فوجئت بالحضور غير التقليدي في مكتبة القاهرة الكبرى. الآن تصوير قضبان مدت في الأرض. إلى الشمال تقدمت سيدة جميلة ترتدى الجينز عرفتها من الصور. لم نلتق من قبل رغم أنها تخرج فيلما مأخوذا عن قصة لي . إيناس الدغيدى. في المكتبة لتصوير بعض لقطات فيلم عربي... تناولنا حديثا وديا. اقترب رجل وسيم قوي الحضور صافحني, قال مبتسما انه يعمل في الفيلم... يمثل دور وزير. ألا تذكرني! رحت أتطلع إليه.. تاهت ذاكرتي في التفاصيل المتزاحمة.. قال: (كنا سنموت معا..) هنا انفجرت اللحظات المتوارية.. برق في أفق الذاكرة ضوء ساطع.. فكأنني أرى ما جرى منذ ثلاثين عاما وكأنه الآن.. صحت باسمه. (بالضبط..) جرى ذلك في زمن الحرب.. عام سبعين.. ذروة حرب الاستنزاف.. قصدت قطاع الجيش الثاني بصحبة أستاذي وصديقي محمد عودة وبالطبع المصور الفنان الشجاع مكرم جاد الكريم. فارقنا مقر قيادة الفرقة في سيارة عسكرية بصحبة ضابط برتبة رائد.. كان يرافقنا حتى موقع الدفرسوار.. في الطريق الذي يمر على مقربة أحيانا من قناة السويس حيث نصبح في مرمى الأسلحة الخفيفة للعدو وفي مجال رؤيته. تبادلنا الحديث عن الموقف.. عن الحرب.. عن أمور شتى.. لفت نظرنا سعة اطلاع الرائد الشاب وثقافته.. فجأة صاح آمرا السائق (اركن!!) بمجرد توقف السيارة فاض السمع بهدير الطائرات المعادية.. هدير ثقيل.. بغيض.. كان يميز طائرات الفانتوم الأمريكية التي كانت تعد متقدمة جدا في ذلك الوقت. انبطحت أرضا.. أسرعنا تجاه ترعة الإسماعيلية.. نظرت إلى العربة مفتوحة الأبواب..كان منظرها يعكس الذعر وكأنها تشعر وتعبر.. اقترب الهدير.. ودوي انفجار رهيب.. ثم طلقات الرشاش المركب في الطائرات المهاجمة. كان الهدف جسراً معدنياً يصل ضفتي الترعة.. القنبلة زنة خمسمائة رطل أخطأته.. لكنها أصابت خمسة خبراء سوفييت كانوا يصيدون السمك.. استشهدوا جميعا على بعد حوالي مائة متر منا. اختلطت المعالم.. الطيران.. القصف.. العودة على ارتفاع منخفض جدا.. تناثر الطلقات فيما بيننا..نظرات متبادلة بيني وبين محمد عودة. فوجئت بمكرم يتمدد فوق ظهره.. مشهرا آلة التصوير.. متابعا الطائرات أثناء دورانها واستعدادها للهجوم مرة أخرى.. كان متأهبا لالتقاط صورة.. المهم الصورة.. كان هدفه وقتئذ التقاط صورة لطائرة لحظة أصابتها.. وحقق هدفه هذا خلال حرب أكتوبر عدة مرات. خلال هذه اللحظات ينهمر الزمن.. تتداخل عناصر الواقع.. بقدر تقارب المصائر بقدر تباعدها إلى الأبد فيما لو وقع الفناء المقصود. مازلت أذكر ملامح محمد عودة الراسخة الهادئة.. وعيني الضابط المرافق لنا.. الذي حيرتني سرعة استجابته واكتشافه صوت الطيران الذي كان يغطي عليه صوت محرك السيارة. كان قد اكتسب غريزة قتالية بحكم إقامته في الجبهة.. انتهت الغارة.. افترقنا.. ولم نلتق بعد ذلك قط.. لكنني كنت دائما أفكر فيه إذ أستعيد هذه اللحظات.. ولم يخطر لي أنه هو نفس هذا الفنان الرصين الهادئ.. الذي يتقدم بخطى رشيدة راسخة في طريق الفن.. واسمه محمود قابيل. دلال كانت تقف في صالة الفندق المطل على النيل.. جميلة.. مؤطرة بحضور شفاف.. متناسقة.. كأنها شجرة أتقن تهذيبها.. فرعها سرح.. رغم أنها ليست باسقة.. خرجت إلى الطريق المائل قليلا.. المحاذي للنيل. الوقت ما بعد العصر.. غيوم رمادية.. الهواء شفاف.. ما بعد العاصفة الخماسينية.. لسبب ما أيقنت أنه اليوم الأخير الذي تبدو فيه معالم الشتاء القاهري.. النيل غزير.. مهيب.. مازال يمضي كشاهد صامت أبدي. راحت تخطو أمامي.. بمفردها.. ترتدي قميصا من الصوف وبنطلونا أسود أبرز عمارتها المتقنة.. تمسك بأوراق وفي يدها الأخرى هاتف محمول.. حريصة على إبرازه.. والتظاهر بالحديث فيه مع أنها يمكن أن تباهي الدنيا بما لديها وما تفيض به من حسن وإتقان للدلال. أفق الأبدية الأقصر.. العبور من الضفة الشرقية إلى الغربية عبر الجسر الجديد.. على مداخله يقف حورس.. الطائر المقدس.. رمز مصر القديمة.. تمثالان في حجم هائل.. ما أروعهما.. ما أبلغها من دلالة.. انهما أكثر مهابة وأدل على روح مصر ورمزها من اسود كوبري قصر النيل التي تشير إلى الإمبراطورية العجوز.. البريطانية. العربة تسرع عبر البر الغربي.. عقدنا النية على اللحاق بصلاة الجمعة في ساحة الشيخ الطيب بالقرنة.. كنت بصحبة زميلي مصطفى عبد الله.. والدكتور أبو الفضل بدران الشاعر والأستاذ الجامعي والصديق. اللون الأخضر ممتد إلى حدود الصحراء حيث يبدأ الأصفر.. للألوان هنا دلالاتها.. وإشاراتها.. الأخضر للحياة والأصفر للموت.. الشروق والغروب.. في كل يوم تتجدد الحركة الكونية.. كنت أرقب الأفق بعيون الأجداد.. عندما كانوا يضعون الأساس الروحي لكل ما قامت عليه الإنسانية فيما بعد.. الليل والنهار.. الأسود والأبيض.. النهار والليل.. الموت والميلاد تماما كتلك الشمس التي تغيب لترجع في صباح اليوم التالي. تمثال ممنون.. نصب من مهابة ورسوخ. نصل إلى القرنة القديمة. البيوت رغم فقرها البادي إلا أنها تحوي خطوطا جمالية.. وبعضها عليه جداريات الحج.. ألوان زاهية ورسوم تلقائية بديعة للحج.. ألا تذكرنا هذه اللوحات الجدارية.. باللوحات التي رسمها الأجداد فوق الجدران تحت الأرض وفوقها. نصل إلى الساحة.. مازالت الخطة قائمة. نقلع الأحذية.. نندمج بالصفوف ألمح صاحبي وأخي فضيلة الشيخ الدكتور أحمد الطيب الحساني وهو من أدلتي الخيرية.. كان لي شرف صحبته إلى مراكش لنحضر مؤتمرا علميا عن التصوف.. ومنذ ذلك الحين ارتبطت به روحيا وان قلت لقاءاتنا وتباعدنا بسبب إقامته في الجنوب ومكثي في القاهرة.. نتبادل التحية.. ولا تمضي لحظات إلا وتبدأ الصلاة. جوال انها تأملات الصباح الباكر.. ما بين الفجر والشروق استيقظ.. أصغي لعل رسالة مجهولة تصل.. عندي آثار حلم ما راحت كافة تفاصيله لكنه أودع عندي أثرا. اليوم.. أتساءل: أين أنا الآن في هذه اللحظة؟ عند أي نقطة من الكون؟ في أي حيز؟ انني أتساءل عن ذلك المكان الذي يتجاوز حجرتي والوطن والكوكب الذي نعيش فوقه.. يبدو ثابتا وهو ليس كذلك يدور حول مركزه.. حول الشمس.. الشمس تدور حول المجرة.. المجرة حول مجرات أخرى.. دائما مكاننا يتغير.. وكذلك وقتنا معه. أين اذن أنا الآن؟ في أي موضع من الكون؟ أي نقطة بالضبط؟ ومن يمكنه التحديد أو تحديد القياس؟ سيطر علي التساؤل واحتد حتى ولت آثار أي إعفاء أو نوم.. وكنت أتأملني في رقادي وأعي أنني غير ثابت.. انني جوال.. راحل في عمق هذا الكون! أبيض واسود عندما نزلت الدراجات المؤدية إلى صالة عرض خان المغربي بأحد شوارع الزمالك الهادئة فوجئت بجلسة الفنان جميل شفيق. كانت قعدته في مواجهة لوحاته لوحة في حد ذاتها.. كان يبدو حزينا لسبب ما.. وفي حالة تحديق شديدة إلى ما رسمه عبر أربع سنوات.. لم أشأ أن أزعجه.. صافحته ورحت أتأمل اللوحات. أي رقة ورهافة يمكن أن يعبر عنها الإنسان.. لن أتحدث عن جميل شفيق نفسه فهو فنان شديد الصدق.. صادق مع نفسه مع الآخرين.. متواضع إلى درجة مدهشة.. وربما لهذه الأسباب أحبه نجيب محفوظ وقربه وضمه إلى شلة الحرافيش.. فن جميل شفيق يعبر عنه.. انه يستخدم لوناً واحداً فقط ونقيضه.. أبيض واسود.. انه يكتب بالرهافة نفسها.. بمادة الحلم.. بتلك اللحظات الفاصلة بين الساعة والساعة.. بين الأصل والفرع.. بين ما كان وما سيكون.. ونساء ينتمين إلى عالم آخر.. أحيانا نراهم كنساء الأحلام.. ملامح لا ندري ألتقيناها ولكننا نعرفها بشكل ما.. من تكوين معين لجلسة امرأة مصرية تتشح بالسواد أرى معاناة عصور متتالية.. لكن.. ما هذه الأسماك أمامهن! ما دلالاتها. تتنوع الرؤى والواقع واخرج مفارقا صالة العرض ولكن ليس كما دخلت.. لقد أضيف إلى الكثير.. ولعل أبرز ما تردد عندي عجبي.. كيف يمكن لإنسان أن يجسد شذا النفس.. وأن يرسم بالظلال المندثرة.. والأضواء التي مازالت في رحم الغيب.. تلك عبقرية جميل شفيق بحزنه وفرحه.