كان أول ما شفى غليلي في بحثي عن كتابات حول الضحك هو كتاب الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون (1859 - 1941) عن (الضحك). وهو كتاب تربطني به ذكريات تكشف عن بعض ما كنت عليه من جهل وغفلة في مطلع الصبا. وأذكر انني رأيت هذا الكتاب للمرة الأولى على أرفف مكتبة المدرسة الثانوية في أول عهدي بها, وتركت الكتاب عامدا, هازئا, دون أن أهتم حتى بتصفحه, فقد كنت أحسب ان علامات الثقافة الحقيقية تتمثل في الاهتمام بالكتب الجادة ذات الموضوعات الصعبة وحدها, وترك ما دونها من الكتب التي تدخل في باب اللغو, وكان من نتيجة ذلك توهمي ان الكتابة عن الضحك هزل لا يليق بكبار الكتاب أو المفكرين, وان القراءة فيه أو حوله اضاعة للوقت لا يليق بمثلي أن يسلم نفسه إلى غوايتها. ولم أعرف في ذلك الوقت, للأسف, ان هنري برجسون واحد من أهم فلاسفة العالم المعاصر وانه كان أكثر الفلاسفة تأثيرا في النصف الأول من القرن العشرين, وان أفكاره ترددت أصداؤها في الحركات الفنية والأدبية والاجتماعية والسياسية لهذه الفترة, وانه عمل في عصبة الأمم, من سنة 1922 إلى ,1925 مشرفا على الجهاز الذي تحول اسمه إلى (اليونسكو) مع تحول عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة, وانه استحق جائزة نوبل العالمية عن جدارة سنة ,1928 وظل طوال سنوات عزلته (التي فرضها عليه الروماتيزم الذي أقعده) محل التقدير والاجلال في العالم كله إلى ان توفى سنة 1941. ولم يكن هناك من يخبرني في هذه المرحلة الباكرة من العمر ان فلسفة برجسون عن الزمن, وهي الفلسفة التي تؤكد معاني الصيرورة والدافع الخلاق, قد تأثر بها روائيون عالميون أمثال مارسيل بروست الفرنسي ونيكوس كازنتازاكس اليوناني ووليام فوكنر الأمريكي, كما تأثر بها شعراء عالميون أمثال شارل بيجي الفرنسي وروبرت فروست الأمريكي وأنطونيو ماتشادو الأسباني, وان تفرقته بين المجتمع المفتوح والمغلق كانت الأساس الذي انطلق منه كارل بوبر في كتابه الشهير عن (المجتمع المفتوح وأعدائه) . ولم يكن ممكنا في هذا العمر الباكر, ولا كان متاحا في الكتب العربية التي يعرفها أمثالي, معرفة العلاقة بين الكتابات الفلسفية والنفسية عند برجسون وكتابته عن الضحك, ومن ثم ادراك ان الجدية التي كتب بها برجسون الفيلسوف عن (الضحك) لا تختلف عن الجدية التي كتب بها كتبه الفلسفية الشهيرة عن (الزمن والارادة الحرة) (1890) و(المادة والذاكرة) (1896) و(مقدمة إلى الميتافيزيقا) (1903) و(التطور الخلاق) (1907) و(منبعا الدين والأخلاق) (1932). وكان عليّ أن أنتظر طويلا حتى أعرف العلاقة بين الضحك والتطور الخلاق للإنسان, أو العلاقة بينه والوثبة الحيوية التي ينطوي عليها الكائن الحر, أو صلته بالمجتمع المفتوح الذي لا يكبح طاقات أفراده أو يقمع أفعالهم الحرة في كل مدى ممكن للفعل. وما كان يمكن أن أتخيل في ذلك الوقت معنى أن يصف فيلسوف في حجم برجسون الضحك بوصفه شيئا جادا, وبأنه شيء حي يفرض معاملته بما تستحقه الحياة من احترام. وأتصور ان أبناء جيلي يدينون بفضل معرفة برجسون لما ترجمه عنه المرحوم سامي الدروبي مع الدكتور عبدالله عبدالدايم - متعه الله بالصحة وطول العمر -. وما زلت أحتفظ في مكتبتي الخاصة بترجمتهما لكتاب (منبعا الأخلاق والدين) التي أصدرتها مكتبة نهضة مصر بالقاهرة سنة 1945. وقد اشتريتها من على سور الأزبكية بقروش قليلة في مطالع الستينات, وعرفت من مقدمتها ان المترجمين ترجما قبل ذلك كتاب برجسون (الزمن والارادة الحرة) تحت عنوان (الزمان والحرية) . وانهما في سبيلهما إلى استكمال ترجمة مؤلفات برجسون. وقد أكدا ذلك بأن أعلنا عن مشروعهما في الغلاف الأخير للكتاب, وأشارا إلى ان ترجمة كتابي (التطور المبدع) و(الضحك) تحت الطبع. وبالفعل, صدرت ترجمتهما لكتاب (الضحك) سنة 1948 في القاهرة, وأعيد طبعها بعد ذلك بسنوات طويلة في دمشق سنة 1964. ولم أعثر على ترجمة (الزمن والحرية) أو (التطور المبدع) للأسف, وحرمت من متابعة الترجمة الرائقة, رفيعة المستوى اللغوي, لسامي الدروبي وعبدالله عبدالدايم اللذين أحسبهما رائدين سبقا غيرهما في مجال التعريف بفلسفة برجسون وكتبه. ورغم كثرة ما قرأته بعد ذلك عن فلسفة برجسون فإن المقدمة الجميلة التي اشترك في كتابتها سامي الدروبي وعبدالله عبدالدايم يظل لها وقعها الخاص في النفس, كما لو كانت مجلى من مجالي الحب الأول الذي يظل أثره عالقا في الوجدان لا يمحوه الزمن. وما زلت أذكر الهزة الوجدانية التي كنت أشعر بها وأنا أطالع ما كتباه عن التفكير الحركي عند برجسون, ذلك التفكير الذي يساير وثبة الحياة فيساير حركتها, ويتصل بمنبعها ليستقي منه ما يحل به كل معضلة تواجهه. وقد قاد الايمان بهذا التفكير الحركي برجسون إلى مهاجمة كل تفكير ساكن, وكل مجتمع جامد, مؤكدا ان الداء هو تجميد الحياة, والدواء هو الرجوع بها إلى سيلانها وحركتها. لقد جمدت أمور الحياة, فسكنت أفعالها رغم انها تنتسب إلى الديمومة, وسيقت سجينة أعراف انغلقت بمجتمعاتها. ولا سبيل إلى مواجهة ذلك إلا بالعودة إلى الديمومة, والتخلي عن الخلط الشنيع بين المكان والزمان, وبين الكم والكيف, ومن ثم اطلاق سراح الوثبة الحيوية التي هي قرينة ترجمة الحدس الذي ظل قرين الحرية. وقد لفت انتباهي عندما عدت إلى نسختي الأولى من ترجمة كتاب (منبعا الأخلاق والدين) ما وضعته من خطوط تحت الجمل الخاصة بالوثبة الحيوية, وأخذت أعاود القراءة, متأملا مرة أخرى ما كتبه المترجمان في شرح هذه الوثبة التي تخترق المادة, وتنفذ من خلال حجبها الكثيفة, وتسير بها نحو الروحانية, فتسمو بها إلى مصاف النفوس الصوفية بعد أن تملأها رهافة ورقة وخفة, وبعد أن تخلق فيها أحوالا لا ينقطع انتعاشها بالحياة. وتتجسد هذه الوثبة الحيوية في شخصيات, هي أبدان تتقد بهذه الوثبة, فتصبح شهبا ساطعة من عظماء الإنسانية ومصلحيها الكبار وحكمائها الذين يحملون إلى الناس رسالة سامية. وحين يندفع الناس وراء أمثال هؤلاء فإنهم يندفعون في اثر تلك الوثبة الحيوية, فيرتقون ويعشقون الحياة التي يعشقون رموزها, ويتمثلون معاني الوثبة التي تتجسد في هذه الرموز حركة وديمومة خلاقة. هذه الأفكار كان لها صدى عميق في نفس شاب مثلي حين قرأتها للمرة الأولى, فقد دفعت بي إلى الحلم بأن انطوي على مثل هذه الوثبة الحيوية التي هي قرينة الطاقة الخلاقة التي تندفع دائما إلى الأمام, ولا تنغلق على نفسها قط, أو تسمح لأحد بأن يأسرها في سجون البدن والروح والنفس والعقل. ولذلك أخذت أبحث عن بقية كتب برجسون. وسرعان ما وجدت ترجمة محمود قاسم لكتاب (التطور الخلاق) التي أصدرتها دار الفكر العربي بالقاهرة سنة ,1960 ولم تطبع بعد ذلك - فيما أعلم - إلا بواسطة هيئة الكتاب في القاهرة سنة ,1984 ضمن سلسلة نصوص فلسفية, وللأسف مع خطأ غير مقبول في اسم المترجم. وأذكر انني شعرت ببعض الاحباط عندما وجدت ان المترجم محمود قاسم ومراجع الترجمة نجيب بلدي لم يقدما للترجمة بتقديم مؤثر مثل التقديم القديم الذي قرأته لسامي الدروبي وعبدالله عبدالدايم. ويبدو ان سبب ذلك هو قيام المرحوم محمود قاسم بترجمة كتاب اندريه كرسون عن (برجسون) وهو مدخل شامل إلى فلسفته يضم مختارات من كتاباته المختلفة. والطريف انه لم يمض وقت طويل حتى اكتشفت انه في السنة نفسها التي صدرت فيها ترجمة محمود قاسم لكتاب (التطور الخلاق) أصدرت دار المعارف بالقاهرة, في سلسلة مكتبة الدراسات الفلسفية, كتاب مراد وهبة عن (المذهب في فلسفة برجسون) سنة 096_ بتقديم نجيب بلدي الذي راجع ترجمة محمود قاسم. وأتصور ان هذه القراءات كانت وراء شعوري بالفرحة عندما رأيت - في مرحلة النضج - كتاب برجسون عن (الضحك) بترجمة الدروبي وعبدالدايم, فأخذت الكتاب لقراءته والافادة منه في فهم سيكولوجية الضحك ودوافعها. وكانت الفرحة, هذه المرة, فرحة المثقف الذي أصبح يعرف العلاقة بين الضحك والوثبة الحيوية للكائن, وفرحة الناقد الذي أخذ يهتم ببلاغة المقموعين وتعلم من دراستها الدور الذي تقوم به (النكتة) في تقويض سطوة الجبابرة, وفرحة الانسان الذي يعي ان الضحك اعلان عن الثورات النفسية على الجانب الخارجي من الحياة الاجتماعية, وانه تعبير عن دوافع كثيرة ومشاعر عديدة, متباعدة تباعد دوافع ومشاعر الفرحة والدهشة والاحتجاج والاعتذار والتبرير والخجل والاستطراف والاستظراف والاستهزاء والاستخفاف والتودد.