لا أدري من أي الابواب ابدأ, فجميعها مفتوح على مصراعيه، هذه العبارة قالها احد الشخصيات الهامة في روسيا, وهو يتأبط ذراع ممرضته الدائمة , ويتكىء بتؤدة على عكاز من زمن قديم, هو زمن الاتحاد السوفييتي سابقا, فكل شيء اصبح مخترقا, ضمائر الناس, ذمتهم, اسرارهم الشخصية, أوراقهم الخاصة, علاقاتهم الحميمية .. كل ذلك ومازال البحث ينهمر كالمطر ولا يتوقف. والقضية لا شيء سوى بيع مرحلة زمنية من العمر لمن يدفع اكثر. تفكك الاتحاد السوفييتي هكذا دون حرب اهلية أو صراع أو طلقة رصاص, ببساطة وضع مهندس تلك المرحلة المثيرة من عمر روسيا العظمى مغزله في عقدة السجادة المترابطة, فسحب نسيجها متباين الاعراق, والثقافات, والاديان, وتركها راحلا إلى كتبه ونظرياته ومحاضراته. والان ماذا تبقى ليباع؟ جاء السؤال مهتزا تطويه الرعشة ويغلفه البكاء, فقد آثر الرجل المريض ان يتوارى عن تلك العيون الطفيلية التي تطالبه بالحاح ان يساهم في انارة الرأي العام بكتابة مذكراته, بينما هو لا يريد ان يكون مادة يومية تمضغها الافواه, أراد ان يموت كما تموت الاشجار واقفة ولا ينثني لرياح التغيير التي بدت تهب من كل الاتجاهات, وتدخل من النوافذ, والابواب المشرعة, والسقوف ولا تستأذن احدا. هكذا تبدو الامور اليوم, كل شيء اصبح معروضا للبيع, ونحن بين هؤلاء وهؤلاء ندير عيوننا يمنة ويسرة, فمن مذكرات جورباتشوف إلى وصايا يلتسين, ومن اسرار الليدي ديانا إلى خبايا محمد الفايد, ومن كتب المثيرة مونيكا إلى أوراق جون كنيدي الابن, نتواصل في زمن تتصدره المعلومات وتشكله الاسرار والاوراق السرية التي يتم كشفها عنوة, فعصر المعلومات كما يشير البعض لا يعرف المستور, فهو يريد كل شيء مكشوفا دون غطاء حتى من ورقة التوت. عندما انتهت الحرب الباردة, اصبح لا مكان لاولئك الذين كانوا يديرون الحلبة ويحركون قطع الشطرنج المتناثرة كما يحلو لهم, فقد قال الزمن المتسارع للجميع كش ملك, فمات الوزير وضاع الجنود واخترقت القلعة وصهل الحصان مرات ومرات دون فائدة. انه زمن المعلومة, الا تسمع .. أقول زمنا متشابكا ومتواصلا ومكشوفا, لا وقت فيه للصناعة المتأنية ولا للسبق أو تسجيل الحقوق الفكرية, الكل صار مستنسخا, الوجوه, السيارات, قصات الشعر, الموسيقى, الالحان, الكلمات, الشعر, الفضائيات, المسلسلات, الكتب, الهوايات, والصحف ايضا. هناك من يتساءل اين السبق, أين التفرد, أين التميز, يبدو أن هؤلاء آتون من زمن قديم, زمن الشاي المصنوع على نار هادئة, زمن الهدوء, وراحة البال, زمن يصحو وينام على صوت رخيم ينادي بمساحة الارض الزاخرة بالكنوز (القلب يعشق كل جميل) . وحتى لا ادخل دون استئذان من الابواب المفتوحة على مصراعيها, أقف فأقرأ على روح ذاك الزمان الفاتحة, وأبدأ من جديد لعبة الزمن الحاضر فأتمعن في المشهد كما تمعن غيري من البشر, فالروس يستجدون المارة في الشوارع والمدن بحثا عن تبرعات تعيد المجد القديم لمحطة الفضاء الروسية (مير) التي طاردتها السنون وأصبح لزاما عليها أن تصبح اكثر حيوية وشبابا اذا ارادت ان تظل عاملة في مدارها, ويبدو أن الروس الذين عانوا كثيرا من تمزق الاتحاد السوفييتي وتفككه سيتركون مكانهم وانجازهم الفضائي لاخرين, وسيفرطون امام الضائقة المالية الخانقة سيفرطون في تاريخ يوري جاجارين, اول رجل يغزو مجال الفضاء, فقد اقلع جاجارين يوم 12 ابريل من العام 61 من قاعدة بيكونور عند الساعة التاسعة وسبع دقائق صباحا على متن صاروخ فوستوك وهبط في سميلوفكا, وما بين فترة الاقلاع والهبوط استطاع جاجارين الدوران حول الكوكب في مدار بيضاوي يتراوح ارتفاعه ما بين 175 إلى 327 كيلومترا, وبذلك سجل اسمه كأول من غزا الفضاء. واذا ما تركنا هؤلاء القوم الذين يتجرعون الاسى والحسرة على زمن التفرد والسبق وينظرون حولهم فلا يجدون الا بقايا صور وذكريات, وملايين الاطنان من المعدات الحربية التي تحولت إلى خردة للبيع, اذا ما تركناهم وابحرنا في سياق البحث عن اسرار جديدة لزمن مكشوف وقفنا اجباريا في بريطانيا, فقد اكتشف البريطانيون متأخرين جدا ان للشعراء دورا حيويا في انعاش النفوس المتعبة وانتشالها من همومها, فقد عينت محطات السكة الحديد شعراء جوالين وظيفتهم القاء الشعر للركاب, بالاضافة إلى نظم قصائد خاصة لهذا الغرض, وقد اثار هذا القرار حفيظة الشعراء والادباء الذين رأوا ان مثل هذا الامر يقلل من اهمية هذا الفن الذي عرفه الناس احساسا وجدانيا لا وظيفة وادعاء. المثير ان تلك الدول المتقدمة وجدت في الشعر وترا تعزف عليه, فقبل بريطانيا حاول الروس تسخير تأثير الشعراء في حملة التبرع التي قادها اعضاء من البرلمان الروسي بمعاونة كتاب وادباء ورواد فضاء لمحطة مير, وقبلهم جميعا طبقت احدى المقاطعات الالمانية فكرة مماثلة كان الشعر والشعراء هما المادة الاساسية فيها, حيث قام الشعراء بزيارات للسجناء, والقاء قصائد مختلفة في تظاهرة ثقافية تحت اسم (لا سجن مع الشعر) . ولا ندري ما الذي يحدث هنا, فبينما تتعاظم لغة الشعر وقامة الشعراء في اوروبا نجد اضمحلالا واضحا, يصل حد التلاشي في وطننا العربي الذي مازال مبهورا بكثرة الابواب والنوافذ المفتوحة. هل قلت ان الابواب مفتوحة على مصراعيها؟ يبدو كذلك فنحن مازلنا نبحر في زمن المعلومات ولا ندري اين الشاطىء!!