تظل النكتة ايا كانت هويتها وشكلها ومضمونها, ثقافة شعب وتاريخ امة, تتواصل وتتفاعل, تحيا وتخفت, تعيش وتموت مثلها مثل الكائن الحي, ورغم اعتقاد البعض بأن النكتة خلقت لكسر الوقت وللتسلية ونزع فتيل الهم وتخفيف حدة الكآبة والحزن عن النفوس المتعبة, يرى آخرون ان النكتة حياة قائمة بذاتها لها منهجها ومبدؤها وفلسفتها المستقلة. ومن يدقق في تاريخ الشعوب وحياتهم يكتشف تلك الحقيقة الواضحة, فجرثومة النكتة وروح الدعابة و (خفة الدم) تنتشر عند شعوب دون غيرها من الشعوب الاخرى, ومن الشعوب التي فجرت جرثومة النكتة وتداولتها سرا وعلانية الشعب المصري الذي غالبا ماتكون دعاباته وحكاياته معجونة بمهارة ولغة متقنة فتنساب النكتة بعذوبة وسلاسة وفن, وتدخل دون استئذان الى القلب مباشرة. ولان النكتة تخرج احيانا من رحم المأساة والحزن تصبح اكثر وقعا واشد تأثيرا واكثر التصاقا بتفاصيل الحياة اليومية, وحتى لا افلسف النكتة لانها في واقعها فلسفة قائمة بذاتها اقف عند المواقف الانسانية التي تتحول بمجرد النظر اليها من زاوية اخرى الى نكت بالامكان ان تروى. الاسبوع الماضي نشرت (البيان) في صفحتها الاولى مثلها مثل الصحف المصرية والعربية الاخرى حكاية الصعيدي العجوز الذي نصحه الطبيب البيطري عندما ذهب اليه يشكو ذباب الماشية برش اجسامها بالمبيد, الا ان صاحبنا اعتقد انه من الافضل رش المبيدات على طعام الماشية, وعندما تأكله ويقوم الذباب بلدغها فسيموت, الا ان هذا الاعتقاد تسبب في نفوق 50 بقرة, واصابة خمس اخرى بحالة تسمم شديدة!! قد يعتقد احدكم ان الحكاية انتهت هنا, الا ان الواقع يقول انها بدأت هنا, فبعد ان نشرنا هذا الخبر في الصحيفة وجدنا احد الزملاء في اليوم الثاني وقد قام بقص الخبر وخبأه في جيبه! قد تتساءلون لماذا؟ ببساطة حتى لايقرأه أحد: والنكتة كالشعر اذا لم تجد من يتقنها ويعتني بتفاصيلها كالالقاء والمؤثرات المصاحبة تصبح بلا نكهة او روح, فالالقاء والدخول من بوابة النكتة فن لايجيده الا البعض ممن يتمتعون بتلك الملكة والموهبة الرائعة, فالنكتة بلا روح تصبح ثقيلة على الاذن والقلب, وروحها هو الالقاء, واخوتنا المصريون امهر من عرف النكتة واكثر من اعتنى بتفاصيلها. وحتى لا اقف مكتوف الايدي امام جرثومة النكتة التقط واحدة من هنا واخرى من هناك وادع الالقاء لمن يتقنه ممن حباهم الله بخفة الدم والظل كما يقولون. اقلع رجل مدمن عن عادة الشرب فسأله صديقه ما الذي جعلك تتخذ هذا القرار؟ المدمن: جاءت حماتي ذات مرة لزيارتنا وكنت سكرانا, فرأيتها ثلاث حموات . كان لاحدهم صديق يأنس به, فمات, فذهب الى زوجته معزيا, ثم قال لها: لقد كان المرحوم من اعز اصدقائي, فأرجو ان تعطيني شيئا مما ترك احفظه تذكارا للصداقة. فقالت له بحزن بالغ: ان المرحوم لم يترك شيئا غيري! اشتهر احد العمال بسذاجته الزائدة, وذات مرة طلب منه رئيسه ان يغير احدى اللمبات المحروقة باخرى جديدة, فتعلل بعدم وجود سلم. ـ فقال له رئيسه: سأرفعك على كتفي لتغير اللمبه .. وفعلا حمل الرئيس العامل على كتفيه, ومرت ثلاث دقائق ثم اربع ثم خمس وصاحبنا لم يحرك ساكنا, فتطلع الرئيس اليه قائلا: ــ واخرتها, ماذا تنتظر؟ اجابه العامل بكل بساطة .. انني ممسك باللمبه في انتظار ان تلف انت بي وتدور. رفعت الفتاة يديها الى السماء قائلة: يارب .. اني لا اطلب شيئا لي لكن ارجو ان تسعد والدتي وترسل لها زوجا لابنتها! هكذا يكون للنكتة دور سيكولوجي قد لاينتبه له الا من يدقق في تفاصيل الامور, فقد اشاعت كثير من الشعوب اجواء النكتة للتخلص من هموم جاثمة على صدرها وكاتمة على انفاسها, بينما تداولت شعوب اخرى النكتة من باب انها ثقافة راقية لها معالجاتها الاجتماعية واسقاطاتها السياسية والاقتصادية, وأيا كان التناول فان النكتة اشارة واضحة لعافية الانسان ووضوح فكره لانها تغسل مايترسب ويعلق في دواخله وتجعله لايصدر احكامه اعتباطا على ظواهر الاشياء. وتختلف النكتة من مكان لآخر باختلاف الثقافة والتعاطي مع مفردات الحياة المعاشة وباختلاف الشعوب والافراد, الا ان ذلك لايعيق التواصل, فالنكتة كالموسيقى لغة عالمية يفهمها الجميع. ومن نكت الخادمات التقط هذه الطرفة .. فقد كانت احدى السيدات تهوى الببغاء وتحتفظ بمجموعة منها في منزلها, وكانت قد طلبت من مكتب استقدام الخادمات ان يبعث اليها بخادمة, فلما ارسلها اليها, سألتها صاحبة المنزل قائلة: ــ هل تحبين الببغاء؟ اجابت الخادمة: اني لست من النوع الذي يشمئز, بل آكل كل شيء يقدم لي! ويبدو ان النكتة لا تقف عند باب معين فهي تطرق كل الابواب وتضع علامات تعجب ودهشة وراء جملها القصيرة وكلماتها المقتضبة, فتلامس دون ان تجرح, وتجعلنا نضحك ونعاود الضحك على انفسنا وعلى المواقف التي تمر علينا فتقربنا من الآخرين .. ذهب الزوج الى السجن وقال للمدير: هل استطيع رؤية اللص الذي دخل منزلنا امس؟ ــ ولماذا تريد ان تراه؟ اريد ان اسأله كيف استطاع ان يدخل المنزل دون ان يوقظ زوجتي: هكذا ببساطة تتحول النكتة الى لغة تواصل تصدح كالموسيقى وتعلو كالشعر .. فهل سمعتم آخر نكتة!