كمعظم الناس كنت الى صدر الشباب اعتقد اني في اعلى حالات الصحة النفسية ويبدو انني لم اتوقف عند حالة الاعتقاد, فتجاوزتها الى حد المباهاة! واذكر صديقا قال لي: يقينك انك صحيح نفسيا الى هذه الدرجة اكبر دليل على انك لست كذلك ! وفي جلسات الصبا حيث كان من بين العابنا قبل انتشار الكمبيوتر ان يقلد أحدنا الآخرين وسط الضحكات التي تنتهي غالبا بشجار واحتجاج, ان التقليد ظالم, قلدني احدهم وهو يقول: انا الوحيد العاقل في هذه المدينة! وكان تقليدا مبالغا فيه فلقد كنت أظن ان هناك أربعة او خمسة من العقلاء مثلي. ومضى وقت طويل قبل ان اكتشف أول خلل في تكويني النفسي وهو الخوف من الاماكن العالية او ما يسمونه الاكرفوبيا او الاجرفوبيا اذ اردنا الرجوع الى الأصل اللاتيني. ولقد اكتشف فيما بعد انه منتشر أكثر في البلاد ذات المباني المنخفضة. وأنا ولدت في بيت من دورين مازال موجودا حتى الآن ولا احس ازاءه تلك العواطف التي نتصورها عندما ترى مكانا ولدت فيه, ربما لأنني لا ارى هذا حادثا سعيدا. ولقد عشت بعد ذلك في الطابق الأول او الثاني في بيوت عديدة في بلاد عديدة, اذ انني قضيت طفولتي وصبايا في قرى ومدن صغيرة. والبيوت هناك طابق أو طابقان ونادرا ما تكون ثلاثة, على الأقل في زماننا. لذلك يعتبر ركوبي المصعد لأول مرة في حياتي وانا في الثالثة عشرة من عمري حادثا هاما بالنسبة لي, فلقد وجدتني في آلة جهنمية تأخذني ومن معي الى ارتفاع خمسة طوابق ثم تعود بنا كأنها السحر. ومازالت اذكر احساسي, ولم يكن الفزع ولا الفرح, بل تأقلمت فورا مع هذا الشيء الجديد, محاولا فهمه, وربما هذا ما ساعدني على استيعاب اشياء كثيرة كانت غريبة علي. وحتى عندما تخرجت وعملت, او على الاصح عملت وتخرجت, فلقد كان العمل قبل التخرج كنت اسكن في الطابق الاول او الثاني. واذكر الصدمة الاولى التي كشفت لي ظاهرة الخوف من الاماكن العالية. وكان ذلك حين عاد صديق عمري عبدالله القويري الكاتب الليبي الكبير بعد هجرته من مصر, وتحدثنا طويلا واستغرقنا الحديث حتى انني لم انتبه الى اننا صعدنا في المصعد الى الدور الثاني عشر, وخرجت الى الشرفة لأرى المدينة تحت بكل اضوائها وبيوتها. وصرخت ولكن الصرخة لم تخرج من فمي, وتشبثت اصابعي بالجدران, وانحنيت احتمي بأرض الشرفة, وسال العرق على وجهي, واصاب الذعر عبدالله رحمه الله لكنه سرعان ما استوعب الموقف.. وكان عبدالله قد درس الجغرافيا في كلية الاداب لكنه كان مهتما بعلم النفس, وكان متابعا لمجلة (علم النفس) التي كان يصدرها الرائدان يوسف مراد, ومصطفى زيد. واكتملت اعدادها لدي, وجلدها تجليدا فاخرا, ولكن في احدى ازماته المالية باعها. وكانت تلك احدى دعابته عندما صار وزيرا. وكان ينهي حديثه ضاحكا: الحمد لله انا الآن غير مضطر ان ابيع كتبي! وأخذ عبدالله يشرح لي الاكرفوبيا التي انا مصاب بها وهكذا ادركت لأول مرة ان يقيني بصحتي النفسية يحتاج الى مراجعة. وكانت هذه اولى حبات المسبحة, فلقد اكتشفت فيما بعد الخوف من الاماكن المغلقة.. وكان الاحساس هنا أقوى وأعنف. اذكر انني كنت محكما في مسابقة للقصة القصيرة, وأخذت اقرأ قصة عن فلاح اراد لسبب ما ان ينزل الى الترعة.. ربما لاصلاح عطب ماء ودخل الى انبوب تحت الماء واخذ القاص يحكي عن حبس الرجل داخل الانبوب ومحاولاته الفاشلة في التقدم او العودة, وعجزت عن اتمام قراءة القصة. فأعدت القصصي برأيي فيها, واعتذرت عن هذه القصة. واظنها قد فازت بجائزة لأن زملائي من المحكمين رأوها قصة جيدة. ثم بعد ذلك اكتشفت الخوف من الوحدة والخوف من الفشل و.. و.. حتى فقدت تماما يقيني في انني اعقل شخص في هذه المدينة! واذكر اول مرة احرم فيها من المتعة بسبب اوهامي المرضية هذه. فلقد كنت واحدا من مجموعة تصعد بنا حافلة الى ارتفاع 800 متر عن سطح البحر وسط جبال خضراء شديدة الجمال على حدود جمهورية جورجيا السوفييتية (سابقا). وكان الجميع في حالة وجد وهم يتأملون كل ما حولهم يخشون ان تفلت منهم ورقة شجر, اما انا فكنت ادس وجهي بين يدي خائفا من النظر عبر النافذة. ومن العجائب اننا عندما صعدنا الى قمة هذا الجبل, او ربما كان الاصح ان اقول قمة هذه الهضبة وجدنا مكانا متسعا جدا فيه كثير من المباني الاثرية اذكر منها كنيسة قديمة, ولكن الامر الذي اصابنا بالدهشة هو وجود بحيرة تسير فيها قوارب شراعية. واخذت اكتشف في نفسي وفي الآخرين انواعا غريبة من الخوف منها الخوف من الكلاب, وصديقي الذي يخاف الكلاب هو اكثرنا جرأة في غير ذلك, لكنه ينتفض في مجلسنا لانه سمع نباح كلب, ونقسم جميعا اننا لم نسمعه, وذات مرة كان عندي في البيت, وكانت ليلة باردة, وسهرنا الى وقت متأخر, وودعته وعدت الى غرفة النوم اعلل نفسي بدفء الفراش, ولكن جرس الباب انتزعني من احلامي, وفتحت الباب لاجد صديقي يرتعد من الخوف ويقول لي ان الكلاب هاجمته في الشارع, واضطررت ان ارتدي ملابسي واصحبه حتى سيارته, وهو ملتصق بي كأنه طفل صغير يلتصق بأمه في الظلمة. وحاولت ان اشرح له ان الكلاب حيوانات لطيفة واليفة, وانه اذا كان بعضها غير ذلك, لايتركه اصحابه في الشارع, وحدثته عن الكلاب التي كانت في بيتنا ونحن صغار, وعن ــ الدويتش ــ وهو لقب موسوليني الذي كان مع هتلر من الذين يعجبون الناس نظرا لوجود الاحتلال البريطاني, فكان المصريون يحبون هتلر وموسوليني ليس حبا في الالمان او الايطاليين, ولكن كراهية في الانجليز, ومن اعجاب ابي بموسوليني اسمى كلبنا ــ الدوتشي ــ وليس العكس كما قد يتبادر الى ذهن بعضهم ــ وربما كان يتبع في ذلك القاعدة العربية القديمة, فلقد ابدى احدهم دهشته لان القبيلة تطلق اجمل الاسماء على كلابها وابلها وعبيدها, بينما تطلق ابشع الاسماء على ابنائها, فرد عليه العربي اننا نسمي كلابنا وابلنا وعبيدنا لنا.. بينما نسمي ابناءنا لاعدائنا. ولذلك احببت الكلاب, وظننت انني خبير بالتعامل معها حتى في لحظات شراستها, ولكن ذلك كله تغير عندما كنا ذات مرة في سيناء وتعرضنا لهجوم مجموعة من الكلاب كادت تقضي علينا لولا مهارات بعضنا في مواجهتها بما يمكن استخدامه من آلات صغيرة, فضلا عن استخدام السيارات نفسها كسلاح مضاد. ولقد اثارتني هذه التجربة فكتبتها في فيلم سينمائي, وقدمته الى الرقابة, لكن الرقابة رفضته لانه يتحدث عن ــ الكلاب ــ و ــ سيناء؟ ونعود الى ــ الفوبيا ــ او الخوف الذي يصيب الناس, وقال لي احد العارفين ان الخوف من الموت هو اهم انواع الخوف في حياة الانسان, وهو شاغله الاكبر, وبعد ذلك الخوف من السقوط, وامنت على كلامه لكنني لم اكتب تجربة السقوط من فوق, اذ انني اعرف ان الرقابة لن توافق عليها!