فكرت في هذا السؤال كثيرا, وبحثت له عن اجابة في تجاربي الخاصة وفي تجارب الآخرين وكتاباتهم, وكنت اجيب عن سؤالي عادة بيني وبين نفسي , بأننا نضحك من انفسنا وعلى انفسنا وحتى عندما نضحك من غيرنا او على غيرنا, فنحن نظل في الدائرة نفسها, خصوصا عندما نضع في اعتبارنا ان غيرنا صور لنا بأكثر من معنى, صورا نسعى الى التطابق او التضاد معها, وربما كان الفارق بين ضحكنا من انفسنا وضحكنا من غيرنا اننا نكون اكثر حرية في الضحك من غيرنا, واكثر تعبيرا عن المكبوت في اعماقنا الذي نخشى التصريح به عن انفسنا, ذلك المكبوت الذي نسقطه على غيرنا كأننا نطرحه عن كاهلنا, وننفيه عن انفسنا, كما لو كنا نرى في غيرنا ما لا نود ان نراه في انفسنا, ولذلك تزداد درجة مطاوعة الفعل (ضحك) حين ينصرف الى الآخرين, وتتسع دوائره التي تجعلنا نضحك من غيرنا وعلى غيرنا وبغيرنا, ونقول: ضحكت منه وبه وعليه, معددين اوجه الضحك وتنوع اسبابه في الغير. ونحن نضحك من انفسنا حين نكتشف فجأة المفارقة التي تتسع بها المسافة بين ما نريده بالفعل وما نفعله حقا, ونضحك من انفسنا حين نداري عجزنا عن تحقيق ما نرغب او نبرر اخفاقنا في ان نرتفع الى مستوى موقف من المواقف, ونضحك من انفسنا حين نجد انفسنا فجأة وعلى غير توقع نفعل الفعل نفسه الذي قررنا عدم القيام به واعلنا اكثر من مرة رفضنا لان نقوم به ونضحك من انفسنا حين نكتشف بغتة تورطنا فيما كان لا يليق بنا التورط فيه, وما ليس من شيمنا او عاداتنا او مألوف فعالنا, ولذلك نضحك من انفسنا حين يضبطنا غيرنا نفعل نقيض ما تعهدنا به, وما سبق ان اعلناه, وما دعونا الناس اليه فنبدو في وضع لا سبيل الى تبريره إلا بالضحك الذي هو ضرب من الاعتذار وتخفيف عبء الافتضاح. ومهما تعددت احوال ضحكنا من انفسنا او من غيرنا فالضحك مرهون في كل احواله بمعاني المعرفة المفاجئة والاكتشاف المباغت ومعاني التعجب والاستظراف ومعاني السخرية والتهكم, ومعاني التبرير والدفاع, ومعاني الاعتذار والتلطيف فهو قرين المعرفة المفاجئة والاكتشاف المباغت حين يغدو ادراكا غير متوقع لما كان مسكوتا عنه او غير معروف أو معتاد او مألوف او محسوب, كأن يظهر لنا الشيء من غير معدنه او يصدر الفعل من غير فاعله, او نسمع القول ممن لا نتوقع منه فينقلب موقفنا الادراكي رأسا على عقب, وتكون ضحكاتنا تعبيرا عن دهشتنا, وتجسيدا لتعرفنا المفاجىء على ما لم نتوقع معرفته, وابرازا لمشاعر الاستظراف التي لابد ان تصاحب اكتشافنا المباغت بما لم نتهيأ لاكتشافه على هذا النحو, ومشاعر التعجب غير بعيدة عن مشاعر الاستظراف فهي قريبة منها, وموصولة بها في الضحكة المفاجئة التي نصدرها عندما نرى من انفسنا ومن غيرنا ما لم نتوقعه في هذا الموقف او ذاك. ويترتب على ذلك ان فعل الضحك لا يمكن ان يتحقق من غير الانقلاب المفاجىء في الاحوال والهيئات والافعال والمواقف والشخصيات, فهو الفعل الناتج عن الادراك المقترن باللامتوقع من الاحوال واللامألوف من الهيئات, والمستغرب من الافعال, وغير المعتاد من المواقف, والمدهش من الشخصيات و(المضحك) هو الغريب المدهش العجيب وغير المتوقع او المألوف من هذه الزاوية, وسواء كان (المضحك) صفة للفاعل الذي يبعث على (الضحك) او الفعل الذي يؤدي اليه, في تجاوب الفاعلين والافعال, فإن ما يجمع بين الاثنين هو اللاتوقع الذي يدفعنا الى التعبير عن شعورنا بالاستظراف والدهشة بواسطة الضحكة التي تغدو معرفة واكتشافا في الوقت نفسه. ولذلك فإن اقتران فعل الضحك بالانقلاب المفاجىء والتحول المباغت هو الوجه الملازم لاقترانه بدهشة التعرف غير المتوقع والاكتشاف غير المنتظر, ويبدو ان كلمة (الضحك) نفسها تؤدي هذا المغنى لغويا, بل ربما كان هذا المعنى هو الاصل في اشتقاقها, سواء في دلالاتها المادية الاولى او دلالاتها المجازية اللاحقة, ففي المعاجم العربية يقترن الفعل (ضحك) بالاستبانة والظهور والتكشف والطلوع, ويقال (ضحك الطريق) اي استبان و(ضحكت الارض عن النبات) اي اخرجته و(ضحك الشيب برأسه) اي ظهر, و(ضحك طلع النخلة) ان تفلق وانشق, و(ضحكت النخلة واضحكت) اي اخرجت (الضحك) الذي هو طلع النخلة حين ينشق و(الضحك) هو النور من الزهر و(الرأي الضاحك) اي الرأي الظاهر غير الملتبس, ولذلك تقول لغة العرب: (ان رأيك ليضاحك المشكلات) اي تظهر عنده المشكلات حتى تعرف كما يقال في صفة الانسان (ان له رأيا ضاحكا) اي رأي ظاهر لا لبس فيه. وتسمية الضحاك المعروفة في التراث تعني الظاهر من وسط الطريق او الجزء المستبين منه. وفي المعاجم العربية ان (الضحك) هو الثغر الابيض, والزهر, وطلع النخل اذا انشق عنه كمامه والزبد والثلج, والطريق الواسع, والواضح من وسط الطريق, والعسل او شهده, وهو فوق ذلك كله حجر شديد البياض يبدو في الجبل, وفي الحديث الشريف : (يبعث الله السحاب فيضحك احسن الضحك) جعل انجلاءه عن البرق ضحكا استعارة ومجازا كما يفتر الضاحك عن الثغر, وذلك كقولهم: ضحكت الارض اذا اخرجت نباتها وزهرتها. وسواء اخذنا الدلالات المادية الاولى المقترنة بمعنى الضحك او الدلالات المجازية اللاحقة فإن محصلة المعاني واحدة, تبدأ بالظهور والخروج والسفور والطلوع وتنتهي بالاكتشاف والتعرف, فتجمع ما بين الابانة والافصاح, والشعور والادراك, والكشف والمعرف, وهي في كل ذلك تبدأ باخراج ما في الداخل الى الخارج, ونقل ما في الباطن الى الظاهر, كضحك الارض عن النبات حين تخرجه من باطنها الى ظاهرها, وضحك طلع النخلة اي اخراجه ما في داخله الى خارجه, وهو الفعل المادي الذي يوازي الفعل الانساني الذي نقوم به حين نخرج ما في داخلنا الى خارجنا على هيئة الضحكة التي تظهر بها ما تبطناه من مشاعر, وما ينتج عن ما ادركناه بغتة ولم نكن نلتفت اليه او نتوقعه من قبل. وغير بعيد عن ذلك ما يتضمنه فعل الضحك من دلالة التعجب التي هي لازمة من لوازم المعرفة المفاجئة, او دلالة التبرير التي هي نوع من تلطيف وقع اكتشاف غيرنا لما حاولنا ان نخفيه ولم نفلح في اخفائه, او دلالة الاعتذار المقاربة التي يتحول بها الضحك الى نوع من الآلية الدفاعية التي نغطي بها على سوأة الموقف الذي اصبحنا فيه نتيجة عدم انتباهنا ولا تخلو الدلالة الاخيرة من مراوغة السخرية التي نسلطها على انفسنا مداراة لما انتهينا اليه, او اصبحنا فيه فنضحك من فعالنا على سبيل السخرية منها والتهكم عليها, دفعا للوم الداخلي او الخارجي, وتخفيفا للتوتر الذي لا علاج له إلا بالضحكة الساخرة او الهازئة. وطبعا, يمكن ان تنقلب الضحكة الهازئة في حالة السخرية الى ضحكة لا تخلو من التهكم الذي قد يقسو فيصل الى درجة الازدراء, وعندئذ تخلو الضحكة من صفاتها, ولا تنطلق من القلب الخلي, او النفس التي تعجب من اكتشافها المفاجىء, وانما من العقل الذي تفاجئه الدرجة الكبيرة لانحدار الموقف, او تدني الفعل, او خسة السلوك, او حقارة الخلق, او غلظ القول, او صغار الشخص, فتنطلق الضحكة المحكومة رغم توترها, غير الممتدة بسبب حدة دوافعها المكظومة رغم حرصها على اعلان غايتها, وذلك تعبيرا عن الاستخفاف, وتأكيدا للادانة وتعرية لما قد يلتبس على غير المنتبه, ومواجهة للفاعل الذي يقترف الفعل, او الفعل الذي ينبىء عن فاعله الذي تناوشه سهام الضحك لتردي زيفه, وتهبط به الى الدرك الاسفل من فعاله. ولا يصل ضحكنا من انفسنا الى هذه الدرجة إلا في اقسى واقصى لحظات المصارحة والمكاشفة خصوصا حين تشبه صورتنا الداخلية في فعل استبطان ذواتنا, صورة (دوريان جراي) بعد ان ارتكب ما ارتكب من آثامه, اعنى حين نتعرف حقيقة انفسنا في لحظات ضعفها ونرى خطايانا في مرايا ضميرنا, فنداري فزعنا بالهزء من انفسنا, بعيدا عن الاعين, وحيدين متوحدين, كي لا يرى غيرنا ما اكتشفناه من قرارة اعماقنا, والتهكم قرين السخرية في تتابع الضحكات الجافة التي تصدر من اعماقنا الى اعماقنا في مثل هذه اللحظات, كأنها علامات الادانة واسلحة المواجهة التي تعلن عن رغبتها التطهر والبرء والتخلص من الآثام, لكننا لا نصل الى هذا الحال إلا عندما نتملك قدرة الانفصال عن الذات ووضعها موضع المساءلة او المحاسبة, وعندما ندرك ان قوتنا الحقيقية تبدأ من اكتشاف ضعفنا والسخرية منه.