عملت مزارعاً منذ الطفولة واتقنت المهنة بدرجة خبير،(اليازره) صنعها ابناء المنطقة وموسيقى المنيور يعزفها الثور لسقي الارض مشقة الحياة في الماضي تكشف للاجيال الحضارة عظمة دولتهم ووفاء قادتها شمل الواقعة الى مسافة خمسة كيلو مترات شمال شرق مدينة رأس الخيمة لها اهمية تاريخية تؤكدها الحفريات والاثار المكتشفة من قبل فرق الاثار ويكفي انها تضم اكبر واهم موقع اثري يعود تاريخه الى الاف السنين الا وهو مستوطنة شمل التي تتوسط حزاماً صخرياً بارزاً وقد عثر فيها على كثير من القطع الفخارية المنتشرة بين جدران المساكن الحجرية وقد كانت من بقايا الجرات التي شكلت باليد او صنعت بواسطة العجلة. كما عثر فيها ايضاً على اطنان من المحار وعظام الاسماك واصداف السرطان ثم عظام الحيوانات الاليفة مثل البقر والاغنام والحيوانات البرية مثل الارانب والغزلان. اما على صعيد المدافن فان مقبرة شمل وهي جماعية فقد كانت تضم من 150 الى 200 مدفن جماعي بنيت فوق سطح الارض وكان بعضها يضم دفان الاشخاص وممتلكاتهم مثل الجرات الفخارية والخواتم الفضية ورؤوس الرماح والسهام والعملات المعدنية وتقف تلك الاثار كدليل وشاهد على عظمة المنطقة. والى جانب كل تلك الاهمية التاريخية فقد حبا الله منطقة شمل بمزايا عديدة جعلت منها في السابق والحاضر منطقة سياحية تزدان بالطبيعة الخلابة والهواء النقي العليل والمياه العذبة. الوالد حسن احمد عبدالله الخرخور ولد وترعرع حتى كبر في قرية شمل وبقي فيها الى يومنا هذا ممسكا على ديار الاباء يزرع الارض ويرعى النخيل ويربي الدبش. يقول: انا من مواليد شمل ولا علم لي بالتاريخ او الزمان الذي ولدت فيه وان كنت ارى بان عمري تخطى الان السبعين عاماً, ورغم ذلك فمازالت بحمد الله في عنفوان الشباب الذي يجعلني اشرف عملياً على زراعة الارض ورعاية النخيل واتحرك في المجتمع يمنه ويسره دونما ان انتظر المساعدة من شخص اخر. واعتقد ان الحياة القاسية التي عشناها في السنوات الماضية هي التي جعلت من ابناء الوطن رجالاً اشداء لا يشعر الواحد منهم رغم تقدم العمر بالوهن والخمول او المرض الا نادراً جداً. عندما جاء الوالد الخرخور الى الحياة وجد نفسه الابن الوحيد بين اختين هما موزة وخديجة... وكغيره من الاطفال في ذاك الزمان فقد عاش حياة طفولية بسيطة في اسلوبها ووسائلها بيد انها كانت لا تخلو من المشقة الممتعة ــ يقول الوالد الخرخور ولدت في بيت يعرف باسم (المخزن) وهو يتكون من غرفة واحدة بنيت من الطين ورغم صغر سعتها فقد كان يعيش فيها كل افراد الاسرة وحيواناتهم وتضم الى جانب ذلك الاغراض الاسرية. ومن بطن تلك الغرف الضيقة خرج رجال صناديد ملأوا الساحة عملا وساهموا بعرقهم في نشر الدين الاسلامي وتحفيظ القرآن والعمل في شتى ميادين الحياة التي كانت سائدة وقتذاك. ويستطرد الوالد حسن خرخور يقول حينما تخطى عمري الخامسة بدأت اتبع والدي الى المزرعة فأجلس الى جواره وهو يؤدي المهام الزراعية وفي بعض الاحيان كان يطلب مني اداء الامور البسيطة التي تتوافق مع صغر جسمي كأن اقوم بجمع العشب واحراق الكرب واحضار الحابول الذي يستخدم في صعود النخلة وكذلك نقل المنفض وهو وعاء كان يستعمل في تنزيل التمور من النخيل. اما الشكنة التي ينظف بها النحيل والدي التي توضع على رقبة الثور لسحب الماء من البئر والدلو فلم استطع حملها لانها كانت اكبر او اثقل على قواي البدنية غير انه عندما بلغت السابعة من العمر بدأت امارس جل الاعمال الزراعية بما في ذلك سقي الزراعة وتنظيف الحقل بواسطة المسحاه والداس والمحراث وكنت اجد مشقة في وضع الوي المزدوج على رقبة الثور عندما ارغب في ري المحاصيل الزراعية ولذلك كنت الجأ الى والدي ليساعدني في ذلك الامر. مثلما هو الحال الان يتم تنظيم مناسبات للزواج الجماعي بكل ارجاء الدولة درءاً للبزخ وتيسيراً للحياة الزوجية فقد عرف المجتمع قبل عشرات السنين الختان الجماعي الذي كان هدفه بث روح الشجاعة في الاطفال ليقفوا بثبات لعملية الختان التي كانت تتم بآله حادة ومن غير مادة مخدرة... يقول الوالد الخرخور كنت طفلاً قوي البنية حينما انضممت الى اثني عشر طفلاً جاء بهم اهلهم من شتى المناطق للمشاركة في ختان جماعي نفذه رجل في مقتبل العمر اسمه سعيد مساعد وقد كنا ندخل عليه فرادا في عريش ولكي يبدو الطفل منا بمظهر الشجاع امام انداده واهله كان يطلق عقب عملية الختان صيحات الشجاعة وعدم الخوف. كانت الاسر تهتم لمناسبة الختان التي هي احدى مظاهر الفرح في المجتمع حيث يجتمع الناس وتذبح الذبائح وتقام الولائم ويحصل الطفل المختن على كثير من الهدايات النقدية والعينية من الاهل والارقاب. يضيف الوالد حسن الخرخور عدت لمزاولة العمل مع والدي بالمزرعة بعد اقل من شهر من غيابي عنها وهذه المرة كان يتملكني احساس بانني رجل او على الاقل اقوم بمهام الرجال لذلك لم اقبل مساعدة والدي لي في كثير من الاعمال وان كان يقف الى جواري دوماً ليبث في روح الحماس, لم يكن العمل في الحقل سهلاً بل على العكس من ذلك فقد كان شاقاً ومرهقاً لانه كان يعتمد على جهد الانسان والالة اليدوية فعلى سبيل المثال كنا قبل حلول موسم الزراعة نقوم بعملية (الهيس) وهي رش الارض الزراعية بالماء حتى يسهل حرثها بواسطة الة تجرها الثيران وتعقب ذلك عملية تجهيز الارض وفتح القنوات وفي بعض الاوقات كان اصحاب المزارع يلجأون الى استئجار العمال للمشاركة في اعداد الاراضي الزراعية وتجهيزها او يمكن فعل ذلك الشيء عن طريق الفزعة (الحشيد) وهو قيام عدد من اهل المنطقة بتقديم يد العون والمساعدة لغيرهم بلا مقابل. وقد كان النفير من المظاهر المألوفة جداً في المجتمع انذاك اذ كان اهل الفريج يستنفرون جهودهم من اجل دعم ونجدة غيرهم كأن يخرج الناس في جماعات لملاحقة اللصوص او يشاركون في بناء المساكن والاعمال الزراعية وتأخذ تلك المشاركة طرقاً متعدة مثل العمل باليد او تقديم الاكل او دفع الاموال. ويقول الوالد حسن الخرخور كان الواحد مننا يستشعر احوال غيره فلا ينام قبل ان يعرف ما يدور بالفريج ان كان خيراً خلد الى النوم وان كان شراً ذهب وقدم نفسه معاوناً ومناصراً للمظلوم والضعيف ولأن التعاضد والتكاتف كان من سمات المجتمع في الماضي فان الناس الذين عاشوا تلك الفترة لم ترهبهم قساوة ومرارة الحياة بل كانوا فرساناً في مواجتها بالوسائل البسيطة المتاحة واعتقد انهم نجحوا بجدارة في تخطي كل المشاكل الحياتية حتى وصلوا بالمجتمع الى تماسكه وترابطه الحالي. ويمضي الوالد حسن الخرخور في ذكرياته مبيناً ان منطقة شمل بما انعم الله عليها من ارض زراعية خصبة ومياه عذبه كانت توفر الغذاء الزراعي للمنطقة الزراعية باسرها مثل الرويد والبصل والقرع والحلبة والبوير والشعير والقمح كما كانت تزرع الغليون. ويقول كانت الاسر بكل افرادها من نساء واطفال تشارك في عمليات بذر الحب وحصد الانتاج وقطع الحشيش. اما بالنسبة لري المحاصيل الزراعية فقد كانت تروى باحدى طريقتين اما الامطار او الابار الجوفية التي كانت تحفر لاعماق لا تتجاوز 60 قدماً وتحتوي على مياه عذبة وكان المزارع يستخدم اليازرة لسحب الماء من الابار وهي مصنوعة من جذع النخلة الذي يقطع الى نصفين وفي قمة كل نصف فتحة دائرية ويربط بينهما بالصنفير وهو قطعة خشب من شجرة تسمى الاشخر او الشو. كما تتكون اليازرة من عدة اشياء مثل المنيور الذي هو عبارة عن قطع من الخشب يجمع على شكل دائري او بكرة لها عدة قطع صغيرة تسمى اللسان وهي اشبه بسكان السفينة ويصدر عنها الصوت الموسيقي الذي يطرب له المزارع, الدلو وهو الاناء الذي يأتي بالماء من البئر وهو مصنوع من جلد الاغنام الرشا: هو عبارة عن حبل سميك يربط به بالدلو من الاعلى ويمتد من الثور مارا بالمنيور ليحركه حتى يصدر صوته الموسيقي المرص: هو الحبل الرفيع الذي يوضع في اسفل الدلو ويساعد حبل الرشا ولذلك يطلق عليه (المساعد). الصوبي: هي قطعة مستديرة من الخشب تصنع بواسطة شخص مختص وتربط بها قطعتان من الحديد بكل جانب ومن ثم يوضع المرص على الصوبي ليساعد الثور على رفع الدلو من البئر, الروايل هو جذع النخلة مقسوم الى نصفين وتوضع في قمته العارضة التي تسند عليها التركيبة, الوي قطعة الخشب التي تكون على ظهر الثور عندما يدخل الى الخب (الزالوي) يضعه الشخص على يده ليساعد الثور على الحركة ويكون مربوطا بحبل يسمى بحبل الزالوي, السواعد: قطعة من جذع النخلة يقسم الى نصفين ويوضع على اطراف الصوبي القاية: هي قطعة خشب توضع على الدلو, الغبقة: هي عبارة عن حبل يوضع على رقبة الثور. المغيلة: وهي المكان الذي يصب فيه الدلو الماء, العروة: تكون اسفل الدلو, الكرب, هو الحبل الذي يربط بالدلو. يقول الوالد حتى الخرخور الى جانب اليازرة توجد حفرة ضخمة تعرف باسم المخب وفائدتها مساعدة الثور على النزول الى تحت مما يؤدي الى خروج الدلو من البئر ومن الضروري ان يكون الثور المستخدم في اليازرة قويا حتى يتحمل مشقة العمل ولذلك يعمل المزارعون على تربية ثور اليازرة بطريقة خاصة كأن يكون له طعام خاص يعرف باسم الفخارة وهي عبارة عن نوى البلح وورق شجر اللوز يخلط بالماء في اناء من الفخار يعرف باسم البرمة ثم يوضع على النار حتى يغلي جيدا وبعد ذلك يدفن تحت الارض مع قليل من الفحم المشتعل. ويتناول الوالد حسن الخرخور موسيقى اليازرة قائلا لقد كان شيئا رائعا وكأن الذي يقوم بعزف تلك الموسيقى هي فرقة عصرية غير ان مصدرها هي حركة المنيور اثناء سحب الماء من الرق, وكان المزارعون وغيرهم من الناس يجدون الكثير من المتعة والراحة والرغبة في العمل لدى سماعهم موسيقى المنيور بل ان بعضهم سعى بجهد خاص لتطويرها بان اضافوا الى المنيور اعدادا جديدة او عدلوا من اوضاعها على رقبة الثور الذي هو ايضا كان يشعر بالطرب بدليل انه كان يحرك اذنيه ويضاعف من حركته لمجرد سماعه للموسيقى الصادرة من المنيور. يقول الوالد حسن الخرخور كانت موسيقى المنيور سببا مهما في اداء مهمة ري الحقل الزراعي لساعات طويلة تبدأ من الساعة السادسة صباحا وتستمر بلا انقطاع حتى المغرب الا لاداء الصلوات. اما بالنسبة لوجبات الطعام فقد كان يتم تناولها اثناء العمل وعلى صوت الموسيقى التي يعزفها الثور بآله المنيور. وبمرور الوقت واستمرارية الممارسة النشطة اكتسب الوالد حسن الخرخور خبرة واسعة في العمل الزراعي حتى صار مرجعا لكل من يعمل في هذا المجال يرشدهم الى طرق الزراعة السليمة ويحدد لهم اوقاتهما ويدلهم على اساليب المكافحة.. يقول الوالد الخرخور دخولي الحقل الزراعي في سن مبكرة هو الذي اهلني وجعل مني شخصا ملما وعارفا بشتى الامور الزراعية وتربية الحيوان. ولكن علاقة الوالد الخرخور بالزراعة لم تستمر طويلا فعندما ظهرت الطفرة الاقتصادية ببعض الدول الخليجية المجاورة غادر الحقل وشد الرحال مع ابناء المنطقة بحثا عن العمل في الكويت.. يقول كنت قد تزوجت للتو عندما اصطحبت مجموعة من ابناء المنطقة في رحلة بحرية الى الكويت التي عملت فيها بمجال البناء حيث ابتعدت عن بلادي عامين ونصف وكان يمكن ان تطول فترة الغياب لاكثر عن ذلك لولا ان سمعت من احد الاشخاص وقد كان كلامه موجها لي شخصيا بانه يسافر سنويا الى الوطن ونتيجة لذلك فقد رزقه الله بولدين هما اغلى عنده من كل شيء في الدنيا, فاستفزني ذلك القول حيث انني متزوج منذ اكثر من عامين ولم انجب وقررت على الفور العودة الى الوطن وبقيت الى جوار زوجتي حتى رزقني الله بابني (احمد) الذي هو من الرعيل الاوائل في مجال التعليم بدولة الامارات العربية المتحدة, ثم سافرت مرة اخرى الى البحرين وعملت بها 6 اشهر قبل ان اعود الى دياري واستقر نهائيا الى جوار اسرتي. يستطرد قائلا: كما قلت انفا فقد عاش ابناء المنطقة سنوات عجاف كابدوا خلالها حياة مريرة اضطر بعضهم الى التضحية بفلذات اكبادهم بل ان بينهم من فقد حياته وهو يصارع من اجل سبل كسب العيش ولكن بفضل قيام دولة الامارات العربية المتحدة تبدلت الاحوال رأسا على عقب فالانسان الذي يعيش حياة لاتخلو من الفقر والبؤس هو اليوم ينعم بكل اسباب الرفاهية المعيشية والتعليمية والصحية ولاينقصه شيء في ذلك بل يساهم في اسعاد الآخرين. وينبه الوالد حسن الخرخور الى اهمية المحافظة على التراث والاستمرار في نبشه وتذكير الابناء والاجيال القادمة لانه يبرز الدور البطولي للاباء والاجداد في مواجهة الحياة كما ان فيه حثاً للاجيال على التمسك بدولتها وقادتها الذين عملوا على تطوير الوطن ورفاهية ابنائه.