نظم مركز شباب الدهيشة الاجتماعية في محافظة بيت لحم ندوة ثقافية لمناسبة مرور سبعة وعشرين عاما على استشهاد الاديب الفلسطيني غسان كنفاني والذي ذهب ضحية تفجير في سيارته بمنطقة الحازمية في بيروت سنة 1972 على يد المخابرات الاسرائيلية واستشهدت معه آنذاك ابنة اختة لميس. وتحدث في الندوة التي عقدت يوم الجمعة الفائت الاديب والقاص جمال بنورة مطوفاً على تجربة كنفاني الادبية وانتاجه الاعلامي والسياسي الكبير رغم وفاته في سن مبكرة وقال ان كنفاني كان مبدعا وقدم في اعماله اسئلة كبيرة واجابات فتحت المجال واسعا للرد على فكر وثقافة الهزيمة. واضاف ان كنفاني وبعد 27 عاما على مغادرته لايزال يفرض حضوره في وجداننا الثقافي والشعبي لانه كان يعمل دون توقف من اجل الشعب والقضية الوطنية. وحكى عن نجاح كنفاني في الجمع بين الادب والسياسة في حياة نضالية رائعة, وكان انتاجه تعبيرا عن مشروع ثقافي وطني وانساني انحاز فيه نحو الفقراء والمخيمات والوجع الفلسطيني. وفي دمشق, القى رئيس تحرير جريدة (السفير) اللبنانية طلال سلمان محاضرة للمناسبة ذاتها حكى فيها عن كنفاني الانسان والمناضل والاديب جاء فيها: يتجدد اللقاء, سنة بعد سنة, في الموعد الحميم, لنحتفل بعيد ميلادك ايها الذي لم يقتله الاغتيال, ولم يغيبه النسف الذي نثر قلبه زيتونا ورمانا وتينا ووردا وياسمينا في ضاحية مارتقلا, شمالي بيروت, لتكون علامات على الطريق الى عكا في فلسطين, والى الحرية في كل ارض عربية. لا انت تهجرنا يأسا منا, ولا نحن نهرب منك الى النسيان خوفا من مثلك الباهر, وان كنا نخشى دائما ان تطل علينا من عليائك فتسألنا اين نحن منك, اين نحن من عكا, اين نحن من فلسطين, اين نحن من الحرية, اين نحن من العروبة, اين نحن من انفسنا؟ تستقر في ضمائرنا كالديان, لا تغفل عن شيء ولا تتهاون مع خطأ, ولا تغفر انحرافا, ولا تقبل عذرا كالتعب وثقل السنين وبعد المسافات بين البدايات المشعة بالامل والارادة وبين ما نحن فيه من استكانة واستسلام للعرض الذي لا نقدر على رفضه تحت لافتة السلام, لاننا نبدو كمن فقد القدرة على مواصلة المقاومة فانثنى مكسورا مخلفا وراءه الشعارات الوهاجة واناشيد الكفاح المسلح ورايات التحرير. ممنوعة اغانينا القديمة, احلامنا القديمة, يا غسان, (راجعين, بقوة السلاح... راجعين نحرر الحمى) (راجعين, كما رجع الصباح, من بعد ليلة مظلمة) لم نقرأ ما كتبته الينا, فور وصولك مجللا بدم الشهادة الى عكا, ومن قرأه امس ينكره اليوم, لان النص أبعد من مدى الذراع... وربما الخيال. اما انت فترفض ان تقرأ ما نكتبه اليوم, متناقضا لما وعيت ولما كتبت بحبرك قليلا وبدمك كثيرا, حتى لا تهوى من عليائك فتموت فعلا, مخذولا ومتروكا في لجة فقدان الهوية وحلم التحرير وامل العودة. ربما لهذا اسمح لنفسي بأن اعود فأستعيد واعيد على مسامع هذه القلة الصامدة على عهدها, القابضة على جمر ايمانها, رسالتك الاولى من عكا, والتي استخرجها الآن من تحت ركام الخيبات والآمال المكسورة والانحرافات التي اخذت فلسطين سلطة شرطة الى اسرائيل بدلا من ان تأخذ فلسطين من اسرائيل فيكون التحرير مزدوجا, بل هو سرعان مايغدو تحريراًَ لعالمنا كله من الانكسار والتمييز العنصري والانسحاق تحت اثقال الهزيمة او التعاظم بشعور التفوق المطلق كقوة احتلال لا تقهر ولا تتبدل طبيعتها ولا تمكن ازالتها لا سلماً ولا حربا. كتبت الينا ضحى ذلك السبت الثامن من يوليو 1972 ما حرفيته: اكتب اليكم من عكا: ومثلكم انا, اكاد لا اصدق اني, اخيرا عدت اليها فأمد بصري عبر نوافذ منزلنا الى الجهات الاربع استوثق مستشهدا بالابنية والحجارة والاشجار وبقايا السور والقلعة والبحر والهواء واشعة الشمس وشباك الصيادين وكل الاشياء الصغيرة التي شكلت لي على امتداد اربع وعشرين سنة صورة المباركة فلسطين. هذا بيت خالتي بحجارته المقدسية المتوقدة التي تشبه ارغفة تخرج من الفرن, وعلى الحاجز الحديدي تدلت عرائش الــ (بواق) الاحمر) . لقد كبرت الياسمينة, بالفعل, يا خالتي... وزهراتها البيضاء المثلثة تحدق ــ كما العيون ـ فيما حولها باستغراب, تفتش عن وجه اليف, عن يد حانية,. حتى اذا اعياها البحث التفتت الى الحجارة السمراء تحضنها برفق وتلوذ بها. وهذه هي الساحة الامامية كانت ملعبنا حين كنا... والمصطبة... ويهدر في اذني صوت عمي حين رأى صورتها, مرة, فاستذكر واقعة قديمة, قال عبر ضحكاته: وهنا نزلت بقضيب الرمان عليك. انسيت؟ جئت يومها تمشي وانا جالس على المصطبة, وقلت لي: انظر ماذا وجدت ورأيت بين يديك قنبلة يدوية, وكنت قد نزعت حلقتها, يومها وقف شعر بدني وهجمت عليك وانتزعتها من بين يديك وقذفتها الى الخارج. انت لم تجدها ايها الملعون. لقد تسللت الى غرفتي وسرقتها ولعبت بها, وسترك الله فلم تنفجر لسبب ما زال يحيرني. يومها نزلت بقضيب الرمان عليك في حفلة لم تعرف عمرك ما يماثلها. اكتب اليكم من عكا. وعن عكا تريدونني ان احدثكم. اعرف. واسمع الآن بوضوح حفيف اجنحة شوقكم اليها فوقي, الى يميني, الى يساري, خلفي وقدامي. سأصاراحكم بشيء: رحلة العودة الى عكا اقل مشقة وارهاقا من الشوق اليها. ام سعد قالت لي مرة: كن رجلا فتصلها في غمضة عين, اما ان كنت لاجئا فلن تراها انت, ولن يراها حتى حفدتك. اقول لكم: ان الرجال كثرة هنا. كل الذين اختاروا ان يعودوا وصلوا فعلا. بعضهم جاء عبر النهر, وبعض عبر الجليل, وآخرون عبر الجولان. اما ابناء غزة وخان يونس ورفح والعريش فقد مدوا اجسادهم جسرا فوق خط الحدود القديم حتى آخى تماما وعادت الى التراب الوطني الفلسطيني وحدته الابدية. لعل بعضكم يسأل الآن او يتساءل... ومن اين الطريق الى عكا, او يافا, او حيفا, او القدس, او جنين, او طولكرم او قلقيلية او ام الفحم او الناصرة الخ؟ ولست اعرف جوابا من خارج تجربتي, وتجارب الآخرين الذين التقيتهم هنا... وأجد الجرأة الكافية لان اقول: انا بخير فاطمئنوا. فأنا الان في منزلي ومعي هنا كثيرون ممن سبقوني الى العودة. ونحن بانتظاركم. ولن نطمئن حتى تصلوا عائدين. عكا تشتاقكم, وكل المدن الاخرى. لا شيء نسيكم هنا, حتى صدى وقع خطواتكم على الارض مازال يرن, كأجنحة فراشات. في الهواء الندي. ايها الغائب ــ الحاضر يا صديق العمر الذي تركنا بغير وداع. بيننا هنا وحيثما تواجدت فلسطين بناسها, شهداء ومنتظرين, من يغبطك: لقد (عدت) في الموعد الصحيح, بينما تستحيل العودة على الآخرين اليوم حتى عبر الطريق المفجع الذي اختاروه لك. لكننا نعرف, من تجربتك كما من سيرة صناع التاريخ عموما, ان اليأس انتحار مبكر, ولسنا من دعاة الانتحار, وان الاستسلام خروج من الامة وعليها وليس من فلسطين وحدها, ولسنا ممن يخرجون على وطنهم او امتهم اذا ما واجهت ظروفا صعبة فلطالما خيمت عليها ظلمة التخلف والاحتلال والضياع في فترات اغتراب عن الذات او تغرب في الهجانة ثم عادت الى نفسها والى طريقها والى رسالتها اقوى وانبل واعظم ايمانا. وهاهي المقاومة الباسلة في لبنان بمجاهديها الميامين تواصل جهدها المبارك لاجبار الاحتلال الاسرائيلي على الخروج من لبنان بغير اتفاق اذعان. بل هاهي تخترق الكيان الصهيوني نفسه, فتخرج الامهات في تظاهرات باكية لاستنقاذ ابنائهم من الموت المجاني في الشريط المحتل من ارض لبنان, وتدفع بالاحزاب لان تتبارى في طلب الانسحاب المعجل, ولو من طرف واحد, وتدفع بالجيش ذاته, المتفوق على مجموع القوى العسكرية العربية, الى المطالبة باخراجه من الارض التي استعصت على اسلحته المتطورة, وناسها الذين تعلموا كيف يصطادون الجنرالات والضباط والجنود ثم يرجعون سالمين وكأنهم كانوا في رحلة صيد. ولقد حملني هادي حسن نصر الله, باسم شهداء المقاومة, التحية اليك, في انتظار ان تلتقيا في رحاب الخلد نبراسين لطريقنا غدا. سلام عليك, ايها السابق, كعادتك دائما, سلام على الشهداء الاحياء, واخص بالذكر منهم (الحكيم) جورج حبش وآني العظيمة وسائر الرفاق الذين لم ينسوا... غسان كنفاني في سطور ولد غسان كنفاني في عكا بفلسطين عام 1936, تلقى علومه في مدارس الارساليات الاجنبية, غادر مع اسرته وطنه اثر مذبحة دير ياسين في العام 1948 الى الحدود اللبنانية ــ الفلسطينية ثم الى دمشق, وهناك تابع تعليمه وحاز على الاعدادية وبعدها التحق بسلك التعليم في وكالة الغوث. اشتغل محررا في صحيفة (الرأي) ومشرفا على طباعتها. هاجر الى الكويت وعمل فيها مدرسا للرياضة والفنون الجميلة. اما محطته الاخيرة فكانت بيروت حيث عمل في مجلة (الحرية) ورأس تحرير جريدة (المحرر) اصدر مجلة (فلسطين) وكتب في (الانوار) تحت اسم مستعار (فارس فارس) انشأ مجلة (الهدف) الاسبوعية واصبح الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, ساهم في تأسيس مركز الدراسات والبحوث الفلسطينية. كان صحفيا وفنانا وباحثا ومسرحيا وقاصا وروائيا. من رواياته (رجال تحت الشمس, ام سعد, عائد الى حيفا), ومن قصصه (ارض البرتقال الحزين), وله عدة مسرحيات بينها (الباب), ترك العديد من المقالات السياسية والنقدية, اهتم بنشر دراسات حول العدو الصهيوني وادبه وطبيعته, وخلف بضع لوحات تشكيلية. بيت لحم ــ دمشق ــ البيان