في الماضي القريب كان ماسحو الاحذية أو البويجية كما تعرفهم العامة يتهافتون على المارة في شوارع وسط البلد المزدحم حيث يوجد أقدم مركز تجاري في العاصمة الأردنية عمان وهم يرددون عبارات "بويا بويا بويا" سعيا وراء لقمة العيش في هذه المدينة التي يقطنها الان نحو مليونا نسمة أي ما يقارب نصف عدد سكان الاردن. أما الان بالكاد تستطيع أن تشاهد أي من هؤلاء على أطراف ومداخل المحال التجارية والمقاهي ومكاتب الشركات والاطباء والمحامين الذين كانوا يشكلون أفضل الزبائن للبويجية لاهتمامهم الفائق بمظهرهم الخارجي وبالذات لمعان أحذيتهم ونظافتها من غبار المدينة الممزوج بعوادم السيارات. يقول شفيق حماد أحد ماسحي الاحذية القدامى في عمان (تكاد هذه المهنة أن تختفي إذ لا يعمل بها سوى عدد قليل لا يتجاوز عدد أصابع اليد) . ويعلل حماد ذو العينين الضامرتين والوجه الشاحب الممتلئ بالتجاعيد ذلك بأن (الناس أصبحوا غير الناس ووقع الحياة أصبح أسرع من ذي قبل) ويقول أنه لم يعد يرى أمامه سوى كتلا بشرية تتحرك مهرولة نحو غايات مختلفة ترتدي في الغالب أحذية المشي الخفيفة والاحذية الرياضية التي لا تحتاج إلى التلميع والبويا. ويحتل شفيق حماد منذ أربعين عاما زاوية على مدخل أحد المراكز التجارية بداية شارع السلط وسط البلد حيث يبدأ العمل في السابعة صباحا وينهيه في الثامنة مساء من كل يوم على مدار العام بدون عطل أو توقف. تحدث حماد بفخر وهو الان على مشارف الستين عن صندوق البويا النحاسي المزركش بالخرز الازرق درءا للحسد والعين قائلا (لقد اشتريت هذا الصندوق من حلب في سوريا قبل خمسة وثلاثين عاما ويبلغ ثمنه الان نحو 500 دينار) ويضم الصندوق الثقيل الذي يزن عدة كيلوجرامات موطئا لقدم الزبون وعدة جوارير وفتحات ترتكز عليها عدة قوارير زجاجية تحتوي على البويا الشامية العريقة من ماركة الكروان التي لا يطمئن حماد لاستخدام غيرها إضافة إلى بعض الماركات الاوروبية الاصلية مثل الكيوي الهولندي. ويلمع حماد في اليوم الواحد خمسة عشرة زوج من الاحذية بسعر أدناه نصف دينار ولا يمانع في قبول البخشيش أو الاكرامية مشيرا إلى أنه في أيام زمان كان يتقاضى قرش ونصف القرش على تلميع الحذاء الواحد. ويرفض حماد أن يعمل ابنه الوحيد محمد في مهنته لانها (مهنة لا ينظر إليها الناس باحترام رغم الحاجة إليها في الاوقات الحرجة) لكنه يشعر بالسعادة عندما يتجمع حوله السياح الاجانب لالتقاط الصور مبدين إعجابهم بصندوقه النحاسي الذي (سيرى في الايام المقبلة في المتاحف الوطنية فقط) . وسبب أخر لسعادة حماد الذي يضمن أفضل الخدمات لزبائنه وبخاصة صاحب المكتبة المجاورة لزاويته هو عدم مضايقة شرطة بلدية العاصمة له وانصرافهم لملاحقة الباعة المتجولين وباعة البسطات غير المرخصة على أرصفة المدينة الضيقة.