خلال الدورة التي نظمتها (البيان) العزيزة في شهر مايو الماضي عن علم الترجمة وفن التعريب سألني دارس ذكي: كيف يتسنى للمرء خاصة من يعمل في مجال الإعلام أن يطور أسلوبه في الكتابة والتحرير ؟. ولم أجد على لساني سوى الإجابة الكليشيه التي درجنا على إعطائها على طريقة (كفى الله المؤمنين) .. فقلت له بأن تقرأ كثيرا.. وعندما عاود السؤال وقد فهم ( الفولة) كما يقولون: أن كنت تقصد أن اقرأ للجاحظ وابن المقفع وعبد الحميد الكاتب فهذه مشكلة تتعلق بالوقت وصعوبة النص ومطالب الإعلام لا ترحم.. وبادرته مقترحا أن يقرأ لمبدعين معاصرين من أمثال مارون عبود في لبنان ويحيى حقي في مصر.. وسكت الدارس الشاب.. وها أنذا أضيف اليوم إلى إجابتي أن يقرأ أيضا وربما يقرأ بالذات لكاتب طالما نسيناه بينما هو اجدر بالمتابعة والتذكر والقراءة.. أقصد الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني.. ومن حسن الطالع أن يأتي اسم المازني على الخاطر في إطار احتفالية جليلة مباركة نظمها المجلس الأعلى للفنون والآداب في مصر المحروسة في مناسبة انقضاء خمسين عاما على رحيل الكاتب الكبير الذي لم يكن عمره وقت الرحيل قد جاوز الستين عاما, إذ هو في ارجح الأقوال من مواليد عام 1889 نفس السنة التي شهدت مولد عمالقة كبار من أمثال عباس العقاد وطه حسين والكوميديان شارلي شابلن. ولقد طلع المازني على الحياة الأدبية في مصر العربية مع انقضاء العقد الثاني من هذا القرن وكان ثالث ثلاثة من الشباب المتوثب وقتها من اجل جديد في الشعر والنثر.. يعكس روح الفنان بصدق وحساسية مرهفة, بعد أن كادت شخصية المبدع الفرد تضيع وقد خنقتها الإطارات الكلاسيكية الموروثة والمذهبة.. من شعر تقليدي عالي الخبرة يحف بالمناسبات ويحتفل بالعموميات وكان على رأسه موهوبون كبار من أمثال شوقي وحافظ وخليل مطران.. دع عنك النثر الفني الذي كان من أعلامه مصطفى لطفي المنفلوطي الذي كانت عباراته تدفع الناس إلى استعجال (العبرات) وذرف الدموع السواخن من فرط ما أفعمت به من رومانسية وأشجان وعواطف وانفعالات.. هنالك هب الشبان الثلاثة لكي يبشروا بجديد الشعر ومبتكر النثر على السواء, أولهم عباس العقاد استلم بالهجوم المرير الشاعر احمد شوقي فيما تولى ثانيهم إبراهيم المازني بهجوم من قلم صادق منثورات المنفلوطي, أما ثالثهم عبد الرحمن شكري وهو ارهفهم حسا وأقربهم إلى أنفاس الشعر فقد آثر أن يكتب قصائده مبشرا بها كنموذج لدعوة التجديد التي يغنى فيها الشاعر بقيثارته الحقيقية ويبث القصيد وقارئيها اعمق مشاعره ولواعج نفسه وإشراق روحه بعيدا عن شعر المناسبات. لكن طلقات الثلاثي المتوثب ما لبثت أن طاشت في الهواء أو أنها لم تحقق لهم ما كان يرجوه كل منهم من فاعلية التأثير وذيوع الصيت وعلو المكانة في بلاط صاحب الجلالة أدب العربية وإبداعها.. هنالك أصيب الثلاثة بنوع غريب من الإحباط.. أدى إلى إحساسهم بالفشل فكان أن دب الخلاف بين المازني والعقاد من جهة وبين شكري الشاعر الرقيق المرهف من جهة أخرى.. وليس هذا فحسب.. فقد آثر كل منهم أن يختط لنفسه طريقا خاصا في مجرى الحياة العامة في مصر. يقول أستاذنا الدكتور محمد مندور عليه رحمة الله أن العقاد حين شعر بالإحباط لجأ إلى ما أودع في نفسه من اعتداد يبلغ أحيانا حد الصلف فكان أن استعلى على الحياة و رفع رأسه مغالبا بالكبرياء حينا وبالكبر أحيانا عواصفها وأنواءها.. أما عبد الرحمن شكري فقد طارت نفسه للأسف شعاعا فكسر قلمه وجفف ينابيع إبداعه وركن إلى عزلة قاسية موحشة طالت في حبسه بالاسكندرية نحو ثلاثين سنة وأكثر.. أما صاحبنا المازني فقد استفتى ما في نفسه من روح السخرية والعبث الفني.. فكان أن تلاعب مع نواء الحياة يحني رأسه.. وقامته الصغيرة كلما هبت عواصفها.. ويعابث الدنيا ويكاد يعبث معها ويعامل كل شيء على أساس لا دوام لأي شيء.. وان كل الأنهار تجري إلى البحر وان البحر ليس بملآن.. وهي العبارات التي رصع بها المازني فصولا من كتبه بعد أن قرأها في ترجمة العهد القديم.. ولقد كتب المازني في السياسية.. صال و جال في معمعاتها.. ولكن الذي بقي منه هو ما خلفه لنا من كتابات في غاية الرصانة والطلاوة والعمق في البحوث الأدبية والدرس النقدي, ناهيك عن مجموعات من أجمل وأطرف ما حوته المكتبة العربية المعاصرة في فن المقال الصحفي الذي يقطر سخرية و يفيض تهكما وظرفا ولكن في لغة بليغة فصيحة.. نستطيع باطمئنان علمي أن نقول معها: أن إبراهيم المازني قد وفق في نهاية المطاف إلى الوسط الذهبي الذي كان يحلم به المعلم ارسطو بين تقعر الفصحى الموروثة وبين رطانة الكتابة المحدثة الهجين.. أجل.. استطاع المازني أن يخاطب قراءه في عربية ميسرة حلوة, سائغة, خفيفة الدم, رشيقة الروح, أنيقة في ترسلها الأدبي وذوقها الرفيع في اختيار الألفاظ والتراكيب التي تقرأها وتحبها وتحسبها دارجة عامية, فإذا بها آية في باب السهل الممتنع.. معربة فصيحة تخفي وراءها جهودا أدبية بذلها العم المازني لكي يجلوها للناس ويحبونها ويقبلون على مطالعتها. ها هو إبراهيم المازني يسخر من كل شيء كما سبق وسخر الحطيئة شاعر المخضرمين وسخر الجاحظ عبقري النثر الكلاسيكي, وسخر جوناثان سويفت الروائي الإنجليزي وسخر فولتير فيلسوف الفرنسيين.. وإذا كان الحطيئة قد سخر من سحنته فان المازني ظل يسخر من قصر قامته ومن علة أصابته فتركت عاهة مستديمة جعلته يضلع في مشيته (هو الغمز أو العرج الخفيف قاموس المنجد والمعجم الوسيط) ولأنه مفكر ساخر فقد انعكس هذا الجانب حتى على عناوين كتبه, يجمع مقالاته الضافية ويختار للمجموعة الحافلة اسم (حصاد الهشيم) ويختار لمجموعة بحوث أدبية ونقدية اجتهد في إبداعها اسما مماثلا وهو (قبص الريح) .. وفي العصر الذي كان الأدباء يتفننون في اختيار أسماء مهابة أو براقة أو رنانة أو دعائية لما يكتبون أسماء من قبيل العبقريات أو ( أسواق الذهب ) أو ( السر المصون) الخ, كان المازني يخرج لسانه لهذا كله ويختار لكتبه أسماء من قبيل (على الماشي) أو (في الطريق) أو (من النافذة) ويودعها نظرات ثاقبة دقيقة ونافذة وطريفة في أحوال الحياء وسلوك الأحياء. حاول يوما أن يفسر موقفه من حروف الدهر وأحوال الدنيا و قسوة الحياة فقال ما معناه ( وأنا انقل من الذاكرة) (أنا زوج الحياة المشغول بها أبدا.. مثلي كمثل الزوج الذي كانت امرأته ترهقه بكثرة المطالب التي تشغله باستمرار فلا يهدأ له بال أو يستريح له بدن في الليل أو النهار.. شكا يوما لصديقه فقال له: يا أخي طلقها فأجاب هو أنا فاضي) . قرأت وأنا في تغريبتي الأمري كية الراهنة (وهي غربة مؤقتة فرضتها مقتضيات العمل الدولي في كل حال) أن بحوثا رصينة محترمة قدمت في احتفالية المازني, وكم أسعدني أن اعرف أن عددا من هذه البحوث قدمها اخوة أكاديميون من مغرب الوطن العربي. وبالمناسبة كان المازني عروبيا تنضح سطوره بحسه القومي الرفيع, وبالمناسبة أيضا كان يحب التفاؤل ويتميز غيظا من تشاؤم ابن الرومي الذي قدم المازني دراسة ممتعة عنه لا توازيها دراسة الأستاذ العقاد عن الشاعر المذكور. وبالمناسبة كذلك فها أناذا أعاود الحوار الذي انقطع عن الدارس اللبيب في دورة (البيان) لأؤكد له ولعل من يشا ركه الاهتمام بتقويم الأسلوب.. أن قراءة المازني تمنحه من المتعة والمعرفة ومران الأسلوب الشيء الكثير والمفيد.. وقد يبدأ الدارس بكتابه الجميل بعنوان (صندوق الدنيا) إلى جانب تآليفه التي عرضنا لها في ثنايا هذه السطور. وبالمناسبة كان أخيرا مما يحير المازني لغز الموت.. وكان يسكن بمنطقة الإمام الشافعي القريبة من مدافن القاهرة عند الخط الفاصل بين دنيا الأحياء وعالم الخلود كما أشار المازني يوما.. ومع ذلك فقد آثر في إحدى المناسبات أن يتصور ما يكتبونه على شاهد قبره بعد الرحيل فاختار لذلك قصيدة كتبها كلها كما سترى تقطر أبياتها سخرية وتهكما ويقول فيها في رثاء نفسه: قضى غير مأسوف عليه من الورى فتى غره في العيش نظم القصائد لقد كان كذابا وكان منافقا وكان لئيم الطبع نزر المحامد وكان خبيث النفس كالناس كلهم جبانا.. قليل الخير.. جم الحقائد