الأحد: باريس، تبدو باريس رمادية يوم الأحد, شوارعها شبه خالية, متاجرها مغلقة, المقاهي التي تكسبها حيوية إما مغلقة أو يرتادها عدد محدود من الزبائن, تزداد الوحدة في المناطق التي لا يرتادها السياح, حتى أن بعض الشوارع الصغيرة تخلو تماما من المارة . توقفت عربة الأجرة أمام الفندق الصغير, قديم الواجهة, حديث المضمون, اعتدت مثل هذه اللحظات الانتقالية ودائما عندي رغبة في تجاوزها بسرعة أن اصل إلى محل إقامتي, أن استقر وأفتح حقيبتي وأرتب حاجاتي فالإنسان يكون ضعيفا خلال مراحل الانتقال, متوقعا المجهول. الفندق يحمل اسم أثر شهير في فرنسا (كاتدرائية نوتردام) التي منحها فيكتور هوجو خلودا أدبيا بروايته الجميلة (أحدب نوتردام) , الفندق مصنف بنجمتين, الغرفة بسيطة, نظيفة شأن الفنادق كلها هنا حتى لو كان نجمة واحدة, مزودة بتلفزيون, وتطل على شارع هادئ, شارع مالطة, يؤدي عند نهايته إلى ميدان الجمهورية, تطلعت من النافذة لأرى ما سأتأمله خلال الأيام المقبلة, على الرصيف المقابل مطعم لبناني, ورغم الإرهاق آثرت التجول في الشوارع القريبة, لاحظت الوجود العربي الواضح, محلات بقالة أصحابها جزائريون أو مغاربة, ربما لأننا على مقربة من منطقة بلفيل, الحي القديم الفقير الذي شهد أحداث ثورة 1898 في القرن الماضي. السماء رمادية, والطقس غير مستقر رغم شهر يوليو, ربما يمطر فجأة مع ارتفاع نسبة الرطوبة مما لا يزيد الإحساس بالحر, اتصل بي اتيان جالان أحد المسؤولين بمؤسسة شارل مايور التي جئت ضيفا عليها, أخبرني أنه سيأتي في المساء يصحبني إلى مطعم فرنسي قديم في الباستيل, ثم اتصل بي الدكتور العربي بوقرة (تونسي) قال انه ذهب إلى المطار ليصحبني, لكن مكان نزول الطائرة تبدل, وخروجنا تأخر, قلت ان هذا حقيقي, فالمطار كان مزدحما جدا, وربما كان ذلك سببه يوم الأحد حيث يخرج كثيرون إلى أيام العطلة. أمضيت العصر في مراجعة أوراق المؤتمر الذي جئت من اجله. الماء من اخطر المشاكل التي سيواجهها البشر في القرن المقبل مشكلة الماء العذب, عبر السنوات الماضية قرأت كثيرا عن شح الماء ومحدودية كمياته وتزايد الحاجة إليه مع الزيادة البشرية, أقلقني فيضان النيل خاصة في سنوات النقص, أنني انتمي إلى بلد يعد واحة كبرى أساس وجودها نهر النيل, ومما يؤرقني ما أقرأه عن تغيرات مناخية خلال القرون المقبلة قد تؤثر على نصيب مصر من المياه, ما ألاحظه خلال السنوات الأخيرة تزايد الاهتمام بالمياه وما يتعلق بها, وهذا المؤتمر جزء من الاهتمام المتصاعد, يعد الثاني في إطار مؤسسة شارل مايور, الأول عقد في بيروت, أكتوبر من العام الماضي, وحالت ظروفي دون حضوره, قام بتغطية أعماله الزميل ايهاب فتحي لكنني هذه المرة لا أجيء بصفتي الصحفية فقط إنما مشارك في الكتاب الذي ستصدره المؤسسة عن الماء, وبالتحديد عن الماء في الثقافة العربية خاصة والشعبية. ماذا عن مؤسسة شارل مايور المهتمة؟ في العام الماضي صدر في القاهرة كتاب بعنوان المهمة الممكنة عن دار المستقبل العربي ترجمة د. سمير غبور, عرضنا له في أخبار الأدب تأليف بيير كالام مدير عام المؤسسة يقول ادجار بيزاني في تقديمه: ان مؤلف الكتب بيير كالام مناضل بحق من اجل تقدم البشرية, وهو يرأس مؤسسة لا تهدف إلى الربح وتتخذ من هذا الهدف عملا لها, ولقد اسهم المؤلف في عدة مجالات في بلده فرنسا تتراوح بين إنهاض إقليم متخلف من عثرته إلى إعداد الخطة الخمسية للدولة, إلى محاولة نقل التكنولوجيا لبلدان العالم الثالث إلى محاولة تحويل الصناعات العسكرية إلى مدنية وهو يعمل الآن في خدمة الغرض الرئيسي للمؤسسة تقدم الإنسان عن طريق إصدار الكتب وعقد المؤتمرات للساسة ولرجال الأعمال وللطلاب ولغيرهم من فئات المجتمع حتى تتفاهم فيما بينها. الماء, موضوع رئيسي الآن من أنشطة المؤسسة, ماذا عن المؤسسة نفسها, يعود إنشاؤها إلى شارل بوبولد ماير (1881: 1971 ) الفرنسي الجنسية السويسري الايرلندي الأصل, كان عالما كيميائيا وإحصائيا في الشؤون المالية وفيلسوفا وباحثا ومنشغلا بالأعمال الخيرية, جمع الرجل ثروة, أوقفها على هدف عام يتلخص في تقدم الإنسانية ومنه انبعثت هذه المؤسسة التي تتلخص رسالتها في: (تمويل أبحاث وأعمال تساهم بصفة جدية ومجددة في تقدم الإنسان وتطوير المجتمع بواسطة الوسائل العلمية) المؤسسة مسجلة في سويسرا, ولها مقر في باريس يقع بالقرب من ميدان الباستيل, مبنى حديث يتكون من عدة طوابق, ويضم مكتبة عامة وقاعات بحث, وفيه جرت الاجتماعات المتواصلة من اجل الماء. في الموعد المحدد نزلت إلى مكتب الاستقبال, جاء اتيان جالان وهو شاب نشط في الثلاثينات, سعدت برؤية روائي فرنسي يعمل بالمؤسسة, صديق عزيز زارني في القاهرة وتعرفت عليه عن قرب, وهو ميشيل سوكيه, عند مدخل الفندق أتيح لي أن أرى الزملاء الذين جاءوا من اجل الماء. فريق العمل من ماليزيا جاء نجا ونج مثان خبير معالجة المياه ذو ملامح صينية, أستاذ بجامعة ماليزيا, من لبنان مصطفى مروه الأستاذ بجامعة بيروت وعضو مركز الأبحاث متخصص في أبحاث الماء, من لبنان أيضا جاء جوزيف أبو عقل مدير وصاحب دار الفارابي الشهيرة التي قدمت للمكتبة العربية ستة آلاف عنوان, وتتبع الحزب الشيوعي اللبناني, سعدت بالتعرف إلى مديرها الذي سيصدر الترجمة العربية من الكتاب, تحدثنا طويلا عن شجون النشر وتراجع توزيع الكتب وقلة الإقبال على القراءة, كان هناك ممثلون لدور نشر أخرى من فرنسا كاترين إليه, دار نشر إليه العريقة, ستصدر الطبعة الفرنسية, ومن استراليا توني مور مدير بلوتو للنشر, ومن لندن روبرت مولتينو مدير زد بوك وسيصدر الطبعة الإنجليزية, عاش في أفريقيا سنوات طويلة خبير بها ولديه أفكار لامعة عن مشكلة المياه, من تونس عبد الله شريف أستاذ الجغرافيا بجامعة منوبة, غزير العلم والإحاطة معجب ودارس للعلامة المصري جمال حمدان, من مؤسسة شارل مايور شارك بجهد هائل ميشيل سوكيه المسؤول عن شؤون الاتصال والثقافة, وهو الروائي المعروف, واتيان جالان, والدكتور العربي بوقرة وهو خبير في جودة المياه. على امتداد ثلاثة أيام كانت الاجتماعات تبدأ في التاسعة صباحا وتنتهي في الخامسة بعد الظهر. الهدف هو .. وضع تصور للكتاب المخصص للمياه في العالم والذي سيصدر بعدة لغات, وبالنسبة لي كانت تجربة فريدة رغم ما احتوت عليه من مشقة. المشروع صباح الاثنين: في اللحظات الأولى للاجتماع تحدث الروائي ميشيل سوكيه, قال ان الهدف هو إصدار مؤلف عن الماء يناسب ثقافات عديدة مختلفة في العالم. في البداية تحدث الإنجليزي روبرت مولتينو, قال ان الهدف موضوعات تهم العالم الثالث, تخترق الحدود بين الشرق والغرب نحن نمر الآن بعولمة الاقتصاد والسياسة, هدفنا حركات التحرر التي كانت موجودة, الاستعمار مازال قائما حتى اليوم, مثلا موزمبيق, أنجولا, وان كانت الأشكال تختلف, بعد الاستقلال جرى صراع بين فئات متعددة. عندما بدأنا نشر الكتب في انجلترا لم تكن هناك كتب عن القضية الفلسطينية. كذلك القضية القروية التي لم تجد حلا حتى الآن, نشرنا عن كلاهما, هدفنا إيجاد مجال للتعبير عن العالم الثالث, خاصة الذين يكتبون بلغاتهم الوطنية, أردنا وجودهم في اللغة الإنجليزية وتحقيق عدة أهداف, تقديم أعمال فيها نقد للواقع, التعريف باستراتيجيات لا تخدم الأوضاع السائدة, بناء جسور بين المناضلين والمثقفين, الاهتمام بالقضايا الحيوية مثل الماء, إعادة إدخال القيم الأخلاقية إلى هذه الأشياء. هذا ما تحدث به الناشر الإنجليزي, الذي توثقت علاقتي به, وخاصة بعد تعرفي على رؤيته المساندة لقضايا العالم الثالث, أما توني مور (استراليا) فقال انه لا يوجد توازن على الإطلاق بين الشمال والجنوب فيما يتعلق بقضايا المعلومات, في استراليا توجد أشكال من الثقافات المتعددة, مشكلة الماء حادة بالنسبة للجميع. الخبير الماليزي المتخصص في مخاطر الماء ــ فيضانات تلوث) ناجي ونج شان يعمل منذ عام 1966 في مراقبة أحوال الماء في العالم عامة وفي ماليزيا خاصة, أكد أن القرن المقبل سيشهد صراعات حادة على الماء, وضرب مثلا بالعلاقة بين الهند وبنجلاديش وطالب بوجود مؤسسة عالمية لشؤون الماء مثل الأمم المتحدة. بيع الماء شريف عبد الله (تونس) أستاذ مهتم بالجغرافيا المائية في الريف, المجتمع الريفي فيه هموم مائية, مشاكل الحصول على الماء كثيرة, في ليبيا والمغرب جفاف, جنوب المتوسط بشكل عام يعاني, المجتمع عندنا مهيكل طبقا لوجود الماء, ندرته صار لها بعد اقتصادي واجتماعي وبيئي وحضاري, الماء تحول إلى سلعة, اصبح موضع تنازع, ليس بين الفلاحين, ولكن في المدن أيضا, هناك الصناعة والسياحة, لقد نشأت أطراف وقوى جديدة تتعامل مع الماء, أنظمة مائية جديدة ذات طابع سياسي, تجاوزت الأنظمة التقليدية, الآن نشهد مرحلة ثالثة في ظل العولمة, الدولة تتخلص من الماء, تبيع الماء للفلاحين, من يستفيد اذن به تلك مشكلة أخرى, أحيانا يكون الماء متوفرا بكثرة لكنه ليس موجودا, المشكلة حادة ويجب أن نواجهها بصراحة. ثم تحدث جوزيف أبو عقل عن دار الفارابي, استعرض نشأتها منذ 1954 حتى الصعوبات التي مرت بها خلال الحرب الأهلية قال ان الدار لا تنشر الا ما يتفق مع رؤيتها, الكتاب يمر بأزمة حادة, من الممكن نشر كتاب عن رئيس عربي مقابل أربعين أو خمسين ألف دولار, لكننا لا نقبل هذا, لذلك تحمسنا عندما اطلعنا على نشاط المؤسسة, رأينا المشاركة حول الماء. أكد الروائي الفرنسي ميشيل سوكيه على الطابع الإنساني لمشكلة المياه ولنشاط المؤسسة, وشرح الدكتور العربي بوقرة مشاركته في المؤسسة منذ عام ,1986 وأثنى على مشاركة الدكتور إسماعيل صبري عبد الله من مصر, ومحمد فائق مدير دار المستقبل, لقد تعددت الاهتمامات, لكن مشكلة الماء أصبحت رقم واحد في القائمة, وقال ان من ثوابته في الحياة حديث نبوي يقول (لعن الله علما لا ينفع) ثم حدد الأفكار الأساسية التي سيتضمنها الكتاب وهي: الماء لجميع البشر (الماء للفقراء وللأغنياء) العدالة في التوزيع, تطبيق ما يمكن تسميته أخلاقيات الماء, رمزية الماء في جميع الثقافات.. اننا ضد مومسة الماء. هنا استفسرت من الدكتور بوقرة عن التعبير خاصة انه بدا لي مثيرا. قال ان البعض يستغلون الماء كسلعة, البنك الدولي يتحدث عن تحقيق أرباح تصل إلى 80 مليار دولار من التجارة في الماء, من وجهة نظري ان الماء للإنسانية كلها, والمهم كيفية التقليل من إهدار الماء. هنا سألت الخبراء: هل كمية الماء ثابتة.. هل الكمية معروفة؟ جاءني الجواب من الخبراء الماليزي, الإيراني, التونسي.. (نعم) .. كمية الماء معروفة تماما ولا يمكن زيادتها نقطة واحدة. تحدثت طويلا عن ثقافة الماء في الحضارة المصرية, وهذا بحث طويل سأنشره قريبا. اتفق الجميع في نهاية الجزء الأول من الجلسة على ضرورة وصول الإنسانية إلى اقتصاد الماء, التنظيم السياسي لحل مشاكل الماء, التثقيف المائي, ان الموضوع هام ودقيق, لكن كما يقول فولتير (إذا أردت إقلاق الناس فقل لهم كل شيء) . مضمون الكتاب الاثنين بعد الظهر: من الصعب إيراد تفاصيل المناقشات التي دارت بتركيز شديد, ولكن انتقلنا إلى مناقشة مضمون الكتاب, نقطة مهمة برزت, هل يلتزم الجميع بنص واحد, أم يتم إضافة بعض المعلومات التي تخص استراليا, أو فرنسا مثلا, اعترضت بشدة على هذا المبدأ, فإذا كان الهدف هو التقريب بين الثقافات فلابد أن يعرف الأسترالي رؤيتي ولابد أن اعرف رؤية الإيراني أو الفرنسي, وبعد مناقشات تم الاتفاق على الالتزام بنص الكتاب. ماذا سيحدث الآن؟ هل سيكون ذا توجه فلسفي أو علمي؟ هل سيكون محتويا على الرؤيتين؟ إلى من سنتوجه؟ تم الاتفاق على تقسيم الكتاب إلى محاور تنطلق من اعتبار مشكلة عالمية تخص الإنسانية الآن, القسم الأول عن وضع الماء في العالم الآن, المحور الثاني عن الماء في الذاكرة الإنسانية والتقاليد والثقافة الشعبية, ويقوم جمال الغيطاني بكتابة بحث في هذا الموضوع انطلاقا من الذاكرة المائية لمصر, ويعتبر البحث نموذجا يكتب على غراره كتاب من ثقافات مختلفة (الصين الهند أمريكا اللاتينية إفريقيا.. الخ). المحور الثالث استخدام الماء بين التقاليد والحداثة بين الشمال والجنوب. المحور الرابع حول حماية الماء واستخدامه والمشاكل الناتجة عنه, الاقتصادية والسياسية والاجتماعية, حقوق الماء, أسئلة الماء وما يمكن أن تطرحه من أجوبة وقضايا, نعم .. ان الكتاب سوف يتصدى للمشاكل السياسية والفنية المتعلقة بالماء, لكن الرؤية الثقافية أساسية وضرورية, من الأسماء التي رشحت للمشاركة في الكتاب: من مصر د. محمد سيد احمد وكامل زهيري, وكلاهما مهتم بالماء من الصين وانج بي الخبير المائي الشهير وعضو الأكاديمية الصينية للعلوم من إندونيسيا محمد حكيم المتخصص في اقتصاديات الماء من تونس صادق عطا الله خبير بصحة الماء ويعمل بمنظمة الصحة العالمية من بيرو جريمالد ورانجيفو من البنك الدولي وكلاهما متخصص في معالجات الماء والسدود من الهند انيل اجارول الخبير في شؤون الماء ثم اقترحت أسماء العلماء والخبراء بيتر كولن, مايكل جونسون (الولايات المتحدة), د. أوهلن (السويد) برنارد باراك مدير مركز الأبحاث الفرنسي, محمد حسن الأمين (لبنان), محمد حسن من السودان, فرانسوا دورناد, كما تم الاتفاق على الاتصال بخبراء في المياه من أثيوبيا والمغرب والكويت للمشاركة, يصل عدد الكتاب إلى حوالي ثلاثين, عدد صفحات الكتاب في الطبعة الفرنسية ستكون جاهزة للطبع في يونيو عام 2000 سيبلغ أربعمائة صفحة, في يناير 2001 سيصدر الكتاب عن دار نشر بلين (Belin) في فرنسا ثم يتبعه ظهور الترجمات في اللغات الأخرى. هذا بعض ما شاركت فيه خلال اجتماعات باريس في الفترة من 27 يونيو الماضي إلى الثلاثين منه, ويعكس هذا الكتاب الذي يجري إعداده الآن هموم العالم والمؤسسات الدولية حول الماء, هل ندرك نحن, وهل تدرك مؤسساتنا العربية علمية أو ثقافية المخاطر المتعلقة بالمياه؟ يكتبها اليوم: جمال الغيطاني