أنا خريج مدرسة الغوص وأبناء جيلي صنعوا سفنهم بأيديهم، لم نعرف مشاكل العنوسة والبطالة ولم يكن في الفريج فقير واحد، زايد الخير منح أبناء الامارات المجد والمال والعزة، لا أدري لماذا يرفض أبناء اليوم العمل اليدوي ؟ (انا خريج مدرسة الغوص) بتلك الكلمات القوية بدأ الشيبة الوالد عيد سعيد المحيربي يروي لنا ذكرياته عبر السنين الطويلة عن عالم الغوص واسرار نجاح حياة الامس في خلق جيل من الرجال استطاع ان يتغلب على الصعاب ويقهر المستحيل. ويبدأ الشيبة في استعراض شريط ذكرياته ويقول: نعم انا تخرجت من تلك المدرسة التي صنعت ابطالاً كانوا يمارسون مهنة الغوص الشاقة فهذا الغواص الذي يسمع عنه احفادي وابنائي لا يعلمون كيف عانى من المشاق وكيف قهر الصعاب ولا يتصورون كم كان يحتاج الارادة الصلبة والعزيمة القوية المؤمنة والاجساد الشابة لكي يقوم بالغوص في اعماق الهيرات والمغاصات عدة ساعات يومياً, يغوص بها مرة او مرتين ويستمر تحت الماء دقائق يبحث في القاع عن رزقه ورزق اولاده ويحاول مرة وثانية وثالثة حتى يوفقه الله في الحصول على لآلىء بسيطة يشترك معه كثيرون في اقتسام رزقها. ويضيف: نعم جيل الغوص كان جيلاً عملاقاً في اخلاقه مؤمناً بالله الواحد الاحد كان الواحد منا يرى مصرع (ربيعه) ورفيق عمره هناك في الهيرات حيث يقوم بالغوص تحت الماء وهو في قاع البحر او المنتصف ويخرج وهو غيبوبة تامة او يقع فريسة لجراجير البحر وكانوا يصلون عليه ويكملون رحلة الغوص. ويقول: ان اهم ما كان يميز مدرسة الغوص ان المحامل والادوات وكل صناعة الغوص كانت من صنع اهل (الديرة) ويستدرك قائلاً: الخشب للمحامل بعضه كان يستورد من الهند اما الصناعة فهي من قبل ابناء الامارات. ويضيف: ان محملاً واحداً او سفينة مما كان يصنعها القلاليف ايام زمان كانت بمثابة انجاز هام لجيلنا ومن الاشياء التي يفتخرون بها في مجالسهم اليوم مجالس الشواب. ويضيف: ان هذه القيم النبيلة لا يعرفها أبناء اليوم الذين يريدون العيش المرفه السهل البعيد عن خوض الصعاب. ويتساءل: لماذا يكره ابناء اليوم العمل اليدوي سواء كانوا ذكوراً ام اناثاً. ويقول: ان مدرسة الغوص علمتنا ألا نتكبر على العلم ولا نكره العمل اليدوي فأيام زمان كان من الطبيعي ان يرى ابناء الفريج الواحد يعملون ويكدون من ناتج ايديهم فهذا يعمل في مهنة القلافة او بناء السفن وذلك مع الغيصة يذهب مع النواخذة والاخر يشترك مع محامل التجار التي تجوب البحار وتذهب الى الخليج والهند وزنجبار وغيرها. ويضيف: حتى نساء الامس كن يعملن من كد ايديهن فكان نساء البادية يشتغلن اشغال الصوف وينسجن الاشغال الصوفية ومن اشهرها انتشاراً الادوات التي يستعملها البدو للجمال وهي (الخناقة) و(الخطام) و(الشواد) . عالم الغوص ويتحدث الشيبة الوالد عيد سعيد المحيربي عن عالم الغوص في حياة الامس ويقول: كان موسم الغوص يبدأ عادة في الوقت الذي تصبح فيه مياه الخليج تميل الى الدفء وكان الموسم يستمر لمدة اربعة شهور حتى دخول الشتاء. ويضيف: وكان الموعد يختلف من سنة الى اخرى وخاصة اذا دخل رمضان في موسم الغوص او الفصل الحار ففي هذه الحالة يتأخر ذهاب السفن الى عرض البحر حتى انتهاء هذا الشهر الكريم حيث كانت الرحلات في الغالب تمتد ابتداء من نهاية شهر مايو حتى اواخر سبتمبر. ويقول: وكان التحضير لرحلات الغوص ذاتها يتطلب ترتيبات تبدأ على الشاطىء حيث يجري اعداد المراكب للرحلة ودهانها (بزيت الحوت) ويبدأ بعد ذلك اعداد ادوات الغوص وتزويد المراكب بانواع مختلفة من الحبال والاوعية اللازمة والمجاديف وغيرها. ويضيف: كما كان يجري تزويد السفينة بالماء والزاد الكافي لغذاء العاملين في المركب اثناء الرحلة ويوضح ان السفن التي كانت تستعمل في الغوص (سنبوك وصمعا وجالبوت) وعندما ينتهي تجهيز السفينة كان النوخذة يعطي الاجور للرجال الذين يشاركون برحلة الغوص حيث يقضي (الغواص) وكافة المشاركين بالرحلة الايام الباقية قبل انطلاق السفينة في تنظيم اللهو والمرح. وسألناه: هل كان النوخذة يعلن عن قيام رحلة غوص؟ ويقول: نعم كان النواخذة يعلنون عن قيام رحلات الغوص ويتقدم الراغبون من الغواصين في المشاركة ويوقع معهم النواخذة (يروه) وهو عقد بينه وبينهم ويعطيهم بعض المال لشراء احتياجاتهم واحتياجات عائلاتهم وما يكفيها حتى يعود من الغوص. ويقول: وكان الغواصون يستعدون للرحيل ويطلبون من زوجاتهم اعداد العدة, والزوجات يقمن بتوفير ما يحتاج اليه ازواجهن في رحلتهم الطويلة وعندما تحين ساعة الرحيل يرتفع على المركب علم اسود يطلقون عليه النوف ويكون اشارة البدء لخروج المركب وتخرج الديرة صغيرها وكبيرها لوداع السفينة والدعاء للغواصين والنواخذة بسلامة العودة. وكان هناك بعض النواخذة المشهورين بالكرم حيث يقومون بتوزيع بعض المال على المودعين للتفاؤل والاستبشار. ونستوقف الشيبة عيد المحيربي ونسأله: كم غواصاً كان يذهب مع كل نوخذة؟ ويقول: عادة يذهب عشرون غواصاً ويكون هناك عدد مماثل لهم حتى اذا مرض او تعب واحد من الاساسيين تقدم اخر ليحل مكانه كما كان مع النوخذة كذلك عشرون من السيب. وسألناه: من هو (السيب) ويقول: السيب مساعد الغواص وكذلك للنوخذة مساعد يسمى (المقدمي) ويتنهد الشيبة عيد المحيربي ويقول: مع كل أذان فجر اتذكر ان ساعة هذا الاذان المبارك كان يستيقظ جميع من على ظهر سفينة الغوص بمن فيهم النوخذة اي ربان السفينة للصلاة ويتناولون التمر والقهوة العربية وبعد طلوع الشمس يبدأ الجميع في الاستعداد للعمل. ويستعيد شريط ذكرياته ويحكى كيف كانت تتم عملية الغوص ويقول: كان الغواص ينزل من السفينة ويظل على سطح الماء ويضع على انفه (الغطام) وهو اداه تشبه الملقاط ليمنع التنفس او دخول الماء الى الانف وعند خروج الغواص من الماء يرفع الغطام حتى يستطيع التنفس وعند نزول الغواص الى القاع يربط في احدى رجليه الحصاة وهي عبارة عن حجر او رصاص وزنه يتراوح بين عشرة واربعة عشر رطلاً لتسرع به في النزول الى القاع فاذا وصل نزعها من رجله ليسحبها السيب بواسطة الحبل المسمى (الزبين) ويصحب الغواص معه (الديين) وهو عبارة عن السلة المصنوعة من حبال (الكمبار) او القطن وبها (علقة) يضعها (الغواص) في عنقه ليجمع فيها المحار ويكون الغواص مربوطاً من وسطه بحبل يسمى الجداء او اليدا والسيب يمسك به من الماء عندما تصله اشارته وذلك بهز (اليدا) . ثم يقوم الغواص باقتلاع المحار ويضعه في الديين ويمشي على يديه في القاع تاركاً رجليه مرفوعتين لاعلى واذا امتلأ الديين او تضايق نفس الغواص (نبى) اي هز الجداء برجله حتى يسحبه السيب ولا تزيد فترة بقاء الغواص تحت الماء عن دقيقة او دقيقتين ويطلق على كل مرة ينزل فيها الغواص الى القاع (تبه) ويبقى الغواص مستمرا بعمله الى غروب الشمس. مخاطر الغوص وتبدأ نبرة الشجن في صوت الوالد الشيبة عيد المحيربي وهو يحكي عن المخاطر التي تتعرض لها الغيصة ايام زمان ويقول: ابناء جيلي تعرضوا للكثير من مخاطر الغوص فقد كان الغواص يتعرض لتيار البحر الجارف واخطار مهاجمة سمك القرش له ولذلك كان بالسفينة او (المحمل) أدوية وعلاج طبي عشبي وكنا اذا عجزنا من علاج المصاب او المريض يقرأ عليه (المطوع) القرآن الكريم والادعية المأثورة حتى يكتب الله له الشفاء. ويضيف: كان الغيصة يتبعون عدة حيل للهروب من سمك القرش (الجرجور) . ومن هذه الحيل ان يقوم الغواص بالالتصاق بالقاع حتى يمر الجرجور دون ان يراه وفي هذه الحالة كان يحاول ألا يستمر وقتاً طويلاً بالماء حتى لا يتعرض للموت والاختناق. وكذلك من الحيل الاخرى للهروب من الجرجور هي القاء بعض الحجارة في طريقه لينشغل بها حتى يجد الغواص الفرصة السانحة للصعود الى (المحمل) . ويضيف: ومن المخاطر الاخرى التي كان يتعرض لها الغيصة هي مهاجمة (الرماي) له وهو عبارة عن حيوان بحري له شوك غليظ ويضرب الغواصين بشوكه وكذلك هجوم (الدول) على الغيصة وايضاً اللحمة والدجاجة وفرس البحر. وسألناه: ما هي صفات الغواص؟ ويقول: ان اهم صفة من صفات الغيصة هي قوة التحمل والقدرة على تحمل البحر و(اهواله) وقد كان للغواص القوي المتمكن مكانة طيبة بين زملائه ويطلقون عليه (الجرجور) وكان امثال هؤلاء الغواصين محط انظار النواخذة ويتنافسون ويحاولون اغراءهم وشراءهم بأجر اكبر. ونستوقفه: كم كانت اجرة الغواص؟ ويقول: اجر الغواص كان كيسا من الارز وكيسا من السكر وحفنة من القهوة ومئة روبية يتركها لزوجته واطفاله قبل الرحيل والذهاب برحلة الغوص. ويقول: لقد كان للغواص في مجتمع عالم اللؤلؤ مكانة كبيرة فقد كان يقوم بأصعب الاعمال وكان يلقى نتيجة لذلك من الناس هيبة واحتراماً كبيرين. وسألناه ما هي ادوات الغوص؟ ويقول: كان رجال الغوص يستعملون ادوات خاصة مصنوعة بالكامل يدوياً, محلياً واشتهرت اسر معينة بتلك الصناعات ومن هذه الادوات. الخطام وهو يشبه مشبك الغسيل الذي يستعمل اليوم ويثبته الغواص على انفه عندما ينزل الى البحر ليمنع تسرب المياه الى انفه و(الخبط) وهو عبارة عن قفاز من الجلد لحماية اصابع اليد اثناء التقاط المحار و(الديين) (وهي سلة مصنوعة من الخيوط القطنية لجمع المحار والزبين وهو حبل تربط فيه حصاة من الحجر او الرصاص وهي ثقيلة و(الجداء) وهو حبل يربطه الغواص الى وسطه لرفعه عند الانتهاء والشمشول وهو عبارة عن لباس اسود يلبسه الغواص عند نزوله البحر. مدرسة الغوص ويقترح الوالد عيد المحيربي ان يدرس المسؤولون بالدولة اقتراحاً لانشاء نادٍ تراثي خاص بعالم الغوص او مدرسة الغوص حيث يتم اشراك الاحفاد الصغار به مجاناً في فصل الصيف ابتداء من بلوغ الصبي الثالثة عشرة وذلك حتى يظل مرتبطاً بماضي آبائه واجداده ويقول: ان اقتراحي ليس غريباً ولكن الغريب ان ينشأ جيل جديد لا يعلم شيئاً عن ماضيه ولا يعرف ماضي بلده ومجتمعه فلا يستطيع ان يسلك طريق حياته بشخصيته العربية الاسلامية الاصيلة. ويضيف: يجب ان يتعلم الجيل الصاعد كيف عاش آباؤهم واجدادهم وكيف عانوا كثيراً وهم يأكلون من كدهم فجيل اليوم يريد السهل والحصول على المال وهو مستريح او عندما يبذل اقل جهد في عمل وظيفي, فلم يعرف خوض الهيرات واخطار المغاصات والبحث عن الرزق بشق الانفس. ويقول: الغوص مدرسة العمل اليدوي الذي يكره شباب اليوم مجرد الحديث عنه ويريد الوظيفة ذات الوجاهة الاجتماعية فحسب فالكل يريد ان يكون نوخذة اي رئيس وهذا غريب!! ولا يعلمون ان النواخذة ايام زمان كانوا يتمتعون بصفات عالية واخلاق رفيعة. اخلاق النوخذة ونستوقفه بالسؤال ما هي اخلاق وصفات النواخذة ايام زمان ويقول: النوخذة او ربان السفينة او (المحمل) هو صاحب الامر والنهي على ظهرها وهو الحاكم والقاضي اذا تطلب الامر فقبل ان يكون صاحب المحمل او حتى النوخذة الذي يقوده الى الهيرات فهو والد لاسرة الغوص المكونة من الغيصة (الغواصين) و(السيب) وهي وظيفة من يقوم بسحب وانزال الغواص الى القاع. ويضيف: لقد كانت هناك شروط يجب ان تتوفر بالنوخذة فلابد ان يكون ممن عملوا لفترة طويلة في مجال الغوص وعلى علم ودراية بمكان الهيرات وعلم النجوم وتحديد السير ولابد ان تكون شخصيته قوية حتى يستطيع السيطرة على الجميع ممن يعملون معه. ويوضح أنه حتى نائب النوخذة (القعدي) كما كانوا يطلقون عليه ايام زمان كان لابد ان يكون له نفس الصفات والاخلاق العالية وأهمها كتمان الاسرار وبل له نفس الشخصية القيادية للنوخذة حتى يستطيع السيطرة على البحارة. الزواج ايام زمان يسكت الوالد عيد المحيربي هنيهة ويترامى الى اسماعنا اهازيج واصوات العيالة لاحد الأفراح بمنطقة المحاربة الجديدة بأبوظبي ورغبت ان انعش ذاكرته وأمضي معه في قطار الذكريات حيث رأيته شارداً مع الأصوات الصادرة من العرس وسألته: هل كان الزواج ايام زمان مكلفاً وشاقاً؟ بعد لحظات من الصمت يقلب فيها اوراق ذاكرته ويغوص في سنوات عمره يقول: يا ولدي حياتنا بالامس كانت بسيطة لا يوجد بها مشاكل رغم قلة المال حيث كانت هناك قناعة وحب وتعاون فأهل الفريج لم يعرفوا مشكلة العنوسة او غلاء المهور فالعروس لا يتجاوز مهرها روبيات قليلة وتكاليف بناء العريش والذهيبة والشيلة وليلة العرس بسيطة. ويضيف: ولكن يا بني عندما كثر الخير وزاد وفتح ابناؤنا اعينهم على الحياة السهلة التي لا مشقة بها بدأت امور الزواج تصبح صعبة وعسيرة فالمهر الذي تطلبه العروس او اهلها كبير, وبنات اليوم يرغبن بالمزيد ولا يقتنعن بالقليل والبنات قبل الاولاد بحاجة الى توعية. ويشيد الوالد بجهود مؤسسة صندوق الزواج في توعية الشباب بأهمية تخفيض تكاليف الزواج وبناء اسر مستقرة والبعد عن الاسراف والمباهاة في كافة مظاهر الحياة. مجالس الفريج ويتحدث الوالد عيد المحيربي عن مظاهر الحياة الاجتماعية بالفريج ايام زمان ويقول: أهل الفريج كانوا يداً واحدة وكان مجلس الفريج يضم الغني والفقير ولم نعرف مشاكل اليوم. فلم تكن هناك مشاكل اجتماعية ولم يطلب أحد المال ابداً ويمنعه المقتدر عنه, هذه الروح المتعاونة لا تجدها اليوم خاصة في الاجيال التي تربت على الغالي ولم تعرف بعد قيمة كسب المال بالجهد والمشقة. زايد الخير ونتوقف مع الشيبة عيد المحيربي في آخر محطات ذكرياته ونسأله: كيف تغيرت احوال الديرة والبيت الاماراتي بعد استلام صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مقاليد الحكم بالبلاد؟ ويجيبنا بكلمات بسيطة: والدنا العظيم صاحب السمو الشيخ زايد منح ابناءه المجد والمال والعزة ووفر لهم كل شيء فهو زايد الخير الذي اجرى الله على يديه كل النعم التي يتمتع المواطنون بها اليوم.