بينما ينشغل العالم باستنساخ, أو استنسال (الكائنات) والأعضاء البشرية والحيوانية والنباتية, فإن لدى العراقيين اليوم استنساخ واستنسال من نوع آخر , لان الثقافة يجب ألا تنقطع, والحضارة يجب أن تتوالد, حتى لو كان ذلك بالاستنساخ.. ولا غرابة في ان يسمي أحد أصحاب مكاتب الاستنساخ مكتبه باسم (دوللي), فهو في نظره (علامة الجودة). ولكن العلامة هنا أفرزتها ظروف الحصار, الذي كلما أحكم قبضته على العراقيين, وبشكل خاص على المثقفين منهم, وجدوا سبلا ومنافذ جديدة لمواصلة ارتقائهم الإنساني. لقد أفرز الحصار جملة من الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.. ومن ذلك ما ابتكره المثقفون ورواد الثقافة للتغلب على ندرة الكتاب وشحته, عن طريق الاستنساخ, حيث يتم تصوير اعداد من الكتب التي لا تصل إلينا. * حول هذه الظاهرة, يقول قاسم جبر السوداني, صاحب مكتب (أسامة) للاستنساخ: ــ بدأ الأمر معي, عندما قصد مكتبي أحد طلبة الدراسات العليا في جامعة بغداد, مصطحبا معه كتابا في مناهج النقد الأدبي الحديثة, وطلب مني تصويره من ألفه إلى يائه, وبأكثر من نسخة.. استغربت الأمر في البداية, ثم عرفت فيما بعد ان هذا الكتاب غير متوفر في العراق, ترددت في بداية الأمر, لانني لم أكن متأكدا من تحمل جهاز التصوير, غير اني نظرت إلى العمل من ناحية أخرى فرأيته مربحا.. وصورت الكتاب كله, بثلاث نسخ, مما جعلني أتحمس لهذا العمل, وأواصل تصوير الكتب التي يحتاجها طلاب الجامعات والدراسات العليا. سوق رائجة إذن.. بدأت هذه الظاهرة بطلاب الجامعات, وسرعان ما انتقلت (عدواها) إلى الأوساط الثقافية.. عن هذا الانتقال حدثنا محمد الشيخ صاحب مكتب استنساخ (علامات): - عندما رأيت ان الطلب يزداد يوما بعد آخر على الكتب الصادرة حديثا عن دور نشر عربية, ولما كان الحصول عليها صعبا, فضلا عن انها غالية الثمن, طلبت من بعض الأصدقاء والمعارف والعاملين في الخارج ارسال بعض الكتب والعناوين الحديثة التي يحتاجها القارئ العراقي, وصورتها بجهازي, وبأعداد محدودة, غير اني فوجئت بتصاعد الطلب على تلك الكتب, وأخذت قائمة الذين يقصدون مكتبي تطول, وأدركت ان استنساخ الكتب عملية رائجة, ولها سوق جيدة هنا. ليس في الأمر غرابة, فالقارئ العراقي معروف بنهمه, وبتعطشه لكل جديد في عالم الكتب, لكن هل يقتصر الأمر على الجانب التجاري؟ يجيب جابر علي الحياني, صاحب مكتب (مدني) للاستنساخ: - نحن نوفر الكتاب للقارئ بسعر مناسب, والقارئ يحصل على زاده الثقافي بأثمان تناسب امكاناته المادية.. ثم, لابد من وضع هامش ربح لنا, لان تصوير الكتب مهنة وليست هواية, كما ان تصوير كتب بأكملها يحمل الأجهزة فوق طاقتها, مما يعرض بعض أجزائها للتلف والعطل, ويكلفنا اصلاحها الكثير. القارئ, أو المثقف, هو الطرف الآخر, وهو المستهلك لهذه الكتب المصورة, ولا بد أن تكون لديه وجهات نظر أخرى, حول هذه الظاهرة. يقول الكاتب عبدالعظيم البناء: - هكذا هو الحصار, يفرز دائما الوسائل والأساليب التي تحاول اجتياز عنق الزجاجة - ان صح التعبير - لذا ابتكر العراقيون ما يوفر لهم أرضية في عدم الانقطاع عن آخر معطيات الانتاج الثقافي في الوطن العربي والعالم. وفي ذلك تتوفر أكثر من حسنة لمن يسهم في ايصال هذه النسخة أو تلك من هذا الكتاب أو ذاك, ما دام يوفر لمثقفينا ومبدعينا فرص التلاقي الفكري. ولا بد من حملة وطنية منظمة وشاملة تسهم في توسيع منافذ انتشار الابداع بكل مصادره وأشكاله وألوانه, لكي لا ننقطع عن العالم. ويعقب الباحث هادي الزيادي: - ظاهرة استنساخ الكتب هي نتيجة طبيعية, حيث يشعر المثقف بابتعاد الكتاب عنه, لذلك تصبح دائرة الاستنساخ محيطة بالكتب ذات الأهمية للقارئ. فقد نجد بعض الكتب الطوباوية تأخذ مكانا كبيرا, ولكن الكتب العلمية لها أهمية خاصة, ولا سيما كتب الهندسة والطب, وكذلك الكتب الدينية. وعلى الاستنساخ مآخذ أيضا.. يقول الدكتور قيس بهنام أستاذ مادة التصميم في أكاديمية الفنون الجميلة: - في البدء أود أن أنوه إلى انها ظاهرة صحية, لانها تسمح للطالب بتصوير أجزاء من الكتاب, والكتاب كله, الا ان ما يؤخذ على ظاهرة الاستنساخ انها تصادر الجانب الفني في اخراج الكتاب, وتلغي اللمسات الفنية الاخراجية التي تلعب دورا فاعلا ومؤثرا في نفسية المتلقي أو القارئ. فبعض المصادر الفنية والعلمية تعتمد على اللون, سيما وان الشروحات تتعلق به, لذلك فإن هذه الشروحات تفقد قيمتها عندما يكون الاستنساخ بالأبيض والأسود. اضافة إلى ان الاستنساخ ليس في جودة الطباعة الأصلية, وفي كثير من الأحيان يكون سيئا. ومن ناحية أخرى, فإن هذه العملية لا تعطي القارئ روحية امتلاكه للكتاب أو المصدر. وثمة مآخذ كثيرة على الاستنساخ, كالتصاق الأوراق وفقدان الغلاف وانعدام الأرضيات (الشبك) التي تلعب دورا في عملية التوصيل. ويتحدث الشاعر عبدالعال مأمون عن هذه الظاهرة بغضب وأسى, ويطالب المؤسسات الاعلامية بوضع معالجة جادة لها, ويقول: - ادمان الإنسان العراقي على القراءة ليس خافيا على أحد في حين ان اشتراطات (الحضارة الجديدة) حسب التفسير الأمريكي - البريطاني, وجدت ان أهم مقومات وموجبات تفوقها, محكومة بعزل إنسان الرافدين, وحرمانه من التواصل مع شعوب العالم والاقتراب من كل ما تشهده البشرية من تحولات وتطورات جديدة, وذلك من خلال احكام طوق الحصار, لذا فإن المثقف العراقي وجد نفسه ملزما بابتكار وسائل جديدة تؤمن له ديمومة التواصل وكسر طوق الحصار, فكان التسابق لاستنساخ المطبوعات احدى هذه الوسائل, التي نجحت إلى حد ما في التعويض عن فراغ القطيعة الثقافية الاعلامية. غير ان الابتكار الثقافي, تحول - للأسف الشديد - لدى كثيرين إلى (ابتكار تجاري), بعد أن شم عدد غير قليل من تجار بدلات العرائس والموز الصومالي وجلافات الأواني, رائحة حاملي دواوين الشعر ومجاميع القصص وكتب النقد والفكر والعلم والمعرفة, ليتأكدوا من أهميتها القصوى في هذا الزمن (الاستنساخي), ولترتفع أسعار الاستنساخ يوما بعد آخر, شأنها شأن أسعار كشوفات ملائكة الرحمة. وإذا كانت وزارة الثقافة والاعلام مشغولة بالتحضير لمهرجان المربد القادم بثياب الذي سبقه.. فهل سيتفرغ اتحاد أدباء وكتاب ومؤلفي ونقاد العراق لمعالجة هذه الظاهرة؟ بغداد - نصير النهر