اجتمعت على ان ينفعوك بشيء لم ينفعوك الا بشىء قد كتبه الله لك, وان اجتمعوا على ان يضروك بشيء لم يضروك الا بشىء قد كتبه الله عليك, رفعت الاقلام وجفت الصحف. وهذا الحديث قائم على سبع جمل جمعت الدين كله, فحفظ الله بحفظ دينه, فيقف الانسان عند الامر بالامتثال وعند النهي بالاجتناب وحينئذ تتوالى على الانسان العناية الربانية وتحفه البركات الالهية وما على المرء الا ان يلجأ الى الله وحده سؤالا واستعانة وتوكلا وعزا ومنعة وتحصنا. ويشير الدكتور المسير الى الهدي النبوي في ان يشارك الاطفال في الصلاة والصيام وسائر العبادات ليشبوا على تقوى من الله ورضوان وقد قال صلى الله عليه وسلم: (مروا اولادكم بالصلاة وهم ابناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم ابناء عشر سنين,0 والامر بالصلاة يتضمن عدة اشارات الى جوانب هامة في حياة الطفل التربوية وهي الطهارة والنظافة حيث تسبق الصلاة ولاتصح بدونها, والايمان والفضائل حيث يرغب الطفل الى الله ويقف على قيم الاخلاق والتدين, ثم الشخصية الاجتماعية حيث يشارك الطفل في الجمع والجماعات ويتعرف على الناس في المساجد. واما بالنسبة للطفل اليتيم فقد ولد محمد صلى الله عليه وسلم يتيما فآواه الله ونشأ دون اب يرعاه فأدبه الله فاستقام له الفكر والسلوك فكان الصادق الامين في الجاهلية وكان خلقه القرآن في الاسلام, وعاش الطفل اليتيم في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك عندما تزوج الرسول الكريم هند بنت امية بن المغيرة المخزومية التي اشتهرت بأم سلمة بعدما توفي زوجها ابو سلمة شهيدا من اثر جرح اصابه في غزوة احد, وتكفل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبنائها اليتامى واحسن اليهم فكان يؤاكل عمر ابي سلمة وهو غلام في اناء واحد, وتقول بنت ابي سلمة: كان اسمي (برة) فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب. واليتيم من الناس هو من فقد اباه وحق هذا الاسم ان يقع على الصغار والكبار الا ان العرف خصه بمن لم يبلغ فهو الذي يحتاج الى كفالة من يقوم بأموره من نفقة وتأديب حتى يرشد ويستطيع ان يواجه الحياة باعبائها ولهذا ورد في الاثر: (لايتم بعد البلوغ). وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم القائم على رعاية اليتيم قريبا له في الجنة, كما بين عظم ثواب كفالة المحتاجين والسعي في مصالحهم فقال: (الساعي على الارملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله) قال ابو هريرة واحسبه قال: (وكالقائم لايفتر وكالصائم لايفطر). يقول الدكتور حمزة الزين الباحث بدائرة الاوقاف والشؤون الاسلامية بدبي ان الاسلام سبق جميع الشرائع الى حقوق الطفل واثباتها على الابوين كما اوجبها على المجتمع بأسره فالاسلام حرم الاختلاط بالنساء وحرم سفور النساء ثم حرم الزنا وكل هذا للحفاظ على الانساب وعدم اختلاطها والمستفيد الاول اجتماعيا هو الطفل لانه بهذا كفل له من يربيه ويتعهده ويلتزم بنفقته, اما اذا اختلطت الانساب فلن يقوم احد على كفالة هذا الطفل, اضافة الى ذلك انه لما اوجب الله العمل على المسلم والسعي في الدنيا انما اوجبه لكي يكف نفسه عن السؤال ثم الاهم من هذا لاجل رعاية اطفاله حتى لايحتاجون الى غيره, كما اوجب الاسلام على الوالد تعليم اطفاله وتأديبهم حتى يكونوا لبنة صالحة قوية في المجتمع والقوة هنا معناها كثرة الايجابيات وندرة السلبيات, وحتى عند الموت حرم الاسلام على الرجل الوصية بأكثر من الثلث لانه اضرار بالورثة من الاطفال وغيرهم لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنك ان تذر ورثتك اغنياء خير من ان تدعهم يتكففون الناس) . ويضيف الدكتور حمزة الزين: ولقد عظم الاسلام ثواب رعاية الطفل اليتيم لدرجة انه سيكون رفيقا للنبي صلى الله عليه وسلم في الجنة كما قال عليه الصلاة والسلام: (انا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) واشار بأصبعيه السباب والوسطى. واذا وجد في المجتمع من يهمل أولاده ولا ينفق عليهم فإن الاسلام سمح للقاضي بأن يجبره فإن امتنع حبسه وانفق عليهم من بيت المال ويكون دينا عليه الى ان يدفع. ويرى العالم القاضي الشيخ محمد بن عمر الحضرمي الشافعي ان تربية الاطفال وحقوقهم تأخذ عدة مراحل تبدأ بالولادة ولقد عني الاسلام عناية كبيرة بهذه الفئة التي تحتاج الى جهد للوصول بها الى بر الامان ونكون قد اعطيناها حقوقها كما اراد الاسلام ومنها يستحب ان يسمى المولود باسم حسن في يوم سابعه وان تذبح عنه عقيقة وان يحلق رأسه ويتصدق بوزنه من ذهب او فضة ويؤذن في أذنه حين يولد ويخنك بقليل تمر ويتصدق بما قدر عليه من لحم العقيقة مطبوخاً ولا يكسر عظمها. واذا قرب وقت نطقه فليلقن لا اله الا الله محمد رسول الله ويفرق بين الذكور والاناث اذا بلغوا عشر سنين ويؤمرون بالصلاة لسبع سنين ويضربون على تركها لعشر سنين وترك ما اطاقوه من الصوم اذا بلغوا عشر سنين ويستحب ان يكف الصبيان اذا دخل الليل. ويضيف الشيخ العلامة الحضرمي: ينبغي ان يحفظ الطفل عن كل ما يفزعه من الاصوات الشنيعة وغيرها, فإن حصل فزع فليبادر الى دفع ذلك بتسكينه ولا يكلف الطفل القيام والمشي قبل وقته فقد يعرض في رجليه اعوجاج بسبب ذلك لضعفهما, ولا يعظم الطفل الا بعد استكمال الحولين وبعد ان يتكامل نبات اسنانه ويقوى على اكل الطعام. وينبغي على الأب ان يقوم بالنفقة على أولاده ولا يجعلهم محتاجين الى احد وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(افضل دينار ينفقه على اصحابه وما اطعمت نفسك فهو لك صدقة وما اطعمت به ولدك فهو لك صدقة وما اطعمت به زوجتك فهو لك صدقة وما اطعمت به خادمك فهو لك صدقة وكفى بالمرء اثماً ان يضيع ما يعول) . ويقول الشيخ احمد عمر النعمة الباحث بدائرة أوقاف دبي: قال الله تعالى في كتابه الكريم:(يا ايها الذين آمنوا قوا انفسكم وأهليكم ناراً) التحريم ,6 وعن علي بن ابي طالب قال:(علموا انفسكم وأهليكم الخير وادبوهم) , فغرس الادب في نفس الطفل افضل من الصدقة مع عظم اجر الصدقة عند الله عز وجل لما فيها من تواصل وقضاء لحوائج الناس, واما الطفل فهو اعظم عطية من الله سبحانه وتعالى للمرء ما عليه الا أن يرعاه ويحسن ادبه, كما يجب على المربي ان يؤكد على تعليمه الطفل الآداب الاسلامية التي جاء بها الاسلام وهي مما يعطي للمسلم ميزة ومكانة وأهم هذه الآداب: أدب الطعام والشراب واللباس لأن هذه الامور تكشف حقيقة الطفل ومدى التزامه واعتناء امه وابيه به, فالطفل اذا عرف هذه الاخلاق والآداب والتزمها فإنه يتولد لديه سلوك طيب واخلاق كريمة تدفعه الى رضا الله عز وجل والى اداء واجباته تجاه الناس. وعني الاسلام عناية كبيرة بالطفل وركز عليه ودعا المربين الى ابعاده عن اصدقاء الشر لانهم اعداء لبعضهم البعض يوم القيامة وان اصدقاء الخير والتقوى سعداء حتى في الآخرة, قال تعالى:الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين الزخرف 67. ويقول موضحاً اثر رفقة السوء:(ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا, يا ويلتى ليتني لم اتخذ فلانا خليلاً, لقد أضلني عن الذكر بعد اذ جاءني وكان الشيطان للانسان خذولاً) الفرقان ,27 29. وقد نبه علماء التربية في الاسلام امثال ابن سينا والغزالي وغيرهما الى اهمية هذه الناحية في التربية واثر اختيار الاصدقاء على مستقبل الاطفال وتوجيههم الى الخير والشر. ويضيف الشيخ احمد عمر النعمة: فابن سينا يرى ان الطفل يتأثر بصديقه ويكتسب منه كثيراً من العادات لما ركب فيه من نزعة التقليد والمحاكاة فيقول (وينبغي ان يكون مع الصبي في مكتبه صبية حسنة آدابهم, مرضية عاداتهم فإن الصبي عن الصبي ألقن وهو عنه آخذ وبه آنس) , وأما الغزالي فيقول ومهما كان الاب يصونه عن نار الدنيا فان يصونه عن نار الآخرة اولى وصيانته بان يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الاخلاق ويحفظه من قرناء السوء ولا يعوده التنعم ولا يحبب اليه الزينة واسباب الرفاهية فيضيع عمره في طلبها اذا كبر فيهلك هلاك الابد بل ينبغي ان يراقبه من اول امره فلا يستعمل في حضانته وارضاعه الا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال, ويقول: ويمنع الطفل من لغو الكلام وفحشه ومن اللعن والشتم ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك فان ذلك يسري لا محالة من قرناء السوء واصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء. وتقول الدكتورة رجاء ناجي الاستاذة بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس: ان الاطفال لهم حقوق ينبغي على طرف من الاطراف المعنية الحفاظ عليها والقيام بها على اكمل وجه وللاطفال المهمشين حقوق يجب ان يحصلوا عليها وهذه الحقوق تتضمن الحق في الحياة الكريمة والوضعية القانونية والحق في الهوية الثقافية وحقوقهم على الاسرة وعلى الدولة وحقهم في المساواة مع الاطفال العاديين وحقوق الاطفال المحرومين من الاسر في اسرة بديلة, ويتطلب ذلك التكفل الآني والمستعجل بهؤلاء الاطفال وقيام المؤسسات والهيئات الخيرية للمساهمة في تحمل اعباء رعاية هؤلاء الاطفال والعمل على الحاقهم بالمدارس وفرض اجبارية التعليم عليهم, والتصدي للمخاطر التي تهدد الطفل المهمش وزجر الجرائم التي تمس الاطفال والتعامل مع الاحداث الجانحين بصورة افضل وتقييد ممارسة الطلاق وتعدد الزوجات في اطار الضوابط الشرعية. كتب السيد الطنطاوي