بداية الاسبوع: اجمل لحظة في هذا الوجود هي لحظة ميلاد طفل جديد, واحزن اللحظات هي ان تفرح بهذا الطفل, تحلم به, تنتظر فيه المستقبل, فيغادرك هذا الطفل قبل ان يأتي الغد , ويكتمل الحلم, يرحل عنك فجأة يأخذه الموت من بيت احلامك وحنانك وخوفك عليه من صغائر الشر والمرض تجد نفسك لأول مرة وطول العمر من غير طفلك. اسبوع طويل حزين, تتمناه لو لم يأت او تمتسح صورته من ذاكرة القلوب, القلوب التي اتعبها نبأ وفاة طفل صغير للأخ الصديق علي احمد سيف. امر الموت حق واجب التصديق والايمان به, وانتظاره في كل زمان وكل لحظة, لكنه عندما يأتي صدمة, في الظلام, ويفجعك في صورته المأساوية, يكون وقعه اشد الا انك امامه لا تملك الا الصبر الجميل. حكمة الله ان يأتي هكذا, ان يبتلي, يعطي ويأخذ. تطمئن نفسك ان من رحل طفلا صغيراً لم يذق من هذه الفانية ويلاتها ولم تلوثه بصغائرها, وانه عمل صالح, يشفع لك, ويدعو لك يرحمه الله. منتصف الاسبوع: اذا رغب جيل اليوم ان يعرف لماذا يصف التاريخ الشفهي جيل الآباء والاجداد الذين عاشوا على هذه الارض انهم عظماء, وانهم (سر) التطور والنعيم الذي نعيشه اليوم, اذا رغب هذا الجيل ان يعرف بعض صفات اولئك الاوائل, عليه ان يغلق اجهزة التكييف في الصباح الباكر او عندما تقترب شمس الظهيرة, ويحاول ان يمشي أو يصطنع عملاً ما في بستان النخيل أو على ساحل البحر. يحاول ان يكون (طبيعيا) من غير رفاهية العصر, ليوم واحد فقط في تضاريس بلده في مثل هذا الشهر الملتهب أو حتى في الشهور المعتدلة. لو جرب يوماً واحداً من عمر طويل عريض عاشه الأوائل في هذه البقعة, لعرف السر في وصف العظماء وصنيعهم. في هذه الأيام الحارقة, يزداد خير هذه الأرض تجود وتبدع, تنسي لهيبها وتتحول إلى خير المواسم: رطب ألوان وأصناف و(همبا) وليمون. هذا المشهور والمعروف منها, وفيها أنواع أخرى تجدها كلما توغلت في الداخل. منتصف هذا الأسبوع زرت الداخل, أبحث عن رائحة لا أجدها في المدن الأسمنتية, رائحة الأرض, ووجهها في أهلها البسطاء. غريب ان تكون الجبال باردة, وللتراب رائحة مميزة وسط هذه الرمضاء, ومؤشر الحرارة الذي لا يتحرك إلا إلى الأعلى. منظر صناديق الرطب والمانجا والخضروات على امتداد طرق المناطق الجبلية, يشعرك بالحياة والناس وضرورة التعمق أكثر في الداخل. الذيد ومسافي وفلج المعلا كانت في زمن أجمل المصايف, اليوم أصبحت أطلالا, جفت آبارها وعيونها وتهاوت هامات نخيلها وأشجار المانجا فيها والتي عمرت عشرات السنين, يبست وتقطعت عروق الحياة فيها, وقررت ان تذبل وتموت. معقول ان نفقد هذه الثروة, والتاريخ الطويل, الجميل... هكذا؟! هذا هو الواقع, للأسف! نهاية الأسبوع: سنة العمل الطويلة وموسم جديد حافل بالعمل, يحتاج ان تأخذ بينهما استراحة قصيرة, ان تغير أماكن ووجوهاً, تسافر, تزور بقعة جديدة من بلاد الله, تحزم حقائبك, وتستعد للرحلة.