وأخيرا تحقق الحلم بإقامة متحف خاص يحفظ ذاكرة المتحف المصري ويضمن المقتنيات النادرة التي كانت مهددة بالضياع. المتحف يشرف عليه المركز القومي للمتحف المصري بعد انتقاله لمقره الجديد الذي يضم بجانب المتحف مكتبة متخصصة وقاعة للندوات وعروض الفيديو. أما المقر الجديد فهو المقر الحالي للمجلس الأعلى للثقافة بالزمالك والذي حصل بدوره على مقر آخر في حرم دار الأوبرا.. والمعروف أن المركز القومي للمسرح والموسيقي من أقدم المراكز الثقافية في مصر وكان أول من فكر في إنشائه الدكتور علي الراعي الناقد المسرحي الراحل والذي كان يشغل منصب رئيس هيئة المسرح والموسيقي في السبعينات وتأسس على يديه المركز في البداية كإدارة ثقافية مهمتها تجميع وتوثيق الحركة المسرحية.. وعند إنشاء المجلس الأعلى للثقافة عام 1980 كان المركز للمسرح والموسيقى ضمن مهام المجلس ولكن كإدارة مركزية مستقلة.. ولكن منذ ذلك التاريخ ظل رؤساء المركز في صراع مرير وسعي مستمر لإيجاد مقر يليق به بعيدا عن الحجرات المتفرقة المشتتة للمركز والتي كادت أن تضيع فيها ذاكرة المسرح المصري وما تضمه من وثائق وتسجيلات وصور نادرة. كان أول رئيس للمركز عند إنشائه هو الفنان والمخرج نبيل الألفي وقد قام بعمل هيكل تنظيمي وإداري وخطة للعمل لكنه فوجىء بعدم وجود إمكانيات لتنفيذ أحلامه فطلب إحالته إلى المعاش مبكرا وبعده تعاقب على هذا المركز رؤساء كثيرون أوشكوا على الخروج على المعاش كنوع من التكريم لهم ولذلك لم يستمر أحد منهم في موقعه سوى بضعة أشهر وطبيعي أن ينهار المركز في ظل هذه السياسة إلى أن جاء محمود الحديني رئيسا للمركز منذ خمس سنوات وخاض حربا شرسة لكي يخرج نشاط المركز إلى النور ويمارس الدور الذي كان محددا له وكان أول إجراء ايجابي قام به بعد محاولات فاشلة في وزارة الثقافة هو ذهابه إلى الدكتور كمال الجنزوري وزير التخطيط في ذلك الوقت وأطلعه على حقيقة المركز وما يعاني منه منذ تعيينه رئيسا له .. وبالفعل استجاب الجنزوري لما طلبه الحديني وبدأ في تحديث المركز على قدر المستطاع في موقعه الحالي بالمسرح القومي. يضم المركز مئات التسجيلات والوثائق والصور النادرة للمسرح المصري على مدار مائة عام مضت بينها على سبيل المثال العود الخاص بفنان الشعب سيد درويش مصنوع عام 1917 وعصاه المصنعة من الأبنوس وطربوش خاص به إلى جانب صورة من عقد زواجه من جليلة وكذلك عود للموسيقار داود حسني وعصا وطربوش إلى جانب ماكيتات مجسمة لدار الأوبرا القديمة التي احترقت والمسرح القومي عام 1921 قبل تجديده في التسعينات وماكيت لمسرح القهوة في بداية القرن العشرين وتمثالين خاصين للفنان محمد عبد الوهاب أحدهما من البرونز والآخر من الجبس وتمثال للفنان زكي طليمات وتمثال يضم اجيالا مختلفة من عائلة الحلو الشهيرة في فن السيرك وهو للجد والأب والحفيد مع أسد ضخم والتمثال مصنوع من الجبس ومثبت على قاعدة خشبية وهناك أيضا مجموعة من الملابس النادرة لأبطال المسرحيات القديمة منها ملابس الفنانة أمينة رزق والراحل الفنان يوسف وهبي.. وبدلة للراحل فتوح نشاطي.. هناك أيضا مجموعة من الملابس تحتاج إلى ترميم بسبب سوء التخزين في السنوات الماضية وهي ملابس (الكاردينال) من مسرحية (كرسي الاعتراف) والذي جسده يوسف وهبي عام 1945 على خشبة المسرح القومي.. ملابسه في مسرحيتي البخيل وبيومي أفندي.. كما يضم المركز وثائق لبعض الإعلانات عن المسرحيات القديمة ونصوص للعروض ومئات الصور الفوتوغرافية النادرة.. إلى جانب اسطوانات نادرة بصوت سيد درويش وعبد الوهاب وأم كلثوم وسلامة حجازي وطقاطيق وأدوار للشيخ زكريا أحمد وداوود حسني ومجموعة ألحان مسرحية الريحاني كشكش بيه ومسرحيات أخرى لعلي الكسار ومنيرة المهدية كلها على اسطوانات نادرة ويتحدث الفنان محمود الحديني عن المركز فيقول. إنه منذ أن أنشىء وهو مشتت في أماكن متفرقة بين ثلاث حجرات في إدارة المشروعات الهندسية بمنطقة القللي وثلاث حجرات كانت بمعهد الموسيقى العربية قبل أن نطرد منه وللأسف كانت كل هذه الحجرات مكدسة بما في ذلك حجرة رئيس المركز رغم أن المركز منوط به مهمة جمع التراث والحفاظ عليه بشكل علمي لأن هذا المركز بمثابة ذاكرة المسرح على مدى مائة عام مضت ونخطط لمائة عام مقبلة أيضا.. ولذلك كان لابد أن يكون لدينا متحف لعرض الوثائق والصور المقتنيات المختلفة الخاصة بجيل الرواد في المسرح والموسيقى.. ومكتبة قومية بصرية وسمعية تضم تراث مصر المسرحي من كتب وشرائط ومسرحيات مسجلة ليستفيد منها الباحثون.. ولهذا فلا نبالغ إذا قلنا أن الحلم قد بدأ يتحقق بانتقال المركز إلى مقره الجديد ونتمنى أن يكتمل الحلم هذا الشهر.. أما الجديد لدينا الآن فهو إننا قد حصلنا على موافقة رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون المهندس عبد الرحمن حافظ وسهير الأتربي رئيس التلفزيون على نقل جميع المسرحيات الموجودة بمكتبة التلفزيون لحفظها في مكتبة المركز.. كما أهدى إلينا الفنان جلال الشرقاوي 18 مسرحية من إنتاج مسرح الفن بينها مسرحيات شهيرة جدا مثل ع الرصيف) و(دستور يا أسيادنا) ونقوم الآن باتصالات عديدة مع الفرق الخاصة لكي نحصل منها على نسخ من المسرحيات التي قدمتها خلال السنوات الماضية.. لدينا الآن أيضا مركز للمعلومات أنشئ تحت إشراف مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء إلى جانب اشتراك على شبكة الإنترنت لنتابع من خلاله حركة المسرح على مستوى العالم ويستطيع أي باحث أو صحفي أن يطلع على هذه الحركة المسرحية العالمية من خلال المركز حيث تقوم مجموعة متخصصة لدينا بنسخ كل ما يتعلق بالمسرح العالمي أسبوعيا.. فمن خلالنا يمكن أن تعرف العروض الموجودة في لندن أو باريس أو أي مكان في العالم. ويضيف الحديني أن المركز يقوم منذ ثلاث سنوات بإعادة كتابة تاريخ المسرح المصري منذ بدايته عام 1870 حتى الآن من مصادر متعددة منها دار الكتب وجريدة الأهرام ومؤسسة دار الهلال الصحفية.. وقد صدر عن هذا المشروع حتى الآن ستة أجزاء كل جزء يضم خمس سنوات مسرحية ويتوقف الجزء السادس عند عام 1936 ويعتبر هذا المشروع رحلة توثيق هامة للغاية حيث سيفاجأ القارىء العادي والمتخصص أيضا بحقائق تكتشف لأول مرة.. هذا المشروع أيضا سيغير من تاريخ المسرح المصري.. وسوف نستمر في جمع هذه المادة الوثائقية حتى عام 1999 وفي المطبعة الآن كتاب بعنوان (مسرح الستينات) ماله وما عليه وهو يضم جميع العروض المسرحية التي قدمت على خشبات المسرح منذ أول يناير 1960 حتى آخر ديسمبر 1969 كاملة ومدعمة بالمقالات النقدية المواكبة لها والصور الفوتوغرافية النادرة كما يضم الندوة التي أقامتها لجنة المسرح بالمجلس الأعلى للثقافة منذ عامين عن مسرح الستينات ماله وما عليه واشترك فيها د. جابر عصفور رئيس المجلس والمخرج نبيل الألفي والكاتب الراحل لطفي الخولي وسعد أردش ومجموعة من نقاد المسرح وهي الندوة التي قيمت هذه الفترة تقييما موضوعيا. القاهرة ـ هشام علي