كلما دخلت بلداً أوروبيا تذكرت فوراً الكلمات التي تقول (الشرق شرق والغرب غرب.. ولن يلتقيا) , وقائل هذه الكلمات ليس واحداً من (ربعنا) من الممكن اتهامه بأنه يعبر عن حالة الاحباط التي تسود الشرق ــ ونحن منه ــ في هذا الزمان. بل هو أحد شعراء بريطانيا الكبار. وكان رديارد كيلنج شاعرا مؤمنا جداً بالاستعمار, معادياً للشرق, داعياً لسيطرة الغرب, وهذا غريب فالأدباء والشعراء بينهم يؤمنون بالقواعد الانسانية ولايتورطون في الدفاع عن مصالح فئات في بلادهم أو خارجها. بل هم مع الانسان. وربما كان هذا هو السبب في انني كرهت كيلنج وأتخيله دائماً غليظ الوجه, مربع اللحية, تمتلىء عيناه بالخبص والخداع, ولا أدرى هل هذه الصورة من تأليف خيالي الذي يكره الرجل أم انني رأيت صورة له فعلاً بهذا الشكل. ومع ذلك فهذا الرجل الذي ابغضه كل هذا البغض صدق تماما عندما قال (الشرق شرق.. والغرب غرب, ولن يلتقيا) ولا اريد ان اثقل عليك يا عزيزي بالتفسيرات التي تدعي ــ أو أنها فعلا ــ تفسيرات علمية للاختلاف بين العقلية الغربية والعقلية الشرقية فأنت ــ كما أعرفك ــ صرت تضيق بكل هذا الكلام الذي يحيطك ولا تدري هل هو حقيقي أم انه مجرد اجتهاد من صاحبه. ولكنني سأحاول أن انقل لك بعض الآراء التي دارت في جلسة حول هذا الموضوع, بدأها صديق يساري قديم قال ان العقل الانساني حسب التشريع هو نفسه وان ادعاء ان عقلاً يختلف نتيجة العرق عن عقل آخر هو صدى للآراء النازية التي لم يثبت صحتها, واننا احيانا نبرر جهلنا وتخلفنا بأن عقلنا دون العقل الغربي, وهذا ليس صحيحا, لاننا كنا الاكثر تقدما في بعض العصور. ورد عليه صاحبنا الذي هو لايساري ولايميني قائلا: ان التقدم العلمي او حتى الحضاري ليس دليلا على تفوق عقل على عقل, فالتقدم له شروط كثيرة بينها الذكاء لكنه ليس العنصر الوحيد, ولو افترضنا ان التعصب عيب وهو فعلا كذلك لوجدنا ان دعوات التعصب تسود وهي متعصبة العقل, واخرى تسود وهي متسامحة. اذن ياصديقنا الذي ليس يساريا ولايمينيا ما الذي يجعلك تؤكد ان الشرق شرق والغرب غرب وانهما كما قال كيلنج لن يلتقيا؟ قال ان هناك في الدماغ مايعطي صفات خاصة للعقل نفسه مثلا في العقل الشرقي عنف وكراهية لن تجدهما على الاقل بنفس القدر في العقل الغربي. فعندما كان الخليفة يغضب على احد وزرائه او رجاله يصادر امواله واموال ابنائه واقاربه ويعذبهم جميعا حتى تظهر ثرواتهم الخفية ثم يقتلهم جميعا, وفي حالات كثيرة كان الحاكم يقتل فلانا ثم يندم على قتله بعد ساعة والصور الشعبية تصور هارون الرشيد يسير وخلفه جلاده المشهور السياف مسرور يأمره بقتل فلان فيطيح برأسه دون مراجعة وبالطبع دون السؤال عن السبب. قال صاحبنا الذي هو لايساري ولايميني نفترض انك موسيقي جيد ولسبب ما اختلفنا فماذا يحدث؟ لو كنا في بلد غربي سأقول انك رجل عدواني, او ثقيل الظل رغم انك موسيقي جيد, اما اذا كنت في بلد شرقي سأقول عنك ما اقول ثم اضيف انك موسيقي رديء وانك سرقت الحانك من فلان او علان. ولا اريد ان انقل لك كل هذه الجلسة الساخنة, لكنني فقط اريد ان انقل لك اتجاهين في هذا الموضوع, احدهما يقول ان العقلية الشرقية تختلف عن الغربية ولذلك لن يلتقيا, والثاني يقول ان العقل الانساني واحد ولذلك ربما التقى الشرق والغرب. ومن الطريف ان الغرب هو الذي سبق في محاولة التعرف على الشرق قبل الميلاد أتى هيروديت من اليونان وكتب عن مصر, وله عبارة شهيرة جداً وهي: مصر هبة النيل, ومنذ ان قال هذه العبارة, ومحاولات الاعتراض عليها مستمرة ومن اشهرها:(مصر هبة المصريين) ومن اطرفها:(مصر هبة السودان) , وقد يعترض البعض على اختيار هيروديت على انه نموذج للغرب, فلقد كانت اليونان ايام الحضارة الهيلينية تنتمي الى الشرق لا الى الغرب, عكس ما هي الآن. واشهر رحالة بدأ التعرف على الشرق هو الايطالي ماركو بولو الذي تختلط فيما روى الحقائق بالأساطير التي نسجها خياله او توهم حدوثها, وهو في هذه ليس مختلفاً عن رحالتنا الشهير ابن بطوطة. اما نحن فالأمر مختلف لقد ارسلنا عشرات السفارات الى الغرب لكننا لم نحاول التعرف على هذه البلاد, وحتى قصة سفارة هارون الرشيد الى شارلمان سنجد ان مصادرها الهامة غربية ولا اعرف كاتباً عربياً وصف الساعة الدقاقة التي ادهشت الامبراطور الجرماني وربما كان هناك عربي وصفها ولم يصل ذلك الي, وفوق كل ذي علم عليم. وربما كانت المحاولة الجادة للتعرف على الغرب تعود الى القرن الماضي وليس قبل ذلك ولا اريد ان ابدأ هذه المحاولات بالمؤرخ الشهير عبدالرحمن بن الجبرتي فلقد اقترب من الفرنسيين وحاول وصفهم ولكن كان ذلك عندما أتوا الى مصر في حملة نابليون بونابرت المشهورة, وأظن ان البداية تتمثل في رفاعة الطهطاوي الذي سافر مع بعثة تعليمية لكي يكون اماماً في الصلاة لأعضائها, وواعظاً لهم في بلاد الفجور فرنسا! لكنه كان محباً للعلم, فتعلم الفرنسية اسرع مما تعلمها طلاب البعثة ودرس اكثر مما درسوا وترجم واشرف على ترجمة اكثر من الف كتاب خلال خمسين عاماً من العمل المتواصل. ولا يخفي رفاعة الطهطاوي اعجابه بالتقدم العلمي في فرنسا, ويبدي حماساً للأخلاقيات العامة مثل الصدق والأمانة وحسن المعاملة, وقال في ذلك ما يشبه ما قاله الامام محمد عبده بعد ذلك عن بلادنا التي يوجد فيها اسلام ولا يوجد مسلمون, في حين ان فرنسا يوجد فيها مسلمون ولا يوجد اسلام. ــ نغمة الاعجاب هذه سنجدها في خليفة الطهطاوي ومنافسه وشبيهه في كثير من الصفات والظروف وهو علي مبارك. ولعلي مبارك كتاب ليس له شهرة كتاب الطهطاوي (تخليص الابريز) وهو بعنوان (علم الدين) وهو كتاب هام, أولا لأنه رؤية مبكرة للحضارة الأوروبية الحديثة, وثانيا لأنه استخدم في الكتاب اسلوبا بين المقامات التي لعلك تعرف منها مقامات بديع الزمان الهمذاني, وبين فن الرواية الذي لم يكن قد ولد في بلادنا بعد, ويرجع مؤرخو الادب مولده الى بدايات هذا القرن. وثالثا لأن علي مبارك اعتمد في كتابه هذا على أسلوب المقارنة واحيانا السخرية, وهو الاسلوب الذي وصل الى قمته الفنية في كتاب صغير ممتع لبيرم التونسي عنوانه (السيد ومراته في باريس) . وفيه يقارن بطريقة فكاهية بين العادات الشرقية والغربية, وأذكر انني عندما قرأته في صباي كنت أضحك حتى تسيل دموعي. فلما كبرت أدركت ان بيرم كان منحازا للغرب, ليس بالطبع لأنه منحاز, ولكن لأنه كان يريد للشرق ان يكون مثل الغرب أو أفضل. ولبيرم التونسي الفضل في اثارة هذه الأفكار, فلقد رأيت مارسيليا لأول مرة في حياتي, ولم أكن أعرف عن مارسيليا الا انها ميناء على البحر المتوسط, وانها أول من غنت أشهر نشيد وطني وهو المارسيليز, نشيد الثورة الفرنسية. وانها البلد الذي عمل فيه أعظم شعراء العامية بيرم التونسي حمّالا وعاملا في أقسى الأعمال وأدناها. وذلك ليعيش بعد ان نفي من مصر لأنه أهان الملك فؤاد في قصيدة مدهشة. ولأن تونس رفضته, فتنقل بين البلاد حتى قال: غلبت من قطع تذاكر! وعلى بساطة هذا التعبير الا انه يثير في نفسي احساسا هائلا بشجن الغربة, وكأنه القطار في الزمن القديم وخاصة في زمن الرماية الروسية. ولقد تجولت في شوارع مارسيليا أبحث فيها عن ذكريات بيرم التونسي وأتخيله بجسده المليء ووجه المتجهم وهو يسير بحثا عن عمل, فاذا وجد العمل كان أسوأ الأعمال, لكن العمل الذي برع فيه ليس له تجارة في الغرب, وهو الشعر, وهذا يذكرني بكلمة لنجيب محفوظ يقول فيها: نحن نعمل في ألغاز محلية, لكن ألغاز نجيب محفوظ المحلية عبرت إلى العالمية, أما بيرم التونسي فكانت أسعد ايامه يوم كتب لمجلة شبه مجهولة المثال مقابل جنيه, وفي النهاية استكثروا عليه اربعة جنيهات في الشهر. ولا أرى بيرم في مارسيليا لكن أرى زحاما عربيا وافريقيا, وقد اختفى اهل فرنسا, اللغة العربية تسمعها اينما سرت والوجوه العربية في كل مكان. وقلت لنفسي: لقد احتلت فرنسا الجزائر اكثر من قرن وربع, وما كان يمكن ان تخرج منها لولا الشجاعة الفذة لشارل ديجول وها هم الجزائريون يحتلون فرنسا, واذا كان الفرنسيون قد خرجوا من فرنسا بعد قتال طويل, فظني ان الجزائريين لن يخرجوا من فرنسا ابدا.