يشكل التطور والتوسع المديني في جنوب سوريا مخاطر على الاثار في هذه المنطقة التي تعتبر من اكثر مناطق الشرق الاوسط غنى بالتراث الاثري والقرى التاريخية . وقد حفظ الجنوب السوري الذي يتميز بوحدة جغرافية قوية يطغى عليها البازلت بكافة اشكاله عددا كبيرا من الاوابد بحالة تامة, وكذلك قرى قديمة كاملة مع مساكنها ومنشآتها الزراعية, وخصوصا معاصر العنب, اضافة الى انظمة جمع المياه وشبكة الشوارع والطرقات. وساعدت اطلال هذه القرى مع العديد من الكتابات النبطية والصفوية واليونانية واللاتينية في اعادة تكوين حياة سكان المنطقة بدقة وتنظيمهم الاجتماعي منذ العصر النحاسي ولغاية العصر الاسلامي. وقال مدير المعهد الفرنسي للاثار في الشرق الادنى جان ماري دينتزر لوكالة فرانس برس ان التنظيم المديني ضاعف خلال السنوات الثلاثين الاخيرة عشر مرات مساحات التجمعات السكانية (وادت اعمال البنى التحتية الضرورية وعمليات استصلاح الاراضي الزراعية الواسعة الى ازالة او تهديد عدد كبير من هذه الاثار) . واضاف دينتزر (رغم ان التنمية تعتبر مسألة حيوية لسكان المنطقة الذين هم بحاجة الى المساحة والى ثروات اراضيهم, الا ان الشواهد الاثرية او المتواضعة للماضي تشكل هي ايضا رأسمالا مرتبطا بالتراث الثقافي للانسانية) . وكانت منظمة الامم المتحدة للعلوم والثقافة والتربية (اليونيسكو) قد ادرجت منطقة بصرى الشام (130 كلم جنوب دمشق) على لائحة التراث العالمي في 1980. وهذه المدينة معروفة بمسرحها الروماني (150ــ200 بعد الميلاد) الافضل حفظا في العالم. واشاد بالمديرية العامة للاثار والمتاحف في سوريا على فعالية عملها في حماية هذا التراث, وقال ان المتاحف المحلية الكبرى مثل متحف السويداء (106 كلم جنوب دمشق) والمتحف الجديد في درعا (100 كلم) (تحتل مكان الصدارة في عملية الحماية وكذلك في مجال التعريف التاريخي بالاثار) . لكن الخبير الفرنسي اعتبر المهمة (ضخمة وجسيمة) , وقال انه في مجال الاعمال الكبرى مثل سدي الفرات والخابور (وهما مشروعا دولة فقد امكن القيام ببرمجة جيدة ومسبقة لعمليات انقاذ الاثار مع تعاون دولي) . لكن في المقابل فان (الانشطة الرئيسية في جنوب سوريا هي مبادرات شخصية سواء تعلق الامر ببناء البيوت ام باستصلاح الاراضي الزراعية, وعليه فان مهمة التنبؤ والادارة هي اكثر صعوبة بكثير) , معتبرا ان (الاولوية الضرورية الاولى تتمثل في انجاز جردة لهذا التراث) . وقد شرع المعهد الفرنسي لاثار الشرق الادنى ومعهد الاثار الالماني في دمشق في تعاون وثيق مع المديرية العامة للاثار لانجاز ملف بالمواقع والاثار (صور وكشوفات ومحفوظات). وادرج الاتحاد الاوروبي, ادراكا منه لاهمية هذا العمل, المشروع في اطار مجموعة المشاريع الهادفة الى حفظ وتنمية التراث الاثري السوري والبالغ عددها 16 مشروعا. واوضح دينتزر ان النتائج الاولى لهذا التعاون بدأت تظهر على الارض: ففي السويداء, حيث حقق مايكل كالوس من المعهد الفرنسي اكتشافا (مثيرا) في 1998 لمركز مديني اثري يعود الى العصر الحديدي والفترة الهلينية, مع المراحل الرئيسية لتطور المدينة (قلعة وقصر ومسرح ومقر مجلس المدينة وحمامات وكنائس ومقبرة كبيرة), تمكن المعهد من مباشرة ترميم قاعة المسرح (بفضل مساعدة ممول فرنسي) . من جهته, فان المعهد الالماني الذي ينفذ مشاريع في القنوات (105 كلم عن دمشق) وشهبا (مدينة رومانية تبعد 90 كلم عن دمشق), اجرى في السويداء عملية تدعيم قوس (مشنقة) الذي يشكل جزءا من كنيسة.