هذا أول أسبوع لي في الاجازة, ومن أول يوم فيه أصبح وأمسي على حديث الرشاوى, أينما أذهب أجد معاناة أو رغبة للقضاء على أو نشر هذه الظاهرة , حالات متناقضة في التعامل مع هذه الآفة, بعضهم يجدها وسيلة وحيدة لتحقيق المنفعة, وآخرون يجدون أنها أصل الداء, والسرطان الذي سيولد آفات أكبر من حدود المنفعة الضيقة للأشخاص, إلى فساد إداري في نظام المؤسسة, ومن ثم المجتمع. ستصبح هذه الظاهرة مع تزايد انتشارها وتغلغلها أمرا (ضروريا) يتطلب ان نرضى به ويمارسه الجميع, ويصبح هو الأصل! نسمع بعض هذه الحكايات: مجموعة من الشباب منحتهم الحكومة مساكن شعبية, وأوكل موضوع متابعتها والاشراف عليها الى مكتب استشاري, الهدف من ذلك سرعة الانجاز, وضمان تحقيق الاشراف التخصصي وايضا الحيادية في التعامل مع شركات المقاولات, ودقة المتابعة والتنفيذ, الذي حدث لهؤلاء الشباب هو العكس, فأي تغيير أو تحريك في شكل المبنى, مطالب صاحبه بدفع مبلغ ضخم على الطاولة أو مبلغ صغير من تحت الطاولة لاحد المهندسين و(تمشي) العملية, واذا لم يرغب هذا الشاب في الخسائر, والاضافات, وشاهد خلال عمليات البناء قصورا واخطاء فاضحة من المقاول, تتطلب تدخل الاستشاري لضمان سلامة المبنى, وحدث ذلك عند هؤلاء الشباب مرارا, في كل مرة كان الاستشاري في صف المقاول أو يطالبه في هدوء باجراء بعض الاصلاحات مع تكرار الشكاوى عليه وفهم هؤلاء الشباب بعد فترة ان عليهم رفع شعار الرشوة لبعض مهندسي المكتب, واصبحت طلباتهم أوامر, وتوسعت العملية أكثر, فدخل بعض مهندسي شركة المقاولات وعمالها على الخط, فأصبحوا على استعداد لانجاز الصعب الذي لايتحقق من غير تكلفة اضافية, مقابل رشوة صغيرة, حرب ومنافسة شديدة للحصول على الرشوة واصبحت العملية المحدودة والسرية مكشوفة, عامل النظافة اذا أردت منه ان يتفانى بتأدية عمله في ازالة الزبالة امام بيتك, عليك ان تدفع له, مكتب الطباعة اذا جئت لتقديم معاملة خادمة عنده, فانه سيعرض عليك, تقديمها بالنيابة عنك لان عنده واسطة, مقابل رشوة تقدمها له. الميكانيكي في وكالة السيارات التي تتعامل معها, ادفع له رشوة سيصلح سيارتك بسرعة دون ان تنتظر في الطابور الطويل, مهندس الزراعة اعطه في جيبه رشوة قليلة سيعطيك احسن واقوى (سم) للحشرات الضارة في مزرعتك. الممرض في المستشفى كذلك صاحبه ـ بمقابل طبعا ـ سيدخلك قبل دورك, في الطيران عند موظف الحجز, وعند المسؤول الصغير في البنك. في أي مكان قد تجدها اذا بحثت عنها, فهي (تجوز) وتدخل في كل المرافق, ومرضى النفوس والعقول الذين يحتاجون لها ويروّجون لها وجدوا في كل مكان وفي كل الازمنة, وفي هذا الزمن طبيعي ان يتزايد عددهم, لانه زمن يوصف بأنه مادي في كل شيء, وانه عصر لا يعترف كثيرا بالاخلاق والقيم النبيلة. امام ظاهرة الرشوة وفنونها, اذا لم تتخذ جميع المؤسسات قرارا صريحا في محاربتها في مثل انشاء جهاز رقابي هدفه متابعتها والقضاء عليها, اذا لم يكن كذلك سنصبح مثل دول عربية جميلة عزيزة, إلا اننا نكرهها في دواخلنا ولا نتمنى زيارتها لانها ارتبطت في اذهاننا بظاهرة الرشوة فيها, ومع ان السلطات في بعض هذه الدول سعت وبذلت وطورت اجهزتها للقضاء على هذه الظاهرة, إلا ان (السمعة) السيئة لا تزال في اذهان الآخرين عنها واصبحت بصمة لا تمسح بسهولة, فهل نريد ان تكون بلادنا كذلك؟!