من الافلام التي تعرض حاليا في دور السينما العالمية والمحلية الفيلم الامريكي ماتريكس(MATRIX)من بطولة كيانو ريفز ولورانس فيشبورن وكاري آن موس . وقد حقق الفيلم حتى الآن نجاحا دل عليه دخله الذي بلغ مائة وسبعة وخمسين مليون دولار في امريكا وعشرين مليون دولار في اوروبا ونحو عشرين مليون دولار اخرى في باقي اسواق العالم ــ هذه الارقام منذ شهر تقريبا ــ ليبدد مخاوف شركة وورنر التي انتجته بميزانية بلغت سبعين مليون دولار يضاف اليها كلفة الحملات الاعلانية. كان سبب هذه المخاوف ان الفيلم من نوع الخيال العلمي الامر الذي لا يشكل ضمانة اكيدة لنجاحه, فالجمهور قد يأتي وقد لا يأتي, وقد يأتي ولكن بنسبة لا تكفي لاسترداد التكاليف والمبالغ التي انفقت على الانتاج ناهيك عن تحقيق الارباح. ومما كيانو ريفز المولود في بيروت رغم ان افلام ريفز الاخيرة حتى المغامرات والاكشن منها ـ مثل (محامي الشيطان) و(سلسلة ردات فعل) و(جوني الآلي) ـ لم تحقق نجاحا يذكر رغم النجاح الذي كان قد حققه في الجزء الاول من فيلم (سرعة قصوى) مع ساندرا بولوك, الا ان ما جعلها توافق على ذلك هو ما أبداه ريفز من استعداد غير متناه لتمثيل دور وجده مناسبا له ووجد نفسه جديرا به علاوة على ان كيانو ريفز ارخص من بروس ويليس حيث يتقاضى خمسة ملايين دولار فقط مقابل عشرين مليون دولار لويليس. وخمسة عشر مليون دولار فرق لا بأس به شجع الشركة على اسناد الدور لريفز. بعد هذه المقدمة لا شك انكم تصورتم انني قد تحولت الى ناقد فني وهيأتم انفسكم لقراءة مقال في النقد السينمائي استعرض من خلاله ثقافتي الموسوعية في مدارس الاخراج ثم اعرج على عيوب الاضاءة والصوت والديكور والملابس والخدع المستخدمة في الفيلم والسيناريو والحوار واداء الممثلين وما الى ذلك, الامر الذي يتطلب مني ان اصحح الصورة منذ البداية واوضح الامور حتى لا استعدي على نفسي اصحاب الاختصاص من النقاد الافاضل الذين ربما استبشر بعضهم بميلاد زميل لهم يثري ساحة النقد الفني بينما استشعر فريق منهم الخطر بظهور دخيل على الصنعة يزاحمهم على كسب لقمة عيشهم خاصة واننا نعيش عصرا لم تعد للقيم فيه قيمة حتى اصبحنا نرى مطربا ناشئا من ذوي الاصوات النشاز الذين لا تكاد تحفظ اسماءهم وان كنت لا تستطيع نسيان اصواتهم لما تلحقه باذنك وذوقك الفني من تخريب وتدمير واذى, تجده ينتقد قمما غنائية اين هو منها ويقيم لنا اداءها مما لا يجلب سوى الهم والحسرة, وقس على ذلك في كل مجال من مجالات الفنون السبعة, بل اصبح كل من هب ودب وكان مستمعا بالصدفة لاذاعة من الاذاعات او مشاهدا لقناة من القنوات ناقدا يدلي بدلوه في اي قضية فنية مطروحة دونما خلفية ثقافية ورؤية فنية وذوق لا يتم اكتسابها الا بتراكم الخبرة بعد اكتمال التحصيل العلمي, وتلك ظاهرة من ظواهر عصرنا ومأساة من المآسي نشاهدها في الفن والسياسة والثقافة وكل مجالات الحياة. نعود لموضوعنا الذي هو فيلم ماتريكس (MATRIX) وسأجتهد فاترجم اسمه بحذر متوخيا الدقة بعد الدروس التي تلقيناها من صديقنا الكاتب الاديب (الفنان) خبير الترجمة بالامم المتحدة الاستاذ محمد الخولي في (علم الترجمة وفن التعريب) ـ لاحظ الاسم الذي اختاره للدورة التي حاضر فيها في مركز التدريب الاعلامي بــ (البيان) ـ فأقول بعد الرجوع للقاموس ـ وهذه من نصائح استاذنا الخولي ـ ان للكلمة عدة معان الاقرب منها لموضوع الفيلم كما ارى هو (الرحم) اما موضوعه ـ وهو ما دعانا للكتابة عنه فهي فكرة خيالية يستقبل بها الفيلم الالفية الثالثة من عمر البشرية, تدور قصة الفيلم حول الشاب (نيو) ـ يقوم بدوره كيانو ريفز ـ الذي يعمل في سوق اقراص الكمبيوتر السوداء حيث يجد نفسه مطلوبا من جهة لا علم له بها لسبب لا يعرفه. تظهر له فتاة (ترينتي) ـ تقوم بدورها كاري آن موس ــ لتحذره من الوقوع في يد اشخاص يطاردونه وترشده الى كيفية الهروب منهم عن طريق هاتف نقال, وهنا تتداخل الاحداث بشكل مثير ومحير للمشاهد حتى نرى الشاب (نيو) يصل الى رئيس الفتاة (مورفيوس) ـ يقوم بدوره لورانس فيشبورن ـ الذي يؤكد له ان العالم الذي يعيش فيه ليس العالم الحقيقي وان الذين يطاردونه قد زرعوا في بطنه جهاز تتبع لملاحقته وانهم قد سيطروا على ذلك العالم وزيفوه, وقد وقع الاختيار عليه لقيادة عالم جديد وحقيقي عوض ذلك الذي نعيش فيه جميعا وانه هو (المنقذ) تاركا له الخيار للانضمام اليهم او العودة من حيث اتى والتخلي عن الفكرة. ودون تردد ينضم (نيو) اليهم لتبدأ عمليات اعادة تأهيله بدنيا عبر اجهزة كثيرة تستبدل مكونات جسمه العضوية اولا ليأتي بعد ذلك دور تأهيله عقليا بواسطة سلك (cable ) يوصل خلال فتحة برأسه ليتم تزويد عقله ببرامج مخزنة على اقراص كمبيوتر مدمجة في جميع مجالات الحياة مع التركيز على القوة البدنية وفنون القتال لكونه (المنقذ) الذي سيخلصهم من الاشرار. وبعد ان يجتاز هذه المرحلة يقوم (مورفيوس) بأخذه لمقابلة (العرافة) التي تتنبأ له بما سيحدث في المستقبل والخيار الذي سيجد نفسه امامه في وقت من الاوقات وهو اما ان يضحي بنفسه او برئيس المجموعة (مورفيوس) . وارجو ان تلاحظوا هنا الجمع بين قمة التكنولوجيا والايمان بالغيبيات متمثلة في نبوءة العرافة. ثم تبدأ المعركة بين الخير الذي تمثله هذه المجموعة والشر الذي تمثله المجموعة الاخرى وتحاول السيطرة على العالم. وبعد سلسلة من المعارك المثيرة التي تعيدنا الى افلام (الكونج فو) احيانا وتذكرنا بالافلام الهندية ـ مع الفارق طبعا ـ احيانا اخرى ينتصر الخير على الشر, ولا تتحقق نبوءة العرافة للمرة الاولى كما نعرف من افراد المجموعة, ليخرج المشاهد من دار السينما مبهورا بما شاهد من تقنية سينمائية عالية وسعيدا بنهاية الفيلم. واضح ان الفيلم يريد ان يقول لنا ان المستقبل للعلم المتمثل في الكمبيوتر الذي يصبح (رحما) اخرى يعاد تشكيل الانسان داخلها بدنيا وعقليا دون بذل مجهود عضلي او ذهني, وهي فكرة تقوم على ما نراه حاليا من سيطرة التقنية على مجريات الحياة بدءا من الانترنت وانتهاء بحرب النجوم. واذا كانت فكرة الفيلم تمثل نوعا من استباق الاحداث واستقراء المستقبل الا ان ثمة ملاحظات لا احسبها عابرة استوقفتني خلال الفيلم اوجزها في النقاط التالية: * على الرغم من ان رئيس المجموعة اسود الا ان المنقذ الذي يعمل الجميع من اجله ويعلقون عليه الآمال ابيض. ولذلك دلالة واضحة لا تخفى ولا تحتاج الى تعليق. * العرافة التي تمثل الجانب الغيبي او الروحي اذا صح لنا ان نطلق عليه ذلك سوداء ايضا, والعلاقة بينها وبين المجموعة غير مفهومة اذ ان الجميع يتحدث عنها ويعتبر مقابلتها شيئا مهما لا تتم الا بعد اعداد كاف ويعاملها الرئيس وافراد المجموعة باحترام بالغ, وقد رأيناها تعيش في شقة متواضعة وتتصرف ببساطة متناهية. * عدم تحقق النبوءة التي قالتها العرافة للبطل ـ رغم ان الجميع كانوا شبه متأكدين من انها ستحدث ــ يعد انتصارا للعلم والقوة على الجانب الذي اعتبره الفيلم روحيا او غيبيا, وفي ذلك دلالة اخرى. * قام احد افراد المجموعة بخيانتها عندما عقد اتفاقا مع مجموعة الاشرار للقضاء على رفاقه ونجح الى حد ما في ذلك, وقد كان يفترض ان يكون مبرمجا ضد الخيانة او اكتشافها قبل ان تحدث. * العلاقات العاطفية في الفيلم تتوارى وتظهر لها اشارات غير صريحة في الربع الاخير منه على شكل انجذاب بين نيو وترينتي. وفي هذا وخيانة احد افراد المجموعة اشارة الى الطبيعة البشرية رغم الجو الالكتروني المسيطر على اجواء الفيلم. انها ليست محاولة لاستعراض فيلم سينمائي اثار اسئلة وملاحظات معينة لدي بقدر ما هي رغبة في اشراككم معي في التفكير فيما وراء ذلك, وانا على يقين انكم تعلمون جيدا مدى تأثير السينما في فكر الانسان ووجدانه, خاصة ان الفيلم مصنف في دور السينما تحت فئة (G) اي ان مشاهدته متاحة لجميع الاعمار, وهنا مكمن الخطورة, انها وجهة نظر تحتمل الصواب والخطأ.