لو أن الحياة مضت بنا على وتيرة واحدة, إذن لفقدت الاشياء معانيها, ولم يعد الفرح فرحا ولا الحزن تعبيرا عن انكسار الفرح, ولا السعادة, فكا لقيد الشقاء, بل ان الانسان لا يعود انسانا تعلو وتهبط داخله امواج المشاعر لتمنحه صفة البشرية, فلولا تعاقب الليل والنهار لم يعرف للضياء صخبه ولا للظلام سكونه, ولولا اختلاف الفصول لم يعرف للربيع فضله, ولولا الفشل لم يعرف للنجاح طعمه, ولولا الغدر لم يعرف للوفاء قدره, ولولا هذا الخيط الخفي الممدود بين قلبين لم يعرف للحياة معنى ولا للوجود هدف. في حياة كل منا محطات, بعضها مزدان بالورود تغرد في جنبات حدائقها طيور الفرح, وبعضها مطلي باللون الرمادي تلبد سماءها غيوم قلق وتثور على اطرافها نذر رياح وعواصف, وبعضها الآخر معتم نتمنى ان يعبرها قطار العمر سريعا ولا تبقى منها بالذاكرة اطلال ذكرى. من آن إلى آخر, عندما تتحرك بوصلة الحياة بين مناطق اليأس والرجاء, يصبح الوقوف عند بعض هذه المحطات أو العودة إليها مرفأ امان, ربما فتح لنا طاقة امل, أو استرجع ذكرى جميلة, أو أنسانا أخرى أليمة, فالقلوب مخازن اسرار لها علينا حق المحافظة على مكنونها, ولنا عليها حق تحمل هذه الحياة بحلوها ومرها, ابيضها واسودها, فرحها وحزنها, جميلها وقبيحها, حتى نصل بها وتصل بنا إلى بر الامان عبر بوابات تفتح لنا بعضها أبوابها على مصراعيها وتغلق بعضها في وجوهنا دفتيها, وعبر بحار تعلو امواجها احيانا فتعصف بمراكبنا, وتهدأ رياحها احيانا فتصفو لنا مياهها وتطيب الرحلة, تلك هي الحياة, وهذه بعض محطاتها: مناسبة في عيد ميلادها حمل إليها ضمن ما حمل قارورة عطر ككل المحبين, وكانت معها بطاقة تقول: لو جمعوا كلَّ ورودِ الدنيا

ليصوغوا منها عطراً شرقيا

سيظلُّ أريُجكِ يُسْكرُني

ويظلُّ شذاكِ يُعَطِّرُني

وأظلُّ لأنفاسكِ أشتاقُ

(انتظار) تأخرت عن موعدها ذات مرة .. فحمل اليها ساعة أرفق معها بطاقة كتب عليها: لماذا تمرُّ الثواني ثقالاً

ونحن نعيش انتظار اللقاءْ؟

وكم ساعةٍ مرقت كثوانٍ

إذا ما تحقق ذاك الرجاءْ؟

هو العمرُ ما نقطفُ العيشَ منه

بساعةِ حبٍ تُطيلُ البقاءْ

وتنضو عن النفسِ ثوباً كئيباً

لتُلْبِسَها من ثيابِ الهناءْ

(خصام) كعادة المحبين تخاصما يوماً .. فحمل إليها باقة ورد .. وكانت البطاقة تقول: حملتُ إليكِ ورداً علّ وردي

يكونُ لديكِ خيرَ رسولِ ودِّ

فقال الورُد حين رآكِ مهلاً

جُنِنْتَ تُراكَ؟ ما هذا التعدي؟

أتُهدي وردةً لجنانِ وردِ؟!!

(ابتسامة) تبسمت فأشرقت جنبات الكون حوله وغردت الطيور وانتشت الزهور وعزف حفيف اوراق الشجر أجمل الألحان .. فكانت هذه البطاقة:

تبسّمي ما أجملَ الحياةَ حينَ تَبْتَسمينْ

وأشرقي فالكونُ وضّاءٌ غداةَ تُشْرقينْ

تعاودُ الطيوُر من مناطق الشمالْ

وتبحرُ النجومُ في مراكبِ الخيالْ

وترتعُ العيونُ في مرابعِ الجمالْ

يُعطِّرُ المكانَ ضَوْعُ الأقحوانْ

ويُصبحُ الربيعُ كلَّ أيامِ الزمانْ

لأنّكِ الأرقُّ والأجملُ من كلِّ الحسانْ

(حنين)

يطول غيابها .. فيسافر طائر الشوق حاملاً إليها البطاقة التالية:

عودي .. إليكِ تحنُّ كلُّ جوانحي

والرملُ والشطآنُ والأزهارُ

وشواردُ الافكارِ ثم سوانحي

وظلالُ أروقةٍ وتلك الدارُ

زادت تباريحي إليكِ فبارحي

وإليّ عودي ينتشي النُّوارُ

(فراق) يصلان على نفس الطائرة .. وفي صالة القادمين بالمطار تتفجر براكين حزنه ويتجسد واقعاً ما حاول ان يتناساه طوال الرحلة .. فيغيب عمّن حوله .. وتتدفق آلام نفسه ترانيم حزن خفي وأسئلة تبحث لها في قادم الأيام عن إجابات يلفها المجهول وتظللها سحابات يأس .. فتفيض تعابير حزن هي إلى البكاء أقرب من الكلام .. فهل تراها قراءة لغيب آتٍ كم تمنى أن لا تكون صحيحة؟! ذلك ما دوّنه على هذه البطاقة التي شاء لها القدر أن تكون الأخيرة: وتحين ساعاتُ الرحيلِ فترحلينَ

تظلُّ أنظاري معلقةً بآثارِ الطريقْ

وتظلُّ حيرى دمعتي

بين المآقي والجفونْ..

ويثورُ ألفُ تساؤلٍ

في قلبي الدامي الحزينْ..

أتُرى تجمّع بيننا الايامْ؟!

أتُرى تعاودُ نومَنا الأحلامْ؟!

أتُرى نرددُ لحنَنا يوماً

وتعزفُهُ القلوبُ على العيونْ!

تُرى نكونُ ولا نكونْ!!

ويلفّنا صمتٌ حزينٌ وَسْطَ صَخْبِ القادمينْ

ويدورُ أروعُ ما يدورُ على عيونِ العاشقينْ

وتكاد تفضحنا العيونُ لتُعِلنَ الحبَّ الدفينَ

وتهربينْ..

عبثاً أحاولُ أن أدُاريَ ما تفجّر من شجونْ

عبثاً أهدّىءُ خافقاً عصفت به ريحُ الحنينْ

عبثاً رأيتُك بين هذا الجمعِ حُزناً تكتمين

وتذهبينْ..

تمضي بنا الخطواتُ كلٌّ قد تفرق في طريقْ

ويضيقُ في عينيَّ هذا الكونُ من حولي يضيقْ

وتثورُ في قلبي الخواطرُ تُشْعِلُ النَّار .. الحريقْ

أوّاهُ كم يرجو خلاصاً ذلك القلبُ الغريقْ

أوّاه كم يترقّبِ الخُطُواتِ عائدةً إليه..

فهل تُراكِ سترجعينْ؟!!!