العولمة من أخطر القضايا التي تواجه العرب وتهدد كيانهم وهويتهم, ومع ذلك ينقسم الرأي حولها بين مؤيد لها ومعارض. ورفض العولمة لا يقتصر على العرب وحدهم فالفرنسيون يرفضونها أيضا . الأديب محيي الدين اللاذقاني يطرح رؤيته حول العولمة إيجابياتها وسلبياتها في حواره معنا. ويؤكد على أن العولمة حالة قائمة وليس هناك خيار إلا الدخول فيها والاستفادة من إيجابياتها والتقليل من سلبياتها. ويشير إلى أن الانعزال والتقوقع على الذات مرفوض في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات ويرى أن التعامل مع العولمة لا يعني استلاب شخصيتنا وهويتنا فلا يستلب إلا الضعفاء. كيف تنظرون إلى العولمة؟ وهل تمثل نهاية التاريخ كما يقال؟ ــ الصحيح أنها تمثل نهاية الجغرافيا وليس نهاية للتاريخ لأنه مع ثورة الاتصالات والمواصلات وطغيان وسائل الإعلام أصبح العالم قرية صغيرة كما يقال وأصبح كل شيء يصل إلى الإنسان داخل غرفة نومه. فكل الأمور صارت متصلة ومتواصلة أما بالنسبة لقضية الدخول في العولمة أو عدم الدخول فهذه مسألة ينبغي ألا تكون قائمة في الوقت الحالي.. وأنا أستغرب أن ترفض العولمة من جانب تيارات واسعة في العالمين العربي والإسلامي مع أن الإسلام هو حركة عولمة في الأساس.. حركة عولمة متطورة صهرت الأعراق والثقافات والشعوب واستطاع تقديم بوتقة جديدة وإقامة حضارة امتدت من الصين إلى قرطبة. ألا تعتقدون أن هذ ا الخوف له ما يبرره مثل الخوف على الحضارة والثقافة العربية والإسلامية؟ ــ الحضارات دائما تتبادل التأثير والتأثر يعني لا توجد حضارة كاملة فأوروبا تعترف الآن أنها في عصر النهضة لم يكن لديها أسس لبناء حضارتها غير الحضارة الأندلسية التي هي حضارة عربية إسلامية والحضارة الرومانية كانت تتهم في فترة من الفترات أنها تقلد الإغريق واليونان وكذلك الحضارة اليابانية كانت تتهم في عصر أسرة موتوا بأنها أصبحت صينية وهذا التلاقح بين الحضارات والثقافات أمر طبيعي.. ومن المعروف أن الانتصار في المجال السياسي لا يعني الانتصار في المجال الثقافي.. فالسياسات قد تنتصر لكن ثقافة الشعوب المغلوبة تواصل التأثير فبالرغم من انهزام العرب وخروجهم من الأندلس إلا أن الثقافة العربية بقيت تؤثر في أوروبا في صقلية وفرنسا وإيطاليا إلى أن تم بناء ثقافة أوروبية أيضا حينما انتصرت الدولة العربية في بلاد الشام على الروم استفاد العرب من آليات الدولة البيزنطية وحينما فتح العرب المسلمون فارس والصين لم يقوموا بقمع ثقافات تلك البلاد بل ظلت محتفظة بشخصياتها والدليل على ذلك قوة تأثير الثقافة الفارسية في عصر الدولة العباسية خاصة العصر العباسي الثاني وبالتالي لم يعد لنا الحق في أن نتحدث عن التفوق الأوروبي والتخوف من هذا التفوق والمطالبة بالانغلاق والتقوقع على الذات فالذي يتعصب للهوية يسيء إلى هويته بالدرجة الأولى ويمنع هويته الذاتية والقومية من الانفتاح على العالم ومن أن يكون لها بعد كوني ويمنعها أيضا من أن تتسابق على فضاءات أخرى جديدة. التعصب الفرنسي لكن هل التعصب للهوية قاصر على العرب والمسلمين دون الأمم الأخرى؟ ــ لا, التعصب ليس قاصرا على الهوية العربية وحدها فالهوية الفرنسية متعصبة جدا وبصورة أكبر, وهي تقاوم بها الهوية العربية التقليدية لكن هذا التعصب إذا فكرنا في الأمر أساء إلى فرنسا فمثلا عندما وقعت مذابح رواندا وكانت قبائل الهوتو تذبح أبناء التوتسي لدرجة أن فاضت بحيرة فيكتوريا بالدماء رأينا في باريس عاصمة النور من يدافع عن الهوتو الذين ارتكبوا هذه المجازر تعصبا للهوية, والتعصب للهوية يخلق أخطاء كثيرة في الدول ذات المجتمع المدني وذات المؤسسات القادرة على أن تتعامل مع تعدد الأعراق والعصبيات.. أما في الدول العربية فان مواجهة العصبية العنصرية تعد مسألة في غاية الصعوبة لأن مؤسسات المجتمع المدني في هذه الدول غير مكتملة وينقصها الكثير. ومواجهة ذلك يتطلب حركة انفتاح مثل اليابان التي انفتحت على الغرب في القرن الماضي. وكذلك مصر في عهد محمد علي باشا انفتحت على الغرب وفي هذه الفترة كانت مصر أكثر تقدما من اليابان لدرجة أن أرسلت الحكومة اليابانية بعثة إلى مصر للاستفادة من حضارتها ومكثت هذه البعثة ثلاث سنوات ثم عادت إلى بلادها وهي تحمل أفكارا جديدة.. أنظر الآن أين اليابان؟ وأين مصر والعرب؟ التراكم الحضاري إذا ما هو السلوك الأمثل الذي يجب أن نسلكه في هذا العصر من وجهة نظركم؟ ــ الحضارة الآن بناء متراكم هذا يبني ثم يأتي آخر ويكمل البناء وهكذا إلى أن يكتمل البناء أي مشكلتنا نحن أنه كلما جاءت أمة لعنت أختها وهدمت ما بنته ثم تبدأ هي من جديد وهكذا ننفي من سبقنا ونمحي أسماء أجدادنا من الكتب وكأن شيئا لم يكن.. العالم المعاصر ليس كذلك. نحن مطالبون بأن نستوعب هذه المعاني وان نتمثلها ونتفاعل معها في كل الظروف مثلما استفادت اليابان كما جاء على لسان المثقف الكبير (سمكوفاوا) : (نحن كنا نعرف أننا سوف نخرج من الأفاق الآسيوية لنزرع حضارتنا في أحشاء الغرب) وبالفعل تقدمت اليابان ولم تتغير عاداتها وتقاليدها.. والأسئلة التي تواجهنا في العالم العربي هي في غاية التعقيد مثل: هل النخب الفكرية الموجودة قادرة على قيادة تحولات ليبرالية وديمقراطية وهل الخيال السياسي العربي قادر على اتخاذ قرارات لتغيير الواقع جذريا؟ وهل نحن قادرون فعلا على توطين التكنولوجيا في الوطن العربي؟ وكيف استجبنا لتحدي الثقافة؟ نحن لا نزال نستورد ونفكر بعقلية الاستيراد ونتجاهل انه سوف يأتي مع التكنولوجيا أخلاقيات وقيم وهذا يمثل أخطارا كبيرة على مجتمعاتنا وهذه يجب التعامل معها بجدية.. ويجب الاعتراف بأن اتخاذ القرارات الصعبة هو مهمة المراحل الاستثنائية ونحن نعيش مرحلة استثنائية.. لكننا ـ للأسف ـ لم نتخذ قرارات صعبة بل سنواصل الكلام والشعارات ولن نحقق شيئا على صعيد التقدم. تهميش الثقافات من الأمور المثيرة للحيرة والدهشة التناقض الشديد بين الذين يطرحون العولمة كبديل تأخذ به الدول العربية نحو الإصلاح.. وبين الذين ينتقدونها ففريق يرى أن العولمة خير مطلق.. وفريق يرى أن العولمة شر مطلق.. فهل العولمة خير أم شر؟ ــ العولمة ليست شرا مطلقا وليست خيرا مطلقا ونحن نحذر من حالة سوف تصيب الشعوب الأقل اتصالا بالتكنولوجيا.. لأن وسائل الإعلام القوية سوف تهمش ثقافات كثيرة.. وهذا لن يحدث للعالم العربي وحده ولا يحدث للعالم الثالث وحده بل يحدث في قلب أمريكا.. ففي قلب أمريكا نجد أن فولكلور وموسيقى الأرياف تتراجع باستمرار ومؤسسة فورد بما عندها من مليارات وإمكانيات تحاول حماية هذا الفولكلور ولكنها لا تستطيع لأن هناك تغيرات هي من سنن الحياة وطبيعتها وهناك تغيرات يفرضها الغالب على المغلوب.. نحن نرفض التغيرات المفروضة من الغالب على المغلوب.. ونقر بالتغيرات الطبيعية التي تجرى في كل مجتمع.. فالعولمة حالة قائمة ويجب أن نتعامل معها ونحاول أن نقلص الأضرار إلى الحدود الدنيا وأن نرتفع بالإيجابيات إلى الحدود القصوى حتى تعيش شعوبنا نمطا تستحقه من الحياة فيه تعددية وحرية رأي وحقوق إنسان وغير ذلك. إذا كانت رسالة الإسلام منذ البداية رسالة عالمية وإذا كان الإسلام جاء وألغى التعصب والتمييز العرقي.. وإذا كانت القضية تطرح الآن بهذه الصورة في إطار العولمة فلماذا الخوف إذن؟ ــ هذا السؤال يحيرني إلى درجة كبيرة فنحن داخل الحالة ولا نستطيع الخروج منها وليس أمامنا إلا التعامل معها وعلينا أن نأخذ الجوانب الإيجابية وأن نقلل من الجوانب السلبية.. لكن لماذا نخاف؟ هل حينما خرج الإسلام كرسالة حضارية إلى آسيا وأفريقيا وغيرهما من المناطق البعيدة هل قال المسلمون الأوائل ان هؤلاء يختلفون عنا لغة وعرقا ولن نضيع وقتنا معهم.. الإسلام روحه حضارية ومنفتحة وكافة التحولات التي أحدثها الإسلام نبعت من حس بالعولمة وحس كوني فالإسلام جاء للناس جميعا ولم يأت للعرب أو الفرس أو الأتراك وحدهم والثقافة العربية والإسلامية تساعد على فهم الحالة الكونية.. فلماذا حينما وصلت إلينا الكونية بدأنا بالتعصب والانغلاق ولم نعد نتعامل مع هذه الحالة بالعقلية الاسلامية الجسورة التي اقتحمت العالم شرقا وغربا وكانت قادرة على التفاعل والتأثير؟ أظن أن المفكر العربي المسلم يخاف من الآخر ويخاف من محو الهوية العربية الاسلامية لكن لا أظن أن العولمة جاءت لتمحو الهوية إنما أتت لتعاضد صياغة التباين بين الثقافات والهويات الحضارية لأن الجانب الغالب الآن في الساحة السياسية هو الغرب وهذا الغرب معظم أنظمته تعددية وهي مع حقوق الإنسان ومع حقوق الأقليات ومع حماية الفولكلور المحلي فلماذا الخوف إذن؟ نحن ندعو إلى التحرر من قشرة الخوف وكسرها والخروج بجسارة وجرأة إلى العالم. مراجعة شاملة ألا ترون أن هذا الخوف ناتج عن الانقطاع عن التراث وعدم التواصل معه من ناحية وعن الخضوع كلية للفكر الغربي والحضارة الغربية من ناحية أخرى؟ ــ المسألة ليست في الانقطاع عن التراث أو الخضوع للفكر الغربي. واعتقد أن تراثنا العربي يحتاج إلى مراجعة شاملة وقد قمت بهذه المراجعة في بعض كتبي مثل: (ثلاثية الحلم القرمطي) و(عكس التيار) و(الشعر وروح المكان) فليس كل التراث مقدسا ونحن نتكلم عن التراث البشري.. القرآن مقدس والحديث النبوي مقدس أما ما عدا ذلك فهو قابل للاجتهاد والمراجعة وتبادل وجهات النظر حوله فالتراث العربي يحتاج إلى غربلة وتصفية كبيرة وإلقاء قسم كبير من هذا التراث وإهماله والاستفادة من الجوانب الحيوية فيه.. للأسف نحن لم نقم بهذه الغربلة في حين قام بها اليابانيون حينما استفادوا وتفاعلوا مع الغرب فقد ألقوا بجزء كبير من تراثهم لما حسبوا أنه عبء معوق. فالتراث لا يؤخذ كاملا.. فكل هذه الكتب المكتوبة في مديح القضاة والسلاطين وأشعار المدح للخلفاء لماذا نحافظ عليها؟ لم يعد هناك مبرر للاحتفاظ بها. وإذا قمنا بغربلة حقيقية للتراث سوف نكتشف أن التراث الإسلامي يشجع على هذه الروح العالمية ويشجع هذه الجسارة العقلية ويدفعنا دفعا في اتجاه الفعل في سبيل تغيير وجه العالم والكون.. فالإسلام حضارة دينامية وهو يقف دائما مع الجديد والمتغير مع الإقرار بالثوابت إذن في الهوامش نستطيع أن نتحاور وليس لأحد سلطة على أحد. وماذا بالنسبة للشق الثاني من السؤال الخاص بالخضوع للحضارة الغربية؟ ــ فيما يتعلق بالهيمنة الغربية من الطبيعي أن أية قوة جاذبة لها سيادة وقوة جذب للحضارات الأقل وحضارات الأطراف.. لكن إذا كنا مسلحين بالتراث وبالقيم فان الحضارة والثقافة الغربية سوف تساهم في تكويننا وتمنحنا قوة إضافية ولا تستلبنا.. فعلى سبيل المثال أنا أقيم في لندن منذ ربع قرن تقريبا ومع ذلك كتاباتي ومؤلفاتي في التراث العربي أكثر من كتابات أي كاتب مقيم في الوطن العربي.. وآخر هذه المؤلفات صدر في مطلع هذا العام بعنوان: آباء الحداثة العربية وهو مدخل إلى عالم الجاحظ وأبي حيان والحلاج وهذا الكتاب له جزء آخر سوف يصدر قريبا وكتاب آخر بعنوان: مقاربة شعرية للشعر الجاهلي.. وقد قمت برحلة إلى مواطن الشعراء العرب في قلب الجزيرة العربية وتتبعت مواقع الحطيئة والأعشى وجرير وخرجت بمجموعة انطباعات لأعرف ماذا تبقى من روح المكان؟ وذهبت إلى الأندلس لأعرف ماذا تبقى من روح ولادة وابن زيدون في قرطبة؟ فالبقاء في الغرب والاستغراق في الثقافة الغربية لا يعني أننا سنكون مستلبين لهذا الغرب وإنما نستطيع الحفاظ على شخصياتنا واستقلاليتنا. نحن في العالم العربي في منزلة بين منزلتين بين أنصار التراث وهؤلاء يرون أننا في أزمة ويحاول حلها بأسلوبهم.. وبين أنصار التغريب وهؤلاء أيضا يرون أن العرب يعيشون أزمة ويريدون حلها بأسلوبهم.. كيف نستطيع التوفيق بين الفريقين إذا كان الهدف واحد وهو الخروج من الأزمة؟ ولماذا الخلاف بين الفريقين؟ ــ لا تغريب ولا استلاب أو قوقعة داخل التراث.. الموقف العلمي والثقافي والحضاري الدقيق هو الاستفادة من التيارات المتنورة داخل التراث والاستفادة من الصياغة الغربية المتقدمة للتعامل مع التكنولوجيا والخروج من هاتين الصياغتين بصيغة تحافظ على الشخصية العربية والبشر يخافون دائما من المحو والإلغاء والشخصية لا تلغى لأن أعمق شعور في نفس الإنسان هو التميز عن الآخرين.. وطالما هذا الشعور موجود في داخل نفس الإنسان فلن يستطيع أحد أن يمحوه أو يستلبه.. ولا أدري لماذا نكثر على أنفسنا دائما بالأسئلة الصعبة التغريب أم التراث؟ فنحن في حاجة إلى تراث وتغريب في وقت واحد وصيغة جديدة تجمع أجمل ما في الكون. اللاذقاني في سطور شاعر وناقد سوري مقيم في لندن. عمل رئيسا للإدارة الثقافية لجريدة الشرق الأوسط وأستاذا زائرا في بعض الجامعات العربية والعالمية له أعمال شعرية عديدة منها: انتحار أيوب و أ غنية خارج السرب ومن كان حزينا فليتبعني وهو آخر ديوان صدر له في القاهرة.. وله أيضا كتب نقدية عديدة منها : ثلاثية الحلم القرمطي وعكس التيار ومشاغبات ثقافية معاصرة والصورة والخيال عن الشعر وروح المكان وآباء الحداثة العربية. له مسرحية بعنوان: (الحمام لا يحب الفوديكا) وله عمود في جريدة الشرق الأوسط بعنوان: (طواحين الكلام) وقد انتقل هذا العمود بين عدة صحف بالعنوان نفسه إلى أن استقر في جريدة الشرق الأوسط. حوار: أحمد عطية