لعلك تذكر صورة التاريخ التي نطالعها أحيانا في رسوم الكاريكاتير وحتى في تصاوير الرسامين الذين يعمدون إلى تقديم التاريخ في صورة شيخ جليل بلغ من العمر عتيا وناء الزمن بكلكله على كاهليه الواهيين وطال شعره المجلل بياض الثلج والعمر الطويل, فيما تقترب صورته من هيئة فلاسفة الزمان القديم, فيما يمسك هو ــ التاريخ ــ بريشة الكتابة الكلاسيكية ويخط في دفتره العتيق انصرام السنين ودورة الفلك. وقد يبالغ الكتاب والمتأدبون فيتحدثون عن فلان الذي رحل عن دنيانا.. وآخرون يريدون تضخيم الفقيد وتأجيج الأسف, فهم يقولون إن المرحوم قد أصبح في (ذمة) التاريخ ولا ندري من هو الفصيح الذي اخترع حكاية الذمة إياها ثم عمد إلى نسبتها إلى مولانا التاريخ, وكم أحسن العلامة السوري الراحل الدكتور شاكر مصطفى في سلسلة كتبه الجليلة بعنوان (التاريخ العربي والمؤرخون) .. عندما أوضح لنا أن العرب في مبدأ الأمر لم يعرفوا في ثقافتهم الباكرة مصطلح المؤرخ أو تعبير التاريخ كما نعرفه نحن في زماننا الراهن بل كانوا يطلقون لفظة (الأخبار) أو (الأيام) على ما نعرفه نحن باسم التاريخ, وإذا كانت (أيام العرب) تسجل حديث الوقائع الظافرة المشهودة التي انتصر فيها العرب.. بكل بساطتهم وسذاجتهم وبداوتهم.. على جيوش كسرى ودولته الباذخة التي طالما دوخت الرومان.. فإن (الأخبار) كما يقول البلاغيون أمور إنما تحتمل الصدق والكذب في ذاتها.. وطبعا بصرف النظر عن مصدرها أو راويها أو قائلها.. وهذا هو الفرق ــ كما ينبه أهل الفصاحة ــ بين الأسلوب الخبري والأسلوب الإنشائي. في الخبر أنت تقرر حقيقة, كأن تقول مثلا: إن الزعيم الفلاني أو الوجيه الفلاني كان بطلا أو كان فارسا.. ولكنها حقيقة تأتي بها أنت وقد تحتمل ــ شايف الفلسفة ــ الصدق إذا ما ثبت أن صاحبنا ــ الزعيم أو القائد ــ كان بطلا بحق.. وقد يكون الأمر على خلاف ذلك ويصبح للخبر المروي جانب آخر تماما, كما أن للحقيقة أكثر من وجه, فإذا بكلام سيادتك غير صحيح فلسفيا ونظريا حتى لا ننسى.. وإذا بالمذكور أعلاه كان وغدا لا يتورع عن الفساد في البلاد والظلم بين صفوف العباد. الحاصل إذن أن التاريخ بوصفه في التحليل الأخير رواية تناهت من الزمن القديم إلى زماننا الراهن.. أو باعتباره من الأخبار قد يكون فيه الصحيح وغير الصحيح.. الخبر النزيه والآخر المزيف المكذوب.. ومن ثم تتعدد الرؤى بقدر ما تتعدد الروايات.. وتختلف الآراء قدر اختلاف الرواة.. وكم من حسابات قديمة يتم تصفيتها وكم من إحن مكبوتة وثارات بايتة ومحتقنة في دواخل النفوس يتم الاقتصاص منها.. كل ذلك باسم التاريخ الذي يبدو أن له ذمة واسعة حمالة أوجه.. هذا إن كان له ذمة في الأصل وفي الأساس. خذ مثلا ثورة 23 يوليو في مصر.. تقرأ مذكرات لبعض من شاركوا في صنعها فإذا هي تاج الأمة مبرأة من المثالب منزهة عن كل العيوب وتقرأ كتابات أعدائها من صفوف اليسار الماركسي المتحجر وغيره, فإذا هي جاءت لتقطع الطريق على الحركة اليسارية في مصر اذ كانت الأمور قد نضجت قبيل 1952 ــ لكي يتسلم الأخوة اليساريون زمام الحكم ويؤسسوا ــ ثم تقرأ عن ثورة يوليو كتابات خصومها من فلول الباشاوات ومن لف لفهم فإذا بالثورة مجرد حركة انقلابية قام بها مجموعة طماعين من الجيش وغدروا بجلالة مليك البلاد وتاج رأس العباد وعاثوا فسادا في أرض الكنانة حتى أن يقول قائلهم بالفم المليان دون أن يطرف له رمش (انها ثورة السلب والنهب) و.. كل يغني على هواه. تحاول أن تبحث عن الحقيقة.. فيصادفك ــ كما صادف الفقير كاتب السطور ــ فيلم أنتجته ومثلته سيدة مصرية.. واستطاعت بفلوسها وبملابسها المثيرة.. وأحيانا بغير ذلك أن تقول في الفيلم أن ثمة وصيفة في قصر الملك فاروق كانت وراء حوادث الثورة.. وكانت ــ والخيال شغال والتهويمات على كف من يشيل ــ هي التي تتحدث عن آمال الشعب المصري وعن آلام كادحيه في وجه الملك فاروق.. إلى آخر مثل هذا العته التاريخي كما قد نسميه. ويخيل إلينا أن الأهم من هذا كله ألا نصدق التاريخ على طول الخط.. وخاصة تاريخ المراحل القريبة من لحظتنا الزمانية الراهنة حيث شهودها.. أو بعضهم.. لا يزالون على قيد الحياة رغم أن بعضهم قد بلغ من العمر عتيا ومن ثم فليس أمامه سوى الإدلاء بشهادات يشوبها أحيانا وهن الذاكرة ويعي بها كثيرا منطق الأنانية والتبرير. وكلما بعدت شقة الزمن.. قد يزيد جلاء الأمور وتبدأ الحقيقة في التجلي أمام الأبصار والأذهان.. شريطة أن يظل القوم منشغلين بمحاولة البحث عن الحقيقة مهما طال الأمد. هذا بالضبط ما فعله أصدقاؤنا الإنجليز في شهر يونيو الماضي حين اجتمع أعضاء أكبر اتحاد للتمريض والمهن الطبية في بريطانيا وصوت أعضاؤه بأغلبية كاسحة على إزاحة فلورنس نايتجيك عن عرش ريادة التمريض في العصر الحديث. لقد ظلت تحمل لقبها الشهير الذي تعرفه كل ممرضات العالم وهو (السيدة ذات المصباح) .. أو (حاملة المصباح) بمعنى ملاك الرحمة الذي يمسك المصباح ويجول بين أروقة المشافي يواسي الجرحى ويداوي المصابين, ولقد عاشت هذه السيدة الإنجليزية وامتهنت حرفة التمريض في حرب القرم التي دارت على شواطئ البحر الأسود ــ عند حدود روسيا ــ وهي حرب شاركت ــ بل تورطت بها ــ الدولة العثمانية وخرجت منها خاسرة.. بل عمدت الدولة التركية إلى إشراك والي مصر في تلك الفترة (حوالي 1850) في أتون تلك الحرب ولم يكذب الوالي المذكور خبرا ــ وهو سعيد باشا ابن محمد علي ــ فما كان منه إلا أن بعث إلى شبه جزيرة القرم بفرقة جنود مصريين حاربوا هناك.. تماما كما أراد سعيد باشا أيضا أن يجامل صديقه نابليون الثالث ملك فرنسا فما كان منه إلا أن بعث بفرقة جنود من مصر والسودان حاربت مع قوات فرنسا في ربوع.. المكسيك. المهم أن بدأت فلورنس المذكورة حياتها كممرضة في حرب القرم وظلت طوال القرن والنصف الفائت محل إكبار وإجلال باعتبارها أشهر وأعظم رائدة تمريض في التاريخ. لكن الأخوة الإنجليز لم يستسلموا لحكاية التاريخ هذه بل اعتبروه ــ كما سبق واعتبره البلاغيون العرب الأقدمون ــ مجرد أخبار تحتمل الصدق والكذب.. ومن ثم ظل الباحثون ينقبون في سيرة وسلوكيات السيدة حاملة المصباح ويراجعون ويدققون في هذه السيرة إلى أن توصلوا ــ بما يشبه الإجماع العلمي ــ إلى أنها لم تكن رائدة ولا يحزنون ودائما شاركها في الريادة سيدات أخريات, منهن الأيرلندية جوانا بريدجمان والممرضة السوداء ماري سيكول والراهبة اليزابيث فراي التي مازال اسمها مرتبطا بإصلاحيات السجون. بل قال قائلهم: إن فلورنس لم تكن ملاك رحمة ولا حاجة.. بل كانت طاغية جبارة في يدها سوط عذاب على من ترأسهن من صغار الممرضات.. فيما كانت تظهر اللين والتلطف الشديد في حضرة رؤسائها من الأطباء.. وكذلك لم يعد يصدق عليها القول التاريخي المأثور (أنها كانت تضع الممرضات رهن إبهامها.. بل كانت تضعهن المسكينات تحت كعب جزمتها) . هكذا شرحوا مؤخرا سيرة فلورنس نايتجيك الرمز بل والأسطورة وكان مؤتمرهم يضم نحو نصف مليون من ممثلي حرفة التمريض والمهن الطبية في طول المملكة المتحدة وعرضها وانتهى بهم وبها الأمر إلى اتخاذ قرارين: الأول يؤكد أن الصورة التي رسمت للسيدة فلورنس عبر السنوات المائة والخمسين الماضية جاءت للأسف تعبيرا عن: (فكر غاية في السلبية والرجعية) ومن ثم ينبغي التحول عنها. والثاني يطالب المؤتمر (الكونجرس) الدولي لمهنة التمريض أن يكف عن الاحتفال بيوم 12 مايو من كل عام يوما للتمريض لأنه يوافق عيد ميلاد المذكورة أعلاه. أرأيت كيف أن التاريخ حمال أوجه بل وضعيف الذاكرة وربما قليل الحيلة. لا عجب أن يصوروه كهلا محطما.. وفي يده ريشة عتيقة.. وتلك آية على التخلف وسوء التقدير.. وإلا فقل لي بربك: من يكتب بريشة في هذه الأيام؟!