اذا رصدنا المواد الثقافية التي تطالعنا على صفحات اليوميات العربية, لتنفسنا الصعداء ارتياحا لأنها قد تسد رمق التواقين الى قراءة ومعرفة حركة الساحة . واذا تمعنا في المكتوب خاصة في جرائد الامارات المحلية العربية تجاذبتنا الانطباعات لو أدرنا الشريط الى سنوات الثمانينات, الى الوراء. وكل ما قيل وما قد يقال سيدخل في باب التصور الأولي لمقارنة تعدو سريعا أمام الذاكرة, ما حدانا الى التمهل رويدا عند آراء عارفة تعمل في الصحافة الثقافية تحريرا واسهاما. ومع القناعة بأن لا مفر من استطلاعات وقياسات الرأي, فإن المزاجية والهوى الذاتي غير المسند وليس العلمية والموضوعية هما ــ في ظل غياب الاستطلاع ــ المعياران في وصم الصحافة الثقافية, وما يترتب على هذا الموقف التقييمي المنقوص من اصدار احكام وتأويلات لا تتقاطع مع رسالة الثقافة في الاعلام. يظهر البعض (وهذا البعض غير محدد اصلا) تبرما مما تنشره الصحافة وينتقص حينا من أهلية الكاتب أوالشاعر للاتيان بموضوعة لصيقة باهتمامات القراء (هذه الشريحة غير المعروفة ايضا) وسلسلة تؤاتي مستوياتهم ومشاربهم الثقافية ووعيهم على العموم. وفي ضوء تشابك الاستنتاجات, لا تغيب هيبة الثقافة في كل الاحوال مهما صادفتها أمور معاكسة لتيارها. والسؤال ينطرح تلقائيا عندما تتعرض الصفحات لعدم اعتبارها ركنا هاما في بنية الجريدة فتزاح لصالح قضايا اخرى وتذبذب علاقتها بالتبويب الثابت. هل الصحافة الثقافية مهمشة ورابطتنا معها مترددة أو آخذة بالتردد كي نستسهل الركون الى الآراء المزاجية, أم انها حقا مفتقرة الى المنهجية والأديب ــ الصحافي الجدير والمؤهل؟ بداية الصحافة عندما حملت الكثير من نفحات الأدب واتكأت عليه, ويستقي ناصر الظاهري رئيس مجلس ادارة اتحاد كتاب وأدباء الامارات رأيه من تلك المرحلة مدللا على وثوق العلاقة بين الأدباء والصحف (التي كانت تحرر بكاملها من أدباء, بعضهم كان يلامس السياسة بعمق وعن طريق السخرية, والبعض الآخر كانت صحفه لسان حال الوطنيين ومشاريعهم الداعية الى مقاومة الاستعمار... لذلك كانوا يستقطبون الادباء والكتاب الوطنيين لمعرفتهم الأكيدة بتأثيرهم وقدرتهم على مخاطبة الجماهير. وتعقدت المسألة حين اتجهت الصحافة الى التخصص المهني وذهب المبدع الحقيقي باتجاه مشروعه الأدبي, وبدت له صحافة اليوم كمحرقة لا يلجأ اليها الا وقت العوز والقوت اليومي. وفي الفترة السابقة كان تواجد الأديب والكاتب والمبدع الصحفي ضمن المشروع الصحفي لأنه جزء منه وأول من تبناه, حتى كانت الصحف تحرر من قبل شخص واحد أو هو زوجته وكانت عبارة عن وريقات تطبع في قبو بالرصاص والفحم والآلات القديمة للطبع والنشر, ولما أصبحت الصحافة صناعة, تراجع الأدباء والكتاب لصالح رجل الاعمال, وان ظلت هذه الصحافة تغازلهم من بعيد تارة بالاغراء المادي وأخرى بالأدبي والتواجد شبه اليومي على الصفحات التي يتلقفها الناس كخبز يومهم الذي اعتادوا عليه) . هذه العلاقة الشائكة وغير المستقرة بين الصحافة والأديب موسومة بالمد والجزر والشد والجذب, ويقول الشاعر خالد بدر (وجدنا العديدين يكتبون بالصحافة نتيجة طبيعة العمل, وتحول احيانا من الأدب الى الصحافة والعكس) , ولمس فروقا جوهرية في شروط كل مجال, فــ (الابداع الادبي يتطلع لطرح قضايا الانسان من خلال استبصار عميق لا يرتبط كثيرا بظروف المكان والزمان. ان الأدب يعالج القيم الخالدة ويطمح للبقاء ومخاطبة شعوب العالم وعدم اللهاث. أما العمل الصحفي والمقالة فلهما غايات آنية مرتبطة بجغرافية ومكان معينين. والكاتب يقف هنا بين دفتين: قوة آنية لمناقشة المشكلات والظواهر الاجتماعية, وقوة الأدب التي تسمو فوق الحدثية وتحكي عن العذاب والشقاء الانساني والاغتراب. ونجح بعض الكتاب في الاستفادة مما تمنحه الصحافة من مفاتيح لفهم الواقع الاجتماعي, وأكبر دليل جابرييل جارسيا ماركيز الذي ــ عبر تحقيقاته وجولاته في بلده ــ استطاع ان يتلمس ظواهر عميقة لدى الشعب وتعرف على آدابها وفنونها ما شكل مادة خام أثرت عالمه الروائي. وهناك تجارب لدى طه حسين ورفاعة الطهطاوي وغيرهما ممن واكبوا مشروع الصحافة في الوطن العربي واستطاعوا الابداع في مجالات اخرى. في موازاة هذا الموقف تدلي الشاعرة حمدة خميس بدلوها وان ملأته حدة في تمييزها بين العالمين فتستغرب المفهوم الذي تفهمه الصحافة عن الكاتب وتوضح (اني أرى الأديب أشبه بالمهندس المصمم وثمة شخص آخر يشرف على البناء. ان الكاتب يحتاج ألى السكون وحركة أهدأ وأبطأ من الصحافي الذي يلتقط الأخبار من الخارج والعمومي والمصادر المتنوعة, فيما مصدر الكاتب الأوحد هو داخله وذاته وفكره. الصحفي يأخذ ما يفيض عن الآخرين والأحداث, والكاتب ما يفيض عنه هو. إن طبيعة العمل ليست متماهية فالأول ينتج معلومات تسير باتجاه نقل الخبر والخدمة الاخبارية والثاني ثقافة تصب في عمق الحياة للارتقاء بالانسان) . هنا يعارض الشاعر ابراهيم الهاشمي حمدة خميس فيما ذهبت إليه فيستنتج ان (الصحافة تعاطي يومي والمقالات والاعمدة والدراسة تكون أسرع في الوصول وتحريك المجتمع, وقيمة الكلمة المكتوبة في قالب صحافي بالامارات أكثر قدرة على التغيير. أما القصيدة حاليا فلم تعد تهز كالسابق وغدا العمل الادبي مجرد ابداع ورصيد شخصي ربما ساهم بشكل أو بآخر لو أصبح فعلا يوميا شأن القصيدة المغناة المحمسة للناس خلال فترات الثورات) . ولو توغلنا في البحث حول آلية العمل ومدى النجاح الذي قد يلاقيه الكاتب كصحافي قابلتنا عدة احتمالات. برأي الشاعر والمحرر الثقافي برهان شاوي ان (ليس كل أديب قادرا أن يكون صحفيا بسبب معايير كل مهنة. الابداع في الصحافة هو تقنية الابداع والاديب الجيد ليس صحفيا جيدا بالضرورة, وتأخذ الصحافة عن الادب احيانا, فالصياغة والمراجعة المستمران لساعات يقللان فرص المتابعة الادبية. علاقة الاديب بالصحافة هي بالضبط ما يربط الصحافة بالثقافة أو العكس. أما ما قالته الكاتبة الصحفية مريم سالم فيترك المسألة في جانب سلمي ويحمل على الافتقار للصحافي المثقف (لا توجد اشكالية موضوعية بين الثقافة بصفتها المعرفة المطلقة, وبين الصحافة, بصفتها قناة تضخ المعرفة وتنبت الوعي, والاشكالية الوحيدة بينهما تتلخص في اسقاط الصحافة دورها في نقل الثقافة للجماهير. بمعنى ألا تحرك (أي الصحافة) الرأي العام باتجاه تبني قضايا مجتمعة, أو انها تغفل جانب المعرفة وبناء الوعي. وهذا واقعيا ما ينطبق على بعض صحفنا وصحافتنا لان الصحافي لم يعد ذاك المثقف الواعي المطلع على الامور, إنما أصبح موظفا, خبريا, لا يهمه ما وراء الاخبار, بقدر ما يهمه ملء الصفحات. اننا نفتقد الصحافي المثقف, أو لنقل الصحافي الكاتب, لان ليس كل صحافي كاتبا, لذا كان من الضروري أن يسد الكاتب فراغ الصحافي الكاتب, وكان لزاما التعاون مع كتاب على قدر من الثقافة, استطاع بعضهم أن يخلق رأيا عاما ويشكل قاعدة من القراء حسب القضايا وتنوعها) . وتجد سالم ان الايقاع السريع ثغرة تحول دون انضاج الفكرة فتعلق (عادة ما يكون الصحافي أكثر نشاطا وديناميكية من الكاتب, لكن في النهاية يستطيع الكاتب أن يبلور آراءه وينضجها بدرجة أعمق, لان الايقاع السريع الذي يفرض على عمل الصحافي, قد لا يتيح له مساحة أكبر فتسقط الكثير من المحاور الدقيقة) . يبدو ان المسافة بين الكاتب والصحافي ليست تضيق, وفي تصنيفه يوضح الظاهري ان ثمة أدباء استقطبهم العمل الاعلامي والصحفي بصورته الجديدة وآخرون نفروا منه أو نفروهم منه لانه (أصبح وهما وثقلا عليهم وعلى ابداعهم الادبي ووقتهم الذي يركضون خلفه بكل معنى الكلمة) . ان الصحافة خدمت الادب والابداع وامنت لهما الانتشار والتداول وقدمت لقراء الصحف والجمهور النخبوي المثقف زادا ادبيا واعمالا ابداعية وحفظت الكثير من اخبار الادب وأسماء الادباء مما جعلهم ملتصقين بهذا النوع الاعلامي الجديد. لكن ظلت علاقة الصحافة بالمثقف والصحافة بالاديب جدلية تتفق احيانا في الاهداف وتتقاطع احيانا أخرى في الغايات. وتورد حمدة خميس رأيا ثانيا فيما يخص توجهات المؤسسات الصحفية ازاء الثقافة فـ (المؤسسات الصحفية العربية تعتقد ان الثقافة مسألة محدودة, والحاجة إليها كذلك, وهذا يؤكد تماما ان دور الصحافة خدمة عموم الناس على شاكلة مؤسسة الخدمات العامة وهي غير معنية بالثقافة في جانبها الابداعي, وتريد الترويج الاعلاني الدعائي والتوزيع والانتشار والصفحات الثقافية في بلداننا العربية نوع من رفع العتب ولا يجري الاهتمام العميق بها وانما يكتبون في ترويستها (ثقافة) ويقصدون الابداع فما تقدمه ليس بالثقافة. التناقض والطرافة ان ما يقدمونه عام. وهذه الصفحات هي الاقل أهمية وما عداها ليس ثقافة بخلاف المفهوم الاكاديمي العام للثقافة لانه لا يؤدي إلى تطوير الوعي. من هنا اعتبروا الثقافة نخبوية. وثمة غرابة في هذا القول, كل مجتمع يتكون من نخب والجريدة تقدم صفحات رياضية, فهل كل الناس معنيون بهذه المسائل؟ ان 90% من الاخبار منقولة عن الغرب وصور للممثلات والمغنيات, كم شخص يقرؤها لو عملنا احصاء دقيقا؟ المجتمع يتكون من نخب والكل يتكون من جزء فلماذا يجري التقليل من أهمية الثقافة واضطهادها؟ ولماذا لا يتم الاهتمام بصفحات المنوعات؟ وماذا تقدم الثقافة للانسان؟ انها وحدها تصب في وعي الانسان وتطور هذا الوعي والحواس, فتجعله ينتبه لما يدور حوله في الخفاء والظاهر, ويتم التعامل مع الثقافة بلا مبالاة لانها تصب في عمق الفكر والوعي, وهي التي تدفع العجلة للتطور بمعناه الحضاري وليس الاستهلاكي الاتباعي, من يضع مقاييس ما يهم الناس بمعنى (الجمهور عايز كده) من يعرف ماذا يريد الجمهور ومن استفتاه هي مقولات عامة يراد لها التكريس. تهميش الثقافة في الصحافة العربية من العناوين الطنانة التي تتسرب هنا وهناك ويعتبر الهاشمي ان الثقافة برمتها مأخوذة على طريقة هامشية جزء منها مظهري والجزء الاخر ـ رغم اهميته الشديدة ـ عمل فردي وليس هدفا اجتماعيا مقننا ومرسخا, ويتابع هناك مسؤولية على عاتق الكاتب الذي يعيش الدور التهميشي ويفضل عزلته وليس هناك تراكم كمي جيد بل قفزات لذلك هناك من يبرز فجأة ويختفي.. ان دور المثقف ليس كاتبا فقط بل له دور نقدي وسياسي ويوظف قدراته الابداعية في التوجيه وتوصيل المعلومة والنقد, والمسؤولية الثانية منوطة بالدولة كمؤسسات ليس لديها اتجاه عام لايلاء الاهتمام بالثقافة ودورها. وفي المؤسسات الصحفية يتعاملون مع الاديب ككاتب وليس فقط كأديب, وفي العمل الصحفي الثقافة ليست لها اولوية والملاحق احيانا تنافس بين الجرائد دون رصيد تراكمي وتعتبر مادة تكميلية. ان المؤسسة الصحفية هي سلطة قوية جدا اما تهمش او تقوى وتحكي سالم بتحديد اكبر عن كتاب الاعمدة وتصل الى ان هؤلاء (كتاب متفرغون لعملية الكتابة بالدرجة الاولى, وان كانوا بغالبيتهم قد تخرجوا من مدرسة الصحافة.. لكن صحافة اليوم لا تترك للصحافي مجالا للابداع, وقد اصبح مجردا في بعض الاحيان ومن حقه مزاولة الكتابة إلا القلة القليلة, لذلك ليس من الغرابة ان يتحول الصحافي الى موظف وبالتالي الى انسان مفرغ من واجباته ومسؤولياته في ضرورة الاطلاع والتثقيف الشخصي.. مما انعكس وينعكس على وجود صحافة بلا رأي او موقف, وهذا لا ينطبق على كل الصحافيين وحتى لا نقول ان الاشكالية هي طغيان الكاتب او الكتابة على الصحافة, نريد ان نبحث الاسباب التي قننت الثقافة في صفيحات خجلة, وبالتالي قننت وجود الصحافي المثقف في عالم الصحافة. وفي ايضاح موجز يقسم شاوي المسؤولية على عاتقين: الاديب الذي عليه ان يوازن بين فكره والوضوح عارفا مسبقا الشريحة التي يتوجه اليها, فلا تكون مادته متخصصة او احادية النظرة والقائم على الملحق او الصفحة الثقافية الذي يجب ان ينحي مزاجيته جانبا وينفتح على كافة الاجناس الثقافية. وينفى شاوي ان يكون قد طلب اليه يوما خلال عمله ابراز شخصيات محددة لكنه ينشر احيانا لان الكاتب محلي, فالامارات لا تحتاج لملحق عراقي او سوري او لبناني انما لملحق صادر منها, ويعرف المحرر الثقافي بأنه ناشر, يوضب المادة ويقدم الانتاج الذي يحسب للاديب كابداع, ورأى ان معظم المحررين يصنفون انفسهم حكاما وتتداخل في الامور بعض المرات الاخوانيات والمزاجيات و(والشلاليات) ونظرا لصعوبة نشر الكتاب وطباعته يصبح ظهور الكاتب عبر الصحافة حلا.. ورد كل ما قد يقال عن تقصير الصحافة الثقافية (في كل صحيفة محلية نغطي كل الانشطة الحاصلة, والاتهام اذا جاز فعلى المؤسسات الثقافية ذاتها. هل هناك احصائية حقيقية لمعرفة وضع الصحافة الثقافية؟ ثمة خصوصية في الامارات التي تصدر ثلاثة ملاحق (بيان الكتب وملحق الاتحاد والخليج) واي بلد عربي ليس فيه هذه التجربة والنشاط) . وحكي شاوي على زحف الاعلان الذي تعانيه كل الصحف العربية ويأتي على حساب صفحة الثقافة اولا وهذا يبعث على الاسف لان شرائح كثيرة تتابعها. ويتوافق شاوي مع بدر في تفضيل قراءة النصوص الابداعية في المجلات المتخصصة وابراز الاديب كمبدع. وينتهى الظاهري الى ان صحافة اليوم ضرورية لاظهار وتأكيد الاسم الادبي مع انها محرقة للمبدع (في الآونة الاخيرة) , ومع التطور الهائل في الثورة الاعلامية لابد للاديب ان يراجع نفسه ويدخل بقوة غير متناس دوره الريادي في اعادة صياغة المجتمع وتكوين الرأي العام والمضاد احيانا للكثير من القيم الوافدة على المجتمع وحماية الهوية الوطنية ومنع الذوبان او التماهي في مجتمع دولي او حتى شرق اوسطي بداعي العولمة او الكوكبة او حتى الامركة, اقول بضرورة تواجد المثقف والكاتب الوطني المبدع ضمن هذه السيرورة الاعلامية من اجل رسالته التي ينادي بها دائما والتي تنحاز في جلها الى الناس الطيبين والى الوطن الذي نريده, غير منقطعين عن الآخر وعن الحضارة الجديدة, لاننا نحن جزء منها شئنا ام ابينا.. ان المثقف حين يقول لا للاغاني الهابطة, لا للافلام الساقطة والصحافة المبتذلة او المجاملة, لا لمن يريدون لنا ان نكون هنودا حمرا, انما يقول ذلك لانه يقف في الصف الاول للمقاومة ويقف في الصف الاخير للتطبيع او التمريك انما يحاول ان يطرح الحلول لتفادي الازمات والخروج من النفق المظلم) تحقيق: رندة العزير