الكتابة أنواع ــ كتابة جهمة, لاتتردد في إظهار وجهها العابس, ربما لأن موضوعها يفرض على كاتبها طابع العبوس, والنتائج التي تشير اليها لا تبعث إلا على الجهامة , وطبيعة مادتها لاتقبل خفة الظل أو ابتسامة الاستظراف. ويقترب من هذه الكتابة الكتابة الجادة التي تتسم بالرزانة والتروي. وتعتمد على الحقائق لا الانطباعات, وعلى الوقائع المحددة لا التلميحات المبهمة. ورزانة هذه الكتابة كتروِّها مرتبطة بطبيعة المعلومات التي تنقلها, أو رؤية عالم الكاتب التي توصلها. وأخيراً, هناك الكتابة التي تتخلى عن الجهامة والرزانة, عامدة, متعمدة, كما لو كانت تدرك أن القارىء قد مَلَّ من كثرة الجهامة والجدِّية الرزينة في المقالات والدراسات التي يطالعها صباح مساء. وفي الحياة القاسية التي يفرضها عليه هذا النظام أو ذاك. ويبدو الأمر كما لو كانت هذه الكتابة الأخيرة قد وَعت الدرس القديم الذي يقول: أجمُّوا النّفْس ببعض الباطل حتى تقوى على الحق. وكثيرة هي أنواع هذه الكتابة التي تتعمد إجمام النفس, وتكتب للعقول بعض ما يريحها من عناء التأمل العميق والاستغراق المضني في التفكير. وليس (الباطل) الذي تلجأ إليه أنواع هذه الكتابة هو الباطل بمعناه السلبي, وانما بمعناه الإيجابي, أقصد إلى المعنى الذي ليس قرين الكذب, أو الزيف, أو التضليل, أو الضلالة بل المعنى الذي يقترن بالراحة والاستجمام, والذي يرجع الى بعض ما يدل عليه الجذر اللغوي للتبطل الذي يعني التفرغ من العمل, أو الاجازة, أو العطلة, أو الاستراحة, باختصار: كل ما يفعله الإنسان عندما ينال منه إجهاد العمل, ويصيبه التعب بما يدفعه الى طلب الراحة التي هي أشبه باستراحة المحارب. وأتصور أن ذلك هو المراد من الحديث: (أَجمُّوا النَّفْس ببعض الباطل حتى تقوى على الحق) , فدلالة الباطل في الحديث تنصرف إلى كل ما يبعث في النفس التي تستريح حبورا وبهجة, ويجدد لها نشاطها وحيويتها, ويعيد اليها بسمتها ونضارتها, فتشعر بالتجدد والقوة والعافية, ومن ثم تستعيد كل ما فقدته من نشاطها, وتقبل على ما هي فيه, مواصلة رحلتها في دروب المعرفة التي تسعى الى الارتقاء بالانسان من مستوى الضرورة الى مستوى الحرية. وإلى شيء من ذلك, ذهب علماء النقد في التراث العربي وأهل البلاغة القديمة في تبريرهم شعر الغزل وشعر الفكاهة في ابداعنا العربي, من حيث ان شعر الغزل باطل يراد به الحق, واجمام يراد به قوة النفس, أما شعر الفكاهة فنظروا اليه على انه هزل يراد به الجد. ولم ينظروا الى ما يشبه هذين النوعين نظرة التحريم أو التكفير خصوصا في البيئات التي ظلت تعمر بالتسامح ورحابة الفهم الديني ورجاحة الوعي الاجتماعي, بل نظروا الىها نظرة التقدير لما تؤديه للنفس من فائدة, وما تبعثه في قلوب المستمعين وعقولهم من حضور ونشاط. وما أكثر الحكايات والمأثورات التي تروى في تراثنا العربي حول هذا الجانب, والتي تبدأ كلها وتنتهي بتأكيد ضرورة التنوع والتعدد في الكتابة, وتأكيد اهمية ما وصفوه بالباطل على سبيل التسامح والتملح والمجاز في الوقت نفسه. وليس من الضروري ان نوافق هؤلاء القدامى على ما فعلوا, ولا حتى متابعتهم في تبرير الفن على انه باطل يراد به الحق, وانما التقاط الدلالة الاساسية في كلامهم, وهي الدلالة التي تؤكد اهمية الابتسامة التي تثيرها الكتابة, أو تبعث عليها, وإبراز أهمية نوع الكتابة المختصة بذلك, والصلة بين هذه الدلالة وحديث الفلاسفة عن الضحك هي نفسها الصلة بين الكتاب الذين لا تفارق كتابتهم نزعة السخرية أو التهكم وعلماء البلاغة الذين حاولوا التمييز بين أساليب الكتابة الفكهة, سواء من حيث مصادرها في عقول الكتاب وضمائرهم وطبائعهم, أو من حيث تقنياتها وأساليبها والحيل اللغوية التي تستعين بها. وأخيرا, من حيث تأثيرها في القارىء, وما لهذا التأثير من قدرة على توجيه المتلقي, أو خلق حالة من الشعور بالراحة, أو التنفيس عن المكبوت في داخله. ولكن هناك دلالة اخرى موازية لهذه الدلالة المرتبطة بالكتابة الباسمة, وهي الدلالة التي تؤكد ان الكتابة لا ينبغي ان تكون كلها وحيدة الصفة, وحيدة الاتجاه, أحادية المنزع والمبنى, فالكتابة هي الحياة. تعددها هو الوجه الآخر من تعدد أوجه الحياة, وتنوعها ينبع من التنوع الذي تنبني عليه الحياة نفسها في كل أحوالها وأطوارها وتجلياتها. وإذا كانت الحياة مزيجا من الجد والهزل, الخير والشر, الفرح والحزن, فالكتابة فيها ما في الحياة من تنوع وتعدد. وتزيد على ذلك رهافة الشعور الإنساني, ودقة الفكرة, وعمق الإحساس, واتساع مدى الرؤية, والتقاط النكتة الدالة التي تضىء العقل بالفهم والشفة بالبسمة. وقد تعلمنا ــ منذ بداية العهد بالدرس البلاغي والنقدي ــ عبارة (بوفون) الشهيرة التي تقول إن الأسلوب هو الرجل. وهي عبارة تعني في صيغة الجمع ما تعنيه في صيغة الإفراد, فالأساليب هي الرجال أو هي الأشخاص في تعدد صفاتهم وتنوع أحوالهم واختلاف طبائعهم. وكما يوجد الشخص العبوس توجد الكتابة العبوس, تماما كما توجد الكتابة خفيفة الظل التي تشبه صاحبها أو صاحبتها, وأحسب أن الأمر في هذه الصفة أو تلك يجاوز محتوى الكتابة ومضمونها الى طبع الكاتب أو روحه الذي يشيعه في الكتابة, فمن الكُتَّاب من تظل كتابته خفيفة الوقع على القارىء مهما كانت صعوبة موضوعها, ومنهم من تثقل كتابته على القارىء مهما كانت سهولة موضوعها. ويعني ذلك أن تنوع الكتابة واختلاف تأثيرها لا يرجع الى الكتابة وحدها بل الى الكاتب الذي يمزجها بنفسه, فتخرج كتابته على صورته, كأنها إياه في خفة الروح أو حسن المعشر أو طلاوة النفس أو جاذبية القبول. وأتصور أن ذلك هو السبب الذي جعل المجلات والجرائد المعاصرة تحرص على ألا تنغلق صفحاتها في اتجاه واحد, أو تقتصر على فن دون غيره, أو على كاتبين من طبع واحد, وإنما تؤكد تنوع كتابها وتباين أقلامهم. أضف إلى ذلك ما تقوم به هذه المجلات والجرائد, حين تضيف إلى أبوابها الجهمة, ما يخفف الجهامة, وإلى ذوى الأقلام الثقيلة ذوي الأرواح الخفيفة, قاصدة من وراء ذلك إلى أن يكون في المادة التحريرية ما يبعث القارىء على الابتسام, ويخفف عنه عناء الجهد العقلي الذي تقتضيه البحوث والدراسات والمقالات التي لا تعرف الابتسام. وعناوين مثل (مسامرات) أو (استراحة) أو (استراحة المحارب) أو (ابتسامة أخيرة) أو (إلى أن نلتقي) .. إلخ, كلها عناوين مألوفة دالة على هذا النوع من كتابة الإجمام للنفس في صحافتنا العربية.. وليس من المصادفة أن يختار كل كاتب لهذا النوع من الكتابة عنوانا يجذب الانتباه إليه للوهلة الأولى, وينطوى على ما ينبىء بوجود مسحة حميمية وعلاقة شخصية تربط بينه والقارىء في علاقة ألفة, علاقة من نوع مختلف عن علاقات هذا القارىء بالمقالات الجهمة الرزينة الوقور التي يكتبها أمثالي من العابسين, وما تتميز به هذه الكتابة من خفة الظل, ومن تقديم ما يبعث على الابتسام, ومن السخرية الطريفة التي لاتخلو من معان دالة, هي بعض ما جعل صفحة هذه الكتابة محببة لدى القراء, وبعض ما جعل الجمهور يختصها بالحضور الذي يشد الانتباه الى ما فيها من جديد, ومثال ذلك كتابة كاتب مثل جهاد الخازن في (عيون وآذان) التي ينشرها يوميا في الصفحة الأخيرة من جريدة (الحياة) اللندنية, أو كتابة محمود السعدني تحت عنوان (على باب الله) في الصفحة الأخيرة في مجلة (المصور) القاهرية, أو بعض صفحات جريدة (البيان) الإماراتية, أضف الى ذلك ما يكتبه أمثال أحمد رجب تحت عنوان (نصف كلمة) , ففي ما ذكرت ما يدل على غيره من نماذج هذا النوع من الكتابة التي تجمع بين الفائدة والمتعة, التشويق البهيج والرأى السديد. وأتصور ان هذه النماذج التي أشرت اليها تجعلنا نلح على صلاحية الصفات القديمة عن الهزل الذي يراد به الجد, والتفكه الذي يراد به التعلم, والتهكم الذي يراد به الكشف عن أوضاع سلبية, والسخرية التي تقاوم القمع, والنكتة التي تروض المردة, والبسمة التي يثأر بها الظالم من المظلوم. ولذلك كانت كتابة البسمة في الطليعة من كتابة التمرد, شأنها في ذلك شأن فن الكاريكاتور الذي تبادلت واياه الصفات والملامح, وذلك منذ أن تخلق هذا الفن في الدائرة نفسها التي ازدهرت فيها هذه الكتابة احتجاجاً ومراوغة وتسلية في آن. وطبيعي ان تتزايد صفات المراوغة في هذا العصر, وأن يبحث هدف التسلية لنفسه عن مصادر جديدة, خصوصاً ونحن نعيش في زمن المعلومات, ودليل ذلك ما يفعله شباب الكتابة الباسمة في هذه الأيام, خصوصاً حين يفيدون من شبكة معلومات (الإنترنت) التي يستقون منها معلوماتهم, بل يستمدون منها فكاهاتهم التي تتناثر عبر الصفحات العصرية الباسمة, وأصفها بالعصرية لأنها تؤكد وعي كاتبها بأنه يعيش في عالم أصبح قرية كونية صغيرة بالفعل, وتكشف عن كيفية افادته من الثورة الهائلة التي حدثت في تكنولوجيا الاتصالات التي أصبحت باباً جديداً للمعلومات والمعارف, حتى لمن يريد ان يجم النفس ببعض طرائف الانترنت حتى تقوى على مصاعبه.