واكب مهرجان جرش لهذا العام احتفال الاردن بمئوية الشاعر الاردني مصطفى وهبي التل, فكانت الحلقات النقدية في المهرجان مخصصة لتناول تجربته . قدمت ليلى شرف ــ وزيرة الاعلام السابقة ــ الندوة التي شارك فيها ثلاثة باحثين. وقالت ان لعرار كما لسواه من المثقفين العرب الناشطين في تلك المرحلة اثر كبير على الساحة. وتحدث د. رشيد العناني ــ المفكر المصري واستاذ الادب العربي الحديث في جامعة اكستر ــ بريطانيا عن عرار بوصفة احيائي في زمن الرومانسية مخالفا بذلك الرأي السائد بان عرار ينتمي الى جيل الرومانسيين. وتساءل العناني عن موقع التل من الشعر العربي الحديث واكد على انه يصدر عن حساسية كلاسيكية تقليدية اذ ظل بعيدا عن المؤثرات المغايرة من جهة البيئة العامة والثقافة الشخصية, وقد انعكس ذلك في الطابع الاحيائي التقليدي في شعره. وقال ان الحساسية الكلاسيكية التي يصدر عنها شعر عرار ميزت الشعر العربي في العقود الاخيرة من القرن الماضي والاولى من القرن الحالي. ولكن الذي يدعو الى التأمل هو ان الخلفية الاجتماعية لعرار ليست هي الخلفية التي تصدر عنها تقليديا الثورة على الاعراف, فهو من اسرة معروفة , تعلم تعليما جيدا وشغل وظائف عالية وكان وثيق الصلة بالقصر , ومنطق الاشياء يقضي بان تنتج شاعرا يعبر عن المؤسسة الاجتماعية الا اننا نجد في عرار شاعرا وحالة فريدة من حالات الوجدان المتفرد والضمير الثائر, لا لان مجتمعه يرفضه ولكن بحثا عن مثل اعلى مغاير واجدر في اعتقاده بالانتماء. وثورة مصطفى التل ثورة شخصية حياتية, ثورة طبع لا ثورة شعرية. ولاشيء من هذا يجعل من التل شاعرا رومانسيا. ثم تحدث د. زياد الزعبي اكثر الباحثين اهتماما بعرار والذي حقق قصائده واعماله النثرية فتناول الموضوعة الغجرية في ادب عرار وامكانيات اطلاع عرار على التجارب البحثية لكثير من الادباء والمبدعين الاوروبيين الذين كتبوا في ذات الموضوع. فما جاء به عرار من ملاحظات حول حياة الغجر يمكن ان تستمد من تجربته الشخصية ولكن الامر يتجاوز حدود التجربة عندما يقارن ماقام به بدراسة الفرنسي بروسبير. وعندما يذكر الدراما العالمية كارمن, فيقول ان بروسبير مريمية قضى شطرا من حياته بين النور باحثا ومنقبا. ويستعرض الزعبي عددا من نتائج دراسة عرار لهذا المجتمع والتي جاءت في مقالته تلك, وتركت ابلغ الاثر في شعره الى ان قال (وهذا ماجعلني لا ارد مضارب النور كباحثة منقب الا لاصدر عنها كشاعر مشبب) . وينتهي الزعبي الى ان عرار كان اول شاعر عربي معاصر تعامل مع الموضوعة الغجرية بقصدية ووعي متأمل وتميز بان افرد لهم ديوانا شعريا هو ديوانه الوحيد. ظواهر فنية اما الباحث خليل عودة الاستاذ في جامعة النجاح في فلسطين فقد تناول الظواهر الفنية والاسلوبية في ديوان عرار. فلغته هي اسلوب حياته وطريقة تعبيره تكشف عن علاقاته المختلفة واداؤه الفني صورة صادقة لفلسفة حياته والاستعمالات اللغوية والفنية تؤكد عمق الصلة بين الشاعر وشعره , وما يفيد هو ان الشاعر كان يعبر عن عاطفة صادقة ومعاناة حقيقية فهو لايتحرج في استخدام كل الالفاظ التي تلائم احساسه. ويشير عودة الى ان صلة الشاعر بموضوعات شعره كانت قوية فانعكست حياته على لغته وصوره الفنية وطريقة بنائه للقصيدة, ويقرأ الباحث نصوصا من حيث الالفاظ المستخدمة وتكرار الالفاظ وبساطة اللغة والتعبير وثنائية التشكيل والخيال والتصوير الفني. ولاشك ان هذه القراءة التفصيلية وما يرافقها من دلالات تحيل الى افق وفضاء اوسع لدراسة عرار الذي كان التمرد الاجتماعي ورفض الالتزام بسلوكيات معينة, كان يفرض عليه تمردا من نوع آخر يتصل باللغة الشعرية فهو يؤمن بضرورة ان تكون لغته وتصرفاته وفق ما يحس به. وتحدث د. سليمان الازرعي في الجلسة الثانية للحلقة النقدية عن عرار الباحث عن وطن الحرية في وطن الغجر. فشخص اولا الظاهرة التي دفعت بكبار المبدعين في العالم للهروب الى مجتمع الغجر وبحث عن الخيوط التي جمعت عرارا الاردني ببوشكين الروسي, بلوركا الاسباني, بكريستوبوتيف البلغاري بفيكتور هيوجو الفرنسي. عازيا تمرد هؤلاء الى البحث عن وطن الحرية. وقال علمتنا دراستنا للمبدعين العظام على مر التاريخ انهم يشكلون علامات فارقة ومخالفات مرورية في نظم سير مجتمعاتهم, انهم يرفضون اي تزييف للحرية واية لعبة تنكرية للوجود الانساني الذي يتناقض مع احساسهم العميق ببشريتهم مهما كانت تلك اللعبة معززة بالاجتهاد الديني او الوضعي او الايديولوجي. واضاف ان الشعراء المتمردين عبر التاريخ, رفضوا ان يكون ابداعهم تعبيرا عن معطيات الراهن في مجتمعاتهم واوطانهم وهكذا كانوا مبشرين على الدوام وسابقين لعصرهم وساعين باستمرار لكي يجروا عقرب الزمن البليد الى الامام, نحو ترجمة الانسان لانسانيته وبشريته وقد سعى هؤلاء الى خلاصهم الفردي الذي اعتبر ترميزا وتعبيرا بالانابة عن الخلاص الجماعي. انه نموذج للانسان الباحث باصرار عن عالم حلم ليس مستحيل التحقيق, وقد يثقل هذا الحلم حامله ويشقيه فلا يتراجع او يدجن او يدخل في حسبة القطيع, وهكذا تكثر من حوله الاجتهادات وتتعدد التسميات التي تحاول تشخيص حالته وغالبا ماتختزل تلك التوصيفات بمصطلح (اللامنتمي) كما اختزل عرار في العديد من الدراسات الادبية رغم ان هذه النماذج العالمية بمن فيهم (عرار) تمثل في حقيقتها اصدق محاولات الانتماء للحلم وللبشري والمستقبلي. كما تناول الازرعي في الجانب التطبيقي اهتمام عرار بالعامية وتطاوله على الفصحى بادخال تعبيرات شديدة المحلية وعامية, فلا يرى في هذا المنحى الا ما يشبه الالعاب النارية التي تبدد الظلمة والسكون وتمثل صوت الحرية المطلقة. عمان ـ سميحة خريس: