لم ترتبط حياة الانسان العربي القديم بحيوان مثلما ارتبطت بالجمل الذي اشتهر بين العرب باسم (سفينة الصحراء) . ويقال أن العرب أطلقوا عليه نحو ألف اسم في مختلف أنواعه وأشكاله ومراحل نموه . وقد قامت بسبب هذا الحيوان المسالم أحد أشهر الحروب في شبه الجزيرة العربية قبل الاسلام, وهي حرب البسوس التي استمرت نحو أربعين عاما بين قبيلتي تغلب وبكر. وأشعل فتيل تلك الحرب قيام رجل من إحدى القبيلتين بقتل ناقة مملوكة لرجل من القبيلة الثانية والذي انتقم بقتله لتدور رحى حرب ضروس بين القبيلتين. ولئن كان الجمل قد ارتبط بحياة الانسان العربي القديم بهذه الصورة, لدرجة أن بعض القبائل القديمة عبدته, فإنه لم يدر بخلد بدو الجزيرة العربية مطلقا أنه سيأتي يوم تقام فيه مسابقات للهجن أو مباريات مصارعة بين الجمال. وكان العرب من شدة تعلقهم بالجمل, الذي كان راحلتهم في السلم والحرب ومقياس ثروتهم ومصدر الطعام والكساء لهم, قد أطلقوا لخيالهم العنان في وصفه حيث تغزلت المعلقات الشهيرة بالجمل أكثر مما تغزلت بالمرأة وأطلق عليه العرب حوالي ألف مثل أي ما يعادل ربع الامثال العربية تقريبا. وقد نظر العرب إلى الابل نظرة تعجب نظرا لصبرها على الجوع والعطش وشدة جلدها على السير. وكانوا يخافون عليها من الحسد, فكان العربي إذا كثرت إبله فبلغت ألفا فقأ عين أقواها وأضخمها وإن زادت عن الالف فقأ العين الثانية. وجرت العادات العربية القديمة أيضا على أنه إذا مات صاحب الناقة, قام أهله بربطها بحوار قبره وتغطية وجهها بكساء ومنع الماء والطعام عنها حتى تموت, وذلك لاعتقادهم أن الرجل إذا قام يوم البعث وجد ناقته حاضرة فركبها. ومن ألوان الابل الاحمر والاشقر والاسود والابيض, واللون الاخير هو المحبب عند البدو. وهي تتميز بقدرتها الفائقة على تحمل العطش حيث يمكنها أن تشرب مرة واحدة فقط كل أسبوعين في الصيف وأطول من ذلك في الشتاء, وفي تجربة في السودان تمكن جمل عمره خمس سنوات من العيش 51 يوما في العراء دون ماء وعلى علائق جافة. ومازالت الجمال حتى الان ذات فائدة كبيرة للمجتمعات العربية وإن كانت لم تعد تستخدم كثيرا كوسيلة للسفر ونقل الاحمال الثقيلة. فهي مصدر غني للحوم ذات الفوائد الكثيرة والحليب الغني بالاملاح المعدنية والبروتين وفيتامين ج, هذا فضلا عن الاستخدامات المختلفة لجلدها ووبرها. هذا عن الجمال كما عرفها العرب وعشقوها. أما في بلاد الأناضول أصبحت مصارعة الجمال من أشهر الرياضات في منطقة الاناضول التركية. وتقام مباريات مصارعة الجمال في الاناضول في شهور الشتاء ابتداء من يناير ولغاية إبريل, وذلك بصورة شبه أسبوعية حيث تقام كل يوم أحد في بلدة مختلفة وتجتذب المتفرجين من جميع القرى والبلدات المجاورة. ولا تقام هذه المسابقات بدافع الكسب المادي, حيث لا تتجاوز جائزة الجمل الفائز 50 مليون ليرة تركية (ما يوازي مائة جنيه إسترليني) ويحصل الخاسر على نصف هذا المبلغ. ويهتم أصحاب الجمال بحيواناتهم للغاية ويزينونها ويعلقون أسماءها على السرج المفروشة على ظهورها, ويسوقونها إلى حلبة المصارعة التي تكون في الغالب عبارة عن ملعب كرة قدم صغير, حيث تحتشد الجماهير في مدرجات عبارة عن عربات مقطورة وتعزف فرقة موسيقية من الغجر وتدق (طبول الحرب) . ويقول علي أونال من سكان بلدة نازيلي وهو يغالب دموعه بعد أن خسر جمله في المصارعة (إنني أحب جملي فهو مثل ابني) , في حين يؤكد آخر أن المسابقات تقام لاغراض خيرية حيث سيتم تخصيص جميع الجوائز المالية لمسابقات العام الحالي في البلدة لاحدى دور المسنين فيها. من ناحية أخرى يقول طيفون بايير وهو عضو في نادي الجمال في البلدة حيث يتجمع أصحابها لاحتساء الشاي, أن (الجمال جاءت من الله) ويضيف أن ((النبي) محمد استخدم جملا في السفر من مكة إلى المدينة ولذلك فإن جميع المسلمين يعتقدون أن الجمال تجلب الحظ وعندما اشتريت إسماعيل (اسم جمله) تحسنت أحوالي كثيرا) . وكانت الجمال قد دخلت تركيا أساسا لاستخدامها في نقل الاحمال الثقيلة في المزارع. غير أن هذا الدور توقف منذ الستينيات عندما تم إدخال الميكنة الزراعية, ومنذ ذلك الحين أصبحت الجمال موضع إعزاز من جانب السكان الذين يتركونها تخلد للراحة معظم الوقت بعد انتهاء موسم المصارعة. ويقول إيلهان أنه (مثلما أصبح النسر رمزا لامريكا والدب رمزا لروسيا, فإن الجمل أصبح رمزا لتركيا) .